...وَيلوحون بعد كل هذه التحركات والانتهاكات وأعمال العنف، وتعطيل رئاسة الجمهورية عبر إبقاء رئيسها ظلاً بين ظلال بعبدا، وتعطيل المجلس النيابي (باعتباره من ممتلكاتهم) وبعد المتفجرات والاغتيالات وقطع الطرق والاعتداء على الناس وترويعهم بالسلاح والحروب والأحداث وتهديد ثلاثة أرباع الحكومة وثلاثة أرباع مجلس النواب بالقتل... يلوحون بعد كل هذه الإنجازات "الديموقراطية" و"الحضارية" (لكي لا أقول الالهية ما دام كل ما تنضح به عقولهم المستعارة، وترتكبه ايديهم المستعارة الهياً) بخطوات "ديموقراطية" مماثلة يسمونها هذه المرة العصيان المدني... براو!
عال! فليكن عصيان مدني! وأين الفارق ما دام هؤلاء، اقصد منتوج الوصايتين (مالاً وعقيدة وسلاحاً وَرَسناً ووتداً ووشيجة وعمالة) يمارسون هذا العصيان في يومياتهم، وفي سلوكهم وفي استباحاتهم. كنا نظن أنهم سيصعدون باللجوء إلى خطوات "أكبر" لكن يبدو كأنهم بتهويلهم بالعصيان المدني يسجلون تراجعاً في الممارسة وانخفاضاً في منسوب تحركات أشرس وأقوى! ذلك انهم في حد ذاتهم باتوا عصياناً مدنياً. وجودهم في ذاته، وكما هو بات عصياناً مدنياً. وكل "عصيان" مقبل، لا يقاس بما ارتكبوه ويرتكبونه من "عصياناته" وخروج على الدستور والقوانين والأعراف منذ مدة طويلة.
والسؤال: وما الذي فعلوه حتى الآن (ولنقل اصطلاحاً منذ انسحاب اسرائيل من لبنان) ولم يكن عصياناً على الشعب، والارادات الأكثرية والنواميس؟ فهم باتوا منذ مدة طويلة، وكَورثة لنظاميي الوصايتين، محترفي عصيانات.
فكانتوناتهم المسلحة، والخارجة على سلطة الدولة عصيان وأكثر من مدني، عصيان من نوع "وطني"، واقامتهم "جمهورياتهم" المُصغرة ، حدوداً، وسلاحاً و"بيت مال" (من أخماس واسداس معروفة المصدر) عصيان "جمهوري" على حدود التقسيم الظاهر والمتبطن. واغتصابهم قرار الحرب والسلم بديلاً من الشعب والمؤسسات الدستورية، هو أكثر من عصيان وأكثر من مدني. عصيان من نوع أن يكونوا مجرد "محمية" أو جُزر "محميات" للخارج من تواقيع الشقيق هنا والمستعجم والمستفرس هناك. والارتباط بأجندة خارجية وبمال خارجي وبمخططات خارجية (دون اعتبار مصلحة الوطن والشعب) من حيث هو خنوع وخضوع لخارج الحدود.
كما ان اقتناءهم الأسلحة والترسانات (بعد خروج العدو الاسرائيلي من لبنان) المدججة من صواريخ ومدافع وقنابل من كل العيارات تفوق ما عند الدولة، وسط شعب اعزل لا يملك ما يحميه (منهم) أكثر من عصيان، وأكثر من مدني. انه عصيان عسكري مبطن بالشعارات التي لم تعد تنطلي على أحد. فسلاح حزب الله (الالهي طبعاً وأكثر من الهي) صار في المدن والدساكر والنواحي وفي الأزقة والزواريب والأحياء. فهو حتى أكثر من عصيان مسلح. هو سلاح انقلابي بالقوة موجه ضد الشعب اللبناني ذلك أن أهل التقوى والورع (وما عليك ألا ان تنظر إلى سيمائهم وسحنهم لتلمس شفافية التقوى والصدق والزهد والنورانية والورع!) يبدو انهم عينوا الأرض اللبنانية ارضاً معادية لهم. والشعب اللبناني شعباً معادياً لهم. والدولة اللبنانية دولة معادية. والنظام اللبناني (دستور الطائف) نظاماً معادياً، بديلاً من العدو الصهيوني ولأن "أهل الاستبداد، ولكي يبرروا استبدادهم، وأهل الاغتصاب لكي يبرروا اغتصابهم، واهل المنقلبات لكي يبرروا انقلابهم يحتاجون دائماً إلى "عدو"، فالعدو اليوم بات لبنان بكل حدوده وارثه واقتصاده وثقافاته وطوائفه وأحزابه وتاريخه. اذاً يتصرف هؤلاء وكأنهم في حرب تحرير جديدة: تحرير لبنان من لبنان ومن ديموقراطيته، وسيادته وتميزه وكيانه واستقلاله، تمهيداً للانقضاض عليه واستفراسه. ونظن ان هذا الارتداد الى الداخل بعد ذلك النصر "الالهي" ليس ارتداداً على مكتسبات ثورة الاستقلال كتعبير عن ارادة شعبية عارمة فحسب، بل ارتداد ايضاً على كل مفاصل الجمهورية، وكل مكوناتها، ونسائجها، ووشائجها، وعراها الوُثقى وغير الوثقى. وكل ذلك، (ومنذ انسحاب الوصاية) يندرج، في مختلف مظاهره المستظهرة والمستبطنة المباشرة والمجازية، ضمن عصيان "خبيث" تورّم وانتفخ حتى بات يشكل خطراً محدقاً. اذ إن أهل العصيان المعروفين "بِخوارجيتهم" باتوا، بما ينتجونه، عصياناً خبيثاً متورماً في الجسم العمومي الوطني. فالعصيانات "الأخطر" تأسست منذ مدة طويلة، بتمويل وتشجيع من الوصايتين، حتى وصلت الى ما وصلت اليه. واليوم عندما يهولون بعصيان مدني انما يعنون (ضمناً) استمرار العصيان المسلح، والمعسكر، وشرعنته وتواصل الانقلاب القسري وغير المدني طبعاً. ونظن ان تنظيماً أو حركة أو أحزاباً مسلحة حتى اضراسها ومناخيرها وضلوعها وحلوقها ليس لها ان تقنعنا بان ما تفعله وتخطط له، وتسعى اليه، وتصبو الى فعله، يمكن ان يندرج في "خانة" مدنية وإن كانت عصياناً، أو حتى في خانة انقلابية "بيضاء"! وتذكرنا دعوتهم اليوم الى العصيان المدني، بدعوة الانظمة العربية الانقلابية في الخمسينات وحتى اليوم، الى الديموقراطية. فالانقلاب العسكري لا يؤدي الى نظام ديموقراطي، ولا الى نظام حر. وجماعة 8 آذار، الطالعون من ذهنية النظام العربي ـ (والاعجمي) الانقلابي، من الصعب ان تؤدي أي خطوة يعتمدونها الى "شيء" مدني، أو سلمي او حضاري، فالعنف في صلب مخوخهم وتركيبتهم وتربيتهم وبيئتهم الفكرية والدينية والاقطاعية والطائفية والكانتونية. (كل كانتونية هي عنف في ذاتها). بل هم من منتوج العنف الاستبدادي العالم ثالثي والاستعرابي... والاعجمي! ونظن أن امثال هؤلاء الذين لم يقوموا بتحرك "سلمي" إلا وادى الى عنف، وتخريب، وارهاب، وترهيب، وقتل، وقطع طرقات... وهجوم على الاحياء، وتحطيم ممتلكات، واعتداء على "العمران". تربوا وربّوا على كراهية كل ما هو جميل وعمران وحياة!). وقهر الناس، واذلالهم، فأي عصيان "مدني" وراء كل هذا العنف "الثوري" (لا الثوروي)، وغير الآدمي (بالمعنيين)، وأي مدنية، وأي كلام، وأي حرية، وأي ديموقراطية. نقول ذلك لأن بعض "زلاعيم" ابواق الوصايتين كوزير البنغو (حليف الهي لحزب الهي وقُلْ لي من تحالف أقلْ لك من انت!). يصرح، (وكان متواطئاً مع ما ارتكبه النظام الأمني المشترك السابق) بأن "العصيان المدني" هو عمل ديموقراطي (تماماً كما سبقه القائلون من حزب الله) والالهيون من احزاب العروبة البائدة، وقالوا ان الاضراب يومي الثلاثاء والخميس كان اضراباً سلمياً (!) فهذا هو مفهومهم للسلمي، وللحضاري: ارغام الناس على تلبية دعواتهم بالقوة والتخويف. الم يقل وزير البنغو والخوات لشعبه (رح نفرجيكم يللي بعمركم ما شفتوه!) لكن يبدو انه رأى من الشعب اللبناني يومي الثلاثاء الأسود والخميس الأحمر يللي بعمرو ما شافو!.
ولو عدنا الى الوراء (حتى ايام المقاومة عندما كانت مقاومة ضد اسرائيل وليس ضد لبنان)، نجد وبشيء من "الفلاش باك"، ان التأسيس للعصيان المدني كان متلازماً والى حد كبير مع اعمال المواجهة، باعتبار ان ثمن المواجهة ربما يكون السيطرة على البلد (لا سيما بعد خروج الوصاية). على هذا الأساس "فسوسة" العصيانات المدنية، والجمهورية، والوطنية، والحضارية، ليست جديدة، والدليل تباشيرها في الذهنيات الكنتونية التي تجسدت ميدانياً في بعض المناطق الخاضعة للسلطة الالهية! وما عزز هذه "النيات" وهذه "الظواهر"، تشجيع الوصايتين لهذه "الاحتلالية" (الوطنية) سواء في الجنوب (لنقل الحدود الايرانية والسورية الى هناك كامكنة لمواجهة بديلة مع اسرائيل وغيرها من حدودهما)، أو في العاصمة... واستغلال بعض الزعامات الممروضة بالمناصب، لتغطية هذه "العصيانية" بطرابيش من هنا وهناك: سواء جنرال الهزائم أو غراب بعبدا. وقد لا يتم هذا الأمر "الجلل" (خدمة للوصايتين ولتعطيل المحكمة وورقة الجنوب... ولبنان) إلا بهذا "التصعيد" تحت مسمى العصيان المدني. ونظن أن هذا المسمى مجاز لمسمى أعمق هو تعميق المنحى التقسيمي ـ المذهبي في لبنان. ذلك ولأن جبهة 8 آذار هي جبهة حزب الله (والباقي طرابيش وأقنعة)، ولأن أكثرية الشعب اللبناني بتلاوينه السياسية والطائفية والفكرية على الضفة الأخرى، فمن الجائز والواجب ان تكون الدعوة الى العصيان المزعوم هي دعوة الى مزيد من الانعزالية، والانفصالية، والافراز الطائفي والمذهبي الذي يفصل "كتلة" تاريخية ما عن الكتل الأخرى، أي عن الوطن كجمهورية وكيان وسلطة ومؤسسات ودستور! هذا هو "المستور" والمستبطن. من هنا، محاولة لجوء هؤلاء الى تفكيك جبهة 14 آذار تارة عبر جنرال الهزائم (الذي انتهت مدة مفعوله)، وتارة بتحريض السنة على الدروز، أو المسيحيين على المسلمين، أو السنة على الشيعة،... وهذه فشلت، وعندها يكون لـ 8 اذار ان يبرر عصيانه التقسيمي بمناخات التقسيم بين الطوائف المذهبي! كأن بتوع 8 اذار يريدون ان يعيدوا لبنان الى مجرد جزر طائفية (كما كان فعلياً أيام الوصايات المتعاقبة على امتداد ثلاثة عقود)، تتيح لهم، ولمنطقهم السموي هنا، والوطني هناك، فرض كانتونهم المستقل، اذا عجزوا عن اغتصاب السلطة، والنظام والكيان.
انه معنى العصيان المدني، ولكن، وفي مفهومهم "الاستئلاهي"، "الاستنبائي"، أيضاً، انه، ربما لن يتم ذلك الا بتماهي العصيان المدني المزعوم، (الكانتوني النزعة) بحرب اهلية، ما دامت أكثرية الشعب اللبناني تفشل عصياناتهم منذ استشهاد الرئيس الحريري وحتى اليوم.
وهذا ما يفسر تدفق الأسلحة من كل العيارات، وتدفق المال النظيف بالفانات والشاحنات، بالمليارات، وتدفق الأوامر بالاستمرار في تنفيذ الارادة الخارجية السوداء.
كأنه أمر عمليات متتابع ومُمنهج من فوق تخوم الحدود، لتهيئة لبنان لاحتمالات انفصالية، (أو انعزالية) او تقسيمية، من خلال هذه البؤر المرسخة، أو المستخدمة، أو تلك الظواهر المعمقة في مناطق محددة، استكمالاً لحدود "وهمية" ولوطن افتراضي.. طائفي لطائفة كريمة كانت على امتداد تاريخها تواجه كل مشاريع التقسيم والانفصال والانعزال.. حتى جاءها منقذها الالهي المظفر!
ومن الطبيعي، ولتغطية مشروعهم الانفصالي المعد وانقلابهم العسكري، عبر ذريعة "العصيان المدني" من الطبيعي ان يتهموا الفريق الآخر السيادي، الاستقلالي، بأنه يتلقى السلاح، ويقوم بالتدريب، ويهيئ لحرب أهلية، وكما يقول المثل "ايمي يللي فيكِ وحطيه فِيِّ". هذا طبيعي وقد الفناه في الحروب التي اندلعت على امتداد العقود الماضية بين الميليشيات وبين مشاريع التغيير. فما بالك إذا كان 8 اذار وعبر حزبه المستأله.
لكن واياً كان الشكل التخريبي الذي سيستكمل فيه آذاريو الوصايتين، فإن إسرائيل هي التي ستكون المستفيد الأكبر، فهذا العدو سعى ويسعى إلى تخريب لبنان، وتدمير اقتصاده، وتفكيكه، وتصويره بلا مرجعية، ولا هوية، ولا انتماء، ولا دولة، وبلا قدرة على البقاء، وعلى الحياة (تماماً كما يفعل في فلسطين)، وترهيبه، وهذا بالذات ما يفعله أهل الحزب والتخريب بمتعة الهية لا حدود لوطنيتها "الدنيوية" باعتبارها من متاع الآخرة... والباقية والجنات والفراديس! فهل يمكن القول ان ثمة تقاطعاً ما بين آذاريي الوصايتين وبين المخططات الصهيونية، يعبر عنه حالياً باستكمال تدمير لبنان، وبنيته، ووحدته واستنزافه، وحمل أبنائه على الهجرة! هل ثمة احتمالات لقاء استبطانية تحتانية بين احلام الصهيونية بالغاء لبنان، وبين منتحلي الصفات السموية، لابتكار دويلات عنصرية شبيهة بالدويلة الصهيونية ولتكتمل صورة المنطقة بالمنظار التوراتي والعبري...؟
انهم يتابعون ما ارتكبوه، اهل الوصايتين، ويستعيدون شرائط التفجير والتهويل والترهيب وأشباح العصيان والتقسيم والدم والخوف، لكن نبشرّهم ان عام 2007 ليس عام 1975 ولا عام 1969. وان الشعب اللبناني بأكثريته الساحقة، وكما اجهض مشاريع الفتن المذهبية، المتنقلة، وقاوم مخططات الارهاب تفجيراً واغتيالاً وغزواً للاحياء، وقطعاً للطرقات، وقنصاً للأبرياء، سيجهض... ما يعملون عليه من مؤامرات اي ما يرسمونه على خرائطهم المقطعة، والمهلهلة، من تقطيع وتقسيم.
وعلى هذا الأساس: لن نطالب عملاء الوصايتين بالتراجع عن اعلانهم العصيان المدني، بل نطالبهم وباصرار بأن يستمروا.. ويشهروا عصيانهم المدني.. وعندها سيظهر الواقع كم أنهم ضعفاء، وهزيلون وتعساء! وكم ان "عنفهم" هذا، ومنقلباتهم، وفاشياتهم ونازياتهم.. ما عادت تنفع.. لا في العير ولا في النَّفير!
ولهذا نجدد المطالبة: نرجوكم أعلنوا عصيانكم المدني! اعلنوه كي يزداد تظهير الضمير الصهيوني الأسود في استراتيجيته التخريبية والمدمرة!
نرجوكم! اعلنوه، عصيانكم هذا المُعكسر، والمؤمنن، لكي يعرف اللبنانيون كم ان بعض أحزابه الالهية تضع قيام المحكمة في مصاف وطن! وكيف في دفاعها عن القتلة، تضع مصير شعب بكامله، ثمناً لتغطية حقيقة هؤلاء القتلة والمجرمين والسفاحين!
أعلنوه عصيانكم الخوارجي.. لنتبين كم ان خوارجيتكم "تقلصت" تقلصت عن خريطة الوطن حتى صارت أصغر من كلمة، وأصغر من صرخة... بل وأصغر من مؤامرة!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.