8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أسئلة تتكرّر في "يوم المسرح العالمي":

في بداية هذا القرن، اخترق المسرح زمناً آخر. زمن الثورات والاتجاهات التغييرية، والمغامرات التي لا تأسرها حدود ولا نهايات. كأنما انضم المسرح، في إرهافاته الجديدة، الى مغامرة القصيدة التي كانت بدأت تتأجج منذ القرن التاسع عشر في تجريبيتها وخصوصيتها وحريتها.
إذاً بداية هذا القرن كانت مفتتح المسرح الآخر. مسرح ثورة الإخراج والتقنيات والسينوغرافيا التي صارت جزءاً حيوياً من اللعبة الدرامية.
على أن نهاية القرن كأنما كانت انتقاماً من بداياته، ليس من المسرح وحسب إنما من مجمل ما صنع "تألقه" أو "جنونه" أو ثوراته ابتداء بانتفاضاته الايديولوجية، وانتهاء بفنونه الخاصة، مروراً بفلسفاته ومدارسه وتوجهاته الطليعية والمتقدمة. هكذا، كأن تشعر، أحياناً بأن صفحات هذا القرن انطوت في غروبه صفحة إثر أخرى، حتى ليتملكك إحساس بأنك تبدأ من الصفر، أو من اللاشيء أو من خراب عصر كامل كان الحلم مساحته المتميّزة.
في نهايات هذا القرن الذي أصيبت فيه أنظمة القيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والفنية في صميمها، واستشرت على أطرافه الصراعات الاتنية والطائفية والعنصرية، وسادته أنسقة الاستهلاك بأدواتها وحروبها وفنونها، هل يبقى من حاجة الى المسرح؟ هل يبقى من شرعية اجتماعية وإبداعية وروحية لأبي الفنون؟
إن الأزمات الكبيرة التي أدركت المجتمعات في تكوناتها الأساسية وما نتج منها من انقلاب على صعيد "القيم"، أصابت البنية المسرحية كجزء من تلك البنى وملامح المدنية. وفي إشارتنا الى "البنية" المسرحية نعني مختلف عناصرها التكوينية التي تؤلفها ابتداء من المسرح كفضاء وكعناصر وانتهاء بالمتفرج ومروراً بمجمل السبل التي ترتبط بها: من المدرسة، الى الشارع الى السلطة الى الديموقراطية. فعندما ينعطب المجتمع المدني بسبب الحروب، أو بطغيان البربرية الاقتصادية التي نعيشها ينعطب المسرح، وينكسر، ويتهدد كمشروع ثقافي (مدني)، وعندما ينعطب المجتمع بفعل ظواهر تعصبية منغلقة ولا عقلانية، مما يؤدي الى انعطاب قيمة الديموقراطية الحية، ينعطب المسرح أيضاً، ولا سيما عندما يتحول سلاحاً تعصبياً لمحاربة سلاح تعصبي آخر. أي عندما يخرج على مشروعه المدني ويتحوّل سلاحاً بربرياً وأداة تقسيمية. وهذا ما كان يحصل عندنا في لبنان وعلى امتداد حروب الآخرين علينا. وعندما يصاب المجتمع المدني بسيادة ظواهر التسليع و"الكم" والوحشية المادية التي تعمي البصائر والضمائر والأجسام، يتراجع المسرح كأنه يخاف أو يخجل فينعزل، فكأنه يستشعر بأن الحاجة إليه انتفت كمشروع خاص أو كفن مستقل.
المسرح العربي دفع غالياً ثمن هذه الظواهر والتوجهات والصراعات الايديولوجية والسياسية والاستبدادية، ودفع ثمن استيعاب السلطة له، وكذلك الهزائم والحروب الاجتماعية والدينية، حتى ليبدو اليوم كأن العالم العربي من دون مسرحه. أي كأن إحدى الحلقات الثقافية الأساسية التي انعقدت منذ نحو 150 عاماً مع مارون النقاش قد انفرطت أو تكاد تنفرط، بل كأن سقوط المشروع النهضوي بأنسقته وتعابيره واحتمالاته جرف معه المسرح.
المسرح العربي اليوم، في يومه العالمي، كأنه صار أقل من يوم، وأضعف من طفل يتيم. وهو اليوم وحيد أعزل ومرذول، لا من المؤسسات والأنظمة فحسب، إنما من الجمهور أيضاً، حتى كأنه صار "عبئاً" تاريخياً، ومن نوافل العالم القديم. أي كأنه صار جسماً غريباً من هذه المجتمعات وفي أفضل الأحوال مظهراً من مظاهر الزينة والترف والكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، أي كأنه لم يعد له أي حاجة وأي شرعية اجتماعية أو إنسانية. فالعالم الذي فقد أحلامه النبيلة لا يحتمل أي مساحة للحلم فيه.
II
لكن السؤال يبقى ملحاً: هل الحلم الذي جعلوه من متاع السابق، أتبقى له ضرورته في حياتنا المعاصرة؟ إنه سؤال نطرحه كل عام في يوم المسرح لأنه يتجاوز المسرح الى المساحات الإبداعية الأخرى.
إن الحاجة الى المسرح، إذا سلّمنا جدلاً بانتفائها، فيعني أن الثقافة ككل تنتفي الحاجة إليها، من الشعر الى الموسيقى الى الرواية الى السينما الى الرسم، ويعني ذلك أننا نفصل الثقافة عموماً (والمسرح خصوصاً) عن التطور الاجتماعي، لننتزع بذلك العنصر المدني عن تكونات هذا المجتمع، ونتركه فريسة للوحش الاستهلاكي، وللآلات الاستبدادية، وللتصحّر والغياب والموت أي نحوّله بدناً بلا دم ولا أنفاس ولا أرماق ولا أحشاء ولا إرادة بدناً منتفخاً متورماً تطنّ عليه الساعات والأزمنة طنينها على جماد. أي كأنما نستبدل مبدأي الحرية والحلم بمبدأي الضرورة والحاجة المباشرتين.
على هذا الأساس نرى، وأكثر من أي وقت، ان المسرح (وهو الأول بين الفنون، الذي صنعته المدينة ـ بمفهومها المتسع ـ وصنعها)، أكثر من ضرورة عادية، وأكثر من شرعية مادية ملزمة، وأكثر من سلوك يتراكم بين العادات، نراه ذلك الاستنفار العميق المدرك هواجس الفرد ادراكه غرائز الجماعات واحلامها وتطلعاتها، كمكان خاص ذي هوية خاصة، خاصة أولاً، وكمكان تلاق وحوار في زمن المونولوغات المغلقة المتعصبة، العنيفة، القاتلة (والمقتولة)، وكفضاء حي نابض منفلت عاصف متمرد في زمن المعلبات واشكال التقولب والتصنيع والفبركة، وكمنصة تجاوز في زمن الانهيارات الشتى، والانكسارات المأسوية الحادة، وكمختبر للضمير الجماعي في زمن التخدير العام، وجسر بين المراحل في زمن القطيعة الثقافية، ومتراس لمقاومة ظواهر الجمود والتردي والانحطاط، وأخيراً كمنفذ للحرية في زمن الدكتاتوريات السافرة او المقنعة.
من هذه الشرعية اللامحدودة المتميزة المتشعبة، يستمد المسرح قوته واستمراره وطاقاته على النجاة والتبلور والتخطي والقيامة. وينبغي الا يفهم من كلامنا اننا نقصد شرعية اجتماعية تستند الى القيم السائدة البالية، والمرجعيات والتقاليد، التي ترى المسرح او اي فن آخر جزءاً من آليتها السلطوية، او المادية، او انخراطاً في ادواتها المتواطئة والتبريرية، او بضاعة في سوقها، او ترويجا لنظم الجهل والانغلاق والعتمة والقتل. فهذه "الشرعيات" هي التي حاولت عبر انظمتها استيعاب المسرح، واغتيال روحه المتمردة، واسكات صوته الحر، ولجم طليعتيه المتفجرة، وطمس اختباريته اللامحدودة.
ان المسرح، في يومه العالمي، وكي لا يكون كيومه تذكارياً، يجب، أولاً وأخيراً، ان يستمد شرعيته وضرورته من قوته الخاصة، من هواجس تجاربه الذاتية، بلغتها واكتشافاتها وتوغلاتها داخل ابجديتها، وداخل الضمير الاجتماعي، كظواهر مميزة، صادمة، وجديدة، تقلب العادات والقيلولات وتهز المسترسلين في خمول الانسياق لوتائر الواقع الهش. لكن كي يتحقق ذلك، حتى جزئياً، يفترض له شروطاً واسباباً تتضمن وعياً متزايداً وحاداً ورهيفاً بدوره، وايماناً بحضوره، وشغفا به لا يعد له سوى توق الى معرفة لا تنتهي بتواريخه واسراره وامتداداته.
ونظن ان اول هذه الشروط يرتبط بالمعنيين الاساسيين به اي اهله، اهل المسرح الذين ضعفوا امام جبروت الواقع والمتطلبات اللازمة الشتى، فعمدوا الى خيانة مسرحهم قبل "صياح الديك"، وتوزعوا، بعيداً منه، على شاشات التلفزيون في مسلسلات تافهة، أو على المسارح التجارية، او انكفأوا في احباطاتهم، او اعتصموا في لغاتهم المنمطة المتكررة، او دخلوا في خدمة السلطات او الطوائف أو المؤسسات المهيمنة. فالمسرح يحتاج اولا الى اهله كي يحموه. اذ كيف نطلب من الجمهور ومن الدولة ومن المرجعيات حمايته اذا كان ابناؤه الخلص الشرعيون ازوروا عنه اوتنكروا له بذرائع وتبريرات.
وعندها يأتي دور الدولة وسواها تساهم في دعم شغف اهل المسرح به، وعندما نؤكد دور الدولة كشريك في حماية المسرح وتطويره، فلاعتقادنا الراسخ بأن المسرح الجدي والطليعي كي يبقى على زخمه وعلى استقلاليته وخصوصيته ومغامرته بعيدا من "الشعبوية" وبعيدا من الحسابات المادية اليومية، يحتاج الى مساعدة الدولة، كما يحصل في بلدان "ديموقراطية" وأخرى غير ديموقراطية، ابتداء من انظمتنا العربية وانتهاء بالولايات المتحدة وأوروبا، لكن من دون احتوائه او قهره او جعله من صورة النظام ومن مفرداته ومن ملحقاته ومن أدواته.
كلمة أخيرة، بعد كل هذه الهزائم، والنكبات والنكسات والخسارات الفادحة، هل تبقى من وسيلة أخرى لأهل المسرح، سوى المسرح لاسترداد حيويات مفتقدة، ووعي جماعي مكسور، وكرامة معطوبة وضوء انطمس تحت تراكم الخراب والظلمة؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00