8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شهيدا المجتمع السلمي المقاوم

كأنَّ سيناريوات الحروب التي تسمّى "أهلية" (وهي ليست أهلية دائماً)، واحدة؛ أو هكذا خَبِرناها، على امتدادها، عقوداً عندنا. تبدأ بالقتل. أو الخطف. أو المجزرة الجماعية. ثم تأتي ردود الفعل (المدبرة عموماً). بالقتل المضاد. والخطف المضاد. والمجزرة الجماعية المضادة. تأخذ أحياناً لبوس الانتقام. أو الثأر. سواء كانا على المستوى العائلي. أو المذهبي. أو الطائفي. أو المناطقي. أو الحزبي. سيناريوات الحروب، كأنها واحدة. أن يستدعي طرف أو جماعة طرفاً آخر لرد الفعل، ومن ثمّ للفوضى، وصولاً الى حالات العنف المعممة، فالى الفتن...
عندما خطف زياد غندور وزياد قبلان، كأنما اشتممنا من تلك الروائح الكريهة السابقة، العابقة بالموت، ومن تلك الخطط الناضحة بالاستدراج الى الفتن. لكن هذه المرة، اختير صبي في الثانية عشرة، وشاب في مقتبل الربيع في الخامسة والعشرين، برعم يتفتح، وربيع يحمل ألوانه الأولى.
نيسانان: واحد تقدم كثيراً. وآخر على إطلالته. هكذا، قصِفا ببربرية في عزهما. خطفا من أمام المدرسة. فكأن السيناريو تضمن هذه المرة أن تستهل الأمور إما بالطفولة أو بالشباب. أي بالمستقبل. إنها إشارة ممن ارتكب الخطف والقتل باستهداف كل حلم يتجسّد بالأمل. والشباب. أي محاولة اغتيال كل خروج الى ما هو آت. الى ما هو فتوة. الى ما هو طفولة. وكون الشهيدين تلميذين، تكتمل الدلالة. إطفاء نور العِلم. واستهداف المعرفة، وإبلاغ رسالة بأن لا شيء يردع أهل الاجرام، ولا شيء يحول دون تجاوزهم كل الاشارات الانسانية، والاجتماعية، والسياسية، والأخلاقية... والعلمية وصولاً الى أغراضهم في استعادة سيناريوات الفتن، والحروب، أو مجرّد الانتقام البهيمي الغريزي، غير المحسوب.
وكأن على الزيادين، أن تفتتح بدمهما الغالي، دروب الجنون، والقتل، والوحشية، فبأي بربرية أُعدما! وهنا لا ينفع الكلام على مدى انسانية هؤلاء القتلة، ولا عن مدى خلوهم من أي ضمير. فهؤلاء القتلة من احتراف، ومن امتهان، ومن جفاف، ما يجعلهم مجرّد آلات عمياء. صماء. لا تحسِب للعنصر البشري حساباً... أو قيمة.
افتتح القتلة احتفالهم الدموي بقتل الزيادين ـ الشهيدين، استدراجاً لقتل مضاد، واستدعاء لشعار "العين بالعين. والسن بالسن. والقتل بالقتل. والدم بالدم". إنه كرنفال جديد للموت؟ هكذا يريدونه ربما. أهل كرنفالات الدم. لتدمير الحياة المدنية. والنسيج الاجتماعي. وتفكيك الأواصر. وزرع الفتن. من بوسطة عين الرمانة اندلعت الحرب. ومن المجازر المتنقلة، والتهجير، والخطف، استمرت، حتى وصل الأمر الى انعدام كل بنية في المجتمع، وكل عنصر من عناصر الدولة، لتسود الفوضى الدموية حتى آخر ذرة من ذرات الجنون. وقد خبرنا، من تجارب الحروب السابقة، أن من كان يرتكب مجزرة في هذه المنطقة، كان هو ذاته يرتكب أخرى في منطقة أخرى، إشعالاً للفتنة، وشحناً للنفوس والغرائز. إنه درس تعلمناه! ودفع اللبنانيون ثمنه غالياً. عبرة أن تنساق وراء إشاعة، وقد يبثها طرف واحد عند كل الأطراف المتنازعة. وكانت إشاعة ما تودي بحياة العشرات أحياناً! وقد اشتغلت ماكينة الاشاعات منذ اللحظة الأولى التي خطف فيها زياد غندور وزياد قبلان، ومن الطبيعي أن يكون مطلقو الاشاعات جزءاً لا يتجزأ من الجريمة! أو من أدواتها، أو من مستغليها، ونظن أن هذه الاشاعات ستستمر غداً وبعد غد، وسيستثمرها بعضهم لاستكمالات سياسية انطلاقاً من الجريمة المروعة!
فماذا نفعل؟ أي ماذا عسى يفعله اللبنانيون، أهل السلم المدني، والمجتمع، والديموقراطية، وماذا عسى أهل الفقيدين الشهيدين أن يفعلوه؟ وماذا عسى الأحزاب أن تفعل، وكلها استنكرت وشجبت؟ هذا هو السؤال: إذا كان كل الذين استنكروا صادقين في خطابهم. وفي دعواتهم لنبذ الفتنة، وردود الفعل، فمن الصعب جداً أن يستثمر المجرمون جريمتهم المزدوجة في احتمالات تدميرية... بل ومن المستحيل أن يخترق أي مستغل لهذه الجريمة "الجبهات" السلمية! فهل علينا أن نحتكم الى هؤلاء لدرء الفتن. أقصد الأحزاب والناس وما امتلكوا؟ ربما! ولكن الجهة الوحيدة المخوّلة متابعة تداعيات هذه الجريمة، وكشف القتلة، ومحاكمتهم، هي الدولة بأجهزتها الأمنية والقضائية! إنها الملاذ الوحيد، والمنصة الوحيدة، والكلمة الفصل في هذه القضية. لأن الذين ارتكبوا الجريمة المزدوجة، إنما ارتكبوها، ليعلنوا، أنهم خارج دائرة الدولة، وخارج سلطتها، قوانينها... وإلزاماتها، ليستدعوا أهل الضحايا، ليكونوا، بدورهم، خارج الدولة، وخارج سلطتها، وقوانينها، ويلجأوا الى "عدالتهم"، و"انتقامهم"... والى أخذ "حقهم" بأيديهم! وعندها تتساوى جريمة اغتيال الشهيدين الزيادين ومحاولة اغتيال المجتمع ـ الدولة! وعندها تسهل عمليات تدمير كل شيء تماماً كما حدث في حروب العقود الثلاثة الماضية.
وصحيح أن على الدولة القيام بواجباتها، كمرجعية أمنية وقضائية وحيدة، لكن الصحيح أيضاً أن الدولة مكوّنة من المجتمع. وهنا بالذات الدور الأساسي الرديف: ماذا يمكن أن تفعل الدولة مهما بلغت قوتها في مثل هذه الظروف أو سواها، إذا لم يلبّها هذا المجتمع (وتلبيه) بأدواته، وهيئاته، وأفراده، وبمناخاته، وبمدى تماسكه، وقوته، ومدى قدرته على صد كل محاولة لتصديع نسائجه، وتفويت كل "اختبار" لإعادته الى زمن الموت والتشرذم والتقسيم! وتالياً كيف لمجتمع كمجتمعنا، أصيب، على امتداد عقود، بفصامات، وشروخ، وجروح، وهزائم، وجولات عنف وخضوع لآليات الأمر الواقع ولقمعها وظلمها وشرورها، من صنف الميليشيات أو من صنف الوصايات المتعاقبة، أن يتجاوز كل ذلك في زمن بات يصبو فيه الى كثير من العقلانية، والأخلاقية المدنية، والصفاء والأمل، والحلم، والتوحد، والتبصّر في الأمور، وفي الظروف، وفي الأحوال!
هذا المجتمع وجد نفسه أول من أمس (وفي كثير من الحالات) على المحك: هل عليه أن ينأسر مجدداً بسيناريوات "الحروب"، لدى أي حدث، كما كان يتم في السابق، لتتسرّب من خلال ذلك الحروب وتجدّد حيويتها؟ أم عليه أن يتصرّف كفرد حرّ في مجموعة، أو كمجموعة من أفراد، من ضمن دولة، وقوانين، ووعي سياسي، وفكري، فيفوت على المتربصين بهذا البلد (وما أكثرهم، قرباً وبعداً) لتأجيج الفتن التي يشحنون النفوس من أجلها، ويهيئون بكل وسائلهم وأبواقهم أرضية "صالحة" لها؟ هل سيرى المجتمع انتصاره على هذه الجريمة المروعة في نزوعه الى الدولة، أم سيرى انتصاره في الانسياق للجنون الفئوي، أو لردود الفعل الآنية، أو الخضوع بلا عقلانية الى المخططات الدؤوب لضرب مقوماته؟ هل عليه أن يبحث عن السياسة وراء هذه الجريمة، فتكون "السياسة" كما هي اليوم (ضمن الصراع المذهبي) نوعاً من الانتحار؟ أم يبحث عن الخاص (العائلي) وإن من تلوّث سياسي، فيحصر المسألة ويقننها ويطوّق احتمالات تفجرها؟
يبدو أن المجتمع بهيئاته الأهلية والحزبية والنقابية اعتمد الخيار الثاني. أي الاكتفاء (حتى الآن) بأن الجريمة هي جريمة ثأرية (عشائرية) تشبه جرائم "الشرف" والعرض... والمروءة والشهامة المتخلّفة! وبأن مثل هذه "الحوادث" تحال على الأجهزة القضائية والأمنية. إذاً ليست جريمة سياسية (وإن انبثقت عن أحداث سياسية!)، ولا إيديولوجية... ولا مذهبية (معاذ الله!). وهذه هي "التسوية" المضمرة والتوافق الضمني بين الطوائف والأحزاب. نقول ذلك لأن هذه الطوائف والأحزاب: من حزب الله، الى حركة أمل، الى التقدمي الاشتراكي، الى تيار المستقبل، وعموم 14 آذار... وجدوا أنفسهم أمام أمر واقع جدي يتجاوز غبار "التصريحات" والاتهامات والشحن والتخوين والتكفير... وجدوا أنفسهم كلهم فجأة أمام احتمالات "حرب" حقيقية قد لا تبقي ولا تذر! ولهذا كأنهم "استحقوها" وشعروا بفداحتها، وبثقل مسؤولياتها، وبوعي نذائرها، ونتائجها، التي ستكون مدمرة على الجميع، وعندها لن يكون من رابح ولا حتى من خاسر: سيبرك العدم على رؤوس الجميع، وعلى الدولة، وعلى الوطن كله.
فهل نحيي هذا "الحس المسؤول" لدى هؤلاء جميعاً، أم علينا أن نستريب، ونتنسّم مناورات أو انتظارات أو رماداً أكثر ينام تحت الجمر؟
وهنا لا بد من القول أنه أياً تكن "النيات" والخلفيات، فقد شعرنا بأن كل هؤلاء "شعروا" وربما للمرة الأول منذ زمن... بأنهم غير قادرين على تحمل مسؤولية "حروب" جديدة... لا لأنهم جميعاً لا يريدون مثل هذه الحروب، ولكن، الى ذلك، لأنهم مدركون أن "نهاياتهم" تنتظرهم على كل مفترق من مفترق هذه الحروب؟
مع هذا، لا بد من أن نرى الى الإجماع على استنكار الجريمة... دلائل "خير"، وإشارات توحي مسؤولية، وحذراً... وتخوفاً... وربما رحمة على ناسهم وبلادهم ومصيرهم.
لكن، هل تفوتنا التحية الخالصة لعائلتي الشهيدين الجميلين: الصبي الجميل ذي البراعم النضرة، وللشاب ذي الأربعة والعشرين ربيعاً! على صبرهما... وقوة احتمالهما، وسموهما الى أبعد من رد فعل، وغريزة، أي الى ما يجعل دموعهما أصفى ما في سماء هذا الوطن، وحزنهما أنقى ما في ثلوج المرتفعات... إنهم أهل الشهيدين، المفجوعون... لكن الذي تحسّ فجيعتهم، اليوم، أقرب الى الفجيعة الوطنية، بل الى فجيعة شعب بكامله!
وقد يكون في علوّ المفجوعين من عائلتي قبلان وغندور... ما يجعل هذا المجتمع يتصالح مع مستقبله، ومع نفسه، على مشارف كل الاحتمالات!
فألف رحمة عليك يا زياد غندور. وألف رحمة عليك يا زياد قبلان... فباستشهادكما، قلّت فصول الربيع هنا... وشحبت براعم كثيرة هناك... ربما لتنمو، وتزهر في قلوبنا وفي عقولنا!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00