8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشعر في عصر العولمة (2)

III
إن الخصوصية التي تميّز الثقافة الأخرى، الهامشية (النقدية) لا تلغي خصوصية كل من مكوناتها. ولهذا فهي، الى فضاءاتها المتواحدة، يحتفظ كل فن، وخطاب، ونص فيها بخصوصيته. والشعر، في هذا الاطار، هل يمكن أن يكون له "خصوصية" مستقلة، أي "جوهر" مستقل، له طاقته، وسماته، ودوافعه وموهبته، التي تميّزه مثلاً عن الرواية، والاعلان أو البحث العلمي. والسؤال: هل يكفي أن نعلق كلمة "قصيدة" بأي نص ليصبح قصيدة؟ نطرح هذه الأسئلة لأنها تتصل عبر الاحتمالات الممكنة لعلاقة "الشعر" بالعولمة!
إذا كانت العولمة، مثلاً، تتعامل مع ما هو موجود، ومعين، ومحدّد، وذي تخوم معروفة، وخلفيات معلومة، وطاقات مرسومة، أي ما يمكن أن تحوّل وظيفته من وظيفة ما الى وظيفة تسليعية أو تجارية، فإن الأسئلة الكبرى حول "الشعر" و"جوهره"، واحتمالاته، وطبيعته، قد تكون من العوائق الأساسية لبناء هذه العلاقة. فالقيمة العملية، أو المردود المادي ـ وأحياناً المعنوي، هي التي تدفع العولمة الى استغلال هذا القطاع أو ذاك.
لكن ما هو مطروح، في الشعر، ومن مواقع عديدة، متناقض، في أسئلته. وهنا يبدو التساؤل: الشعر أهو موجود أم لا؟ هل هناك شيء معين، ملموس، مستقل، اسمه الشعر؟
يقال ان الشعر غير موجود في أي مكان؛ ومع هذا فموجود في كل مكان. صيغة، على غناها، وعموميتها ملتبسة. فكيف يكون الشعر موجوداً وغير موجود. هذه النظرة تشكك ربما في وجود خاص للشعر. أو في خصوصية تميّزه عن سائر الخطب الأخرى. فهو موجود في الرواية أو القصة وفي الشارع، وفي بعض الاعلانات، والنغم، والموسيقى، وحتى في بعض "البضائع الترويجية"، وفي الصورة، وفي الطبيعة، وفي الجسد... إلخ. لكن هل له وجود خاص؟ هل له مكان خاص؟ هل له حدوده الخاصة؟ هذه التساؤلات ليست جديدة. ولطالما طُرحت. ولطالما انقسم الشعراء والفلاسفة واللغويون (لا سيما الألسنيين والسيمائيين) حول المسألة، ومع هذا لم يتوصل أحدٌ أن يقول لنا ما هو الشعر؟ ما هو مفهومه للشعر؟ فالسيمائيون مثلاً ومنهم رومان ياكوبسون الذي يرى أن وجود "حجم شعري للغة يمكن أن نلمسه في أي نوع من النتاج، وليس بالضرورة فقط في القصائد". ليقوده ذلك الى البحث عن مرجع للشعر خارج القصيدة؟ ويلتقي غريماس ياكوبسون في هذه الناحية: "إن المادة الشعرية، ومع أنها تمتلك خصوصياتها، فهي تنتمي الى الحقل الأدبي". وحتى ألاديي "فإنه يمتلك خصوصية ضئيلة إذا ما قيس بالميادين الأخرى الدينية والقضائية" وعلى هذا الأساسي يرى "إن أشكال المضمون التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تحدد سمات حقله ونوعه تنتمي الى الخصائص البنيوية العامة للغة" أي تفقد شيئاً فشيئاً "خصوصية الشعر" وكأن غريماس يريد أن يقول ان هناك أدباً في كل قصيدة، من دون المجازفة في القول ان هناك شعراً في كل أدب". ومن هنا يشكك غريماس في أي احتمال لبناء شكل شعري مستقل"، ليستنتج "لا شيء يسمح لنا بتمييز النص الشعري عن أي نص غير شعري". باعتبار أننا لا نكتشف في القصائد سوى ملامح مشتركة في كل نصوص اللغة. ليدمر بذلك مفهوم "جوهر الشعر" ويلحق النص بكل المجاميع الشكلية للكتابة". هذا النفي للشعرية المستقلة تبناه عدد من الشعراء كدنيس روش في نصوصه وفي كتاباته.
لسنا هنا في مجال تناول هذه المسألة تناولاً خاصاً، بقدر ما أردنا التعامل معها، أو الانطلاق منها، والاستفادة، لنقول اننا قد نوافق هذه الآراء النافية وجود جوهر الشعر، لكن من زاوية أخرى قد تؤدي الى نقيضها. فنحن نعتبر أن جوهر الشعر غير موجود، كمفهوم سابق، أو جاهز، سواء ضمن فكرة، أو نظرية... أو أيديولوجيا. ونظن أن القرن العشرين ولأنه كان قرن الايديولوجيات والأيتوبيات بامتياز، فقد كان المساحة الأخصب لقيام النظريات والبنى الايديولوجية الشتى: الشعرية وغير الشعرية: من المسرح الى السينما الى الفن التشكيلي الى السياسة الى الفكر الى الثقافة. هذا صحيح! وعلى هذا الأساس امتدت النظريات الى الشعر كإرث لجزء من القرن التاسع عشر. ولهذا كان ثمة صراع بين المفاهيم والجواهر الشعرية، تجلت في النقد والبحث والرؤيا تجليها في النصوص: من الرمزية الى الدادائية الى السوريالية فالى مختلف التعابير النصية. كأن كل شاعر يريد (وكل مسرحي أيضاً) أن يبني كاتدرائيته النظرية وبيانه الشعري وشروطه الشعرية وحتى قوانينه الشعرية. بهذا المعنى، نرى أن وضع مثل هذه النواميس والقواعد للشعر كان جزءاً من تقييده أو تحديده، أو حتى التضييق على خناقه، فالشعر يأتي بعد النص لا قبله. بمعنى أنه ينفي نفسه باستمرار. يتمرد على كل "جوهر" يهبط عليه من فوق (كالرومانطيقية) أو من تحت (كالسوريالية)، بعد كل نص ترسم ملامح القصيدة أو الشكل أو التجربة. بمعنى آخر يعطي غياب الجوهر حرية شاسعة للتجريب، لكسر التجربة بالتجريب. على هذا الأساس قلنا ان الشعر غير موجود في المطلق. وأستغرب عندما أسمع أو أقرأ كلاماً يقول "جوهر الشعر هو كذا وكذا" أو "الشعر الحقيقي هوكذا وكذا..." أو "على الشاعر أن يكتب كذا وكذا". وهذا ليس شاعراً! وهذا ليس شعراً! فالشعر يتجسّد أو لا يتجسّد. وإلا بقي "بدعة خيالية"، يكون في الكتابة أو لا يكون. ولهذا، رأينا أن مقولات وفلسفات واتجاهات نظرية قامت وتولت حتى وصلنا اليوم الى الزمن الذي ذوت فيه المدارس والايديولوجيات. صار الشعر حراً، غير محمّل بأثقال البيانات الجاهزة، والقيود النظرية وحتى القضايا الكبرى أو الصغرى التي كانت تحدده بمضمونها أو بالتزامها. سقطت المفاهيم الشعرية المفروضة قبل النص، وها هو النص، يتحرّك، بكل حرية في فضاءات غير محدودة. مفلتة، مجنونة، عاقلة، سردية، غير سردية، بصرية، سمعية، توبولوجية، غرافيكية... كل شيء أمام الشعر، لا قبله ولهذا اتسعت حقوله... الى الدرجة التي يمكن أن تقول أننا نقتبس مرحلة ما بعد الشعر (المفاهيمي)، وما بعد القصيدة. فهذه الأخيرة باتت جزءاً من النص، لا النص جزءاً منها. وعندما يتحرر الشعر من المفاهيم، يصبح "إدراكه" مستحيلاً. يصبح حيَّ أسراره الحاضرة والمقبلة. كل هذا لا يعني أنه ينفصل عن مجتمعيته. على العكس، فبدلاً من أن يكون مقطوراً بمظاهر هذه المجتمعية أو بعلاقاتها ووشائجها المفروضة، التاريخية أو الدينية أو اللغوية أو الايديولوجية، فإنه، وعبر انتباهه الى فجوات المجتمعية يحتل الموقع الأمامي. يخرج من جوف هذه المجتمعية، ومن تناقضاتها، ومن "ثقوبها"، ومن احتمالاتها، ليصوغ، ومن ضمن رؤيا فردية، أو قراءة طازجة، نصاً مختلفاً، نصاً متحوّلاً باستمرار، وخارج أي وظيفة مباشرة تجعله تابعاً لأي ظاهرة أو مظهر أو بنية؛ هذا هو الشعر في تجريبيته، يكسر القواعد بالنص، والمفاهيم بالبحث النصي. من دون أن يحدد لنفسه إفادة "عملية" أو "اجتماعية"، أو تجارية أو سلطوية. أو استهلاكية أو ايديولوجية. سيد نفسه. وحيد نفسه. حر نفسه. لا يتوقف. وينفي وقوفه باستمرار. كما ينفي حركته باستمرار بنفي تقنينها أو توجيهها على غير حريتها. وهنا بالذات نطرح مسألة العولمة والشعر، (من ضمن السؤال الثقافي ـ المجتمعي أيضاً). ولعل نفور الشعر من أي دوغماتية (اليوم)، ومن أي إفادة أو استفادة، ومن أي وظيفية، هو الذي حماه من براثن الاستيعاب والاحتواء، وحال دون استفراسه من قبل آلة العولمة الجهنمية، وتوتاليتاريات القرن العشرين.
صحيح أن العولمة، اليوم، تلتقي الشعر في تحولاتها وعدم استقرارها. لكن الفارق أن تحولات العولمة، موضوعة لأهداف استهلاكية، لأنماط مقننة، بمضامين تجارية. فتغيّر "أجيال" الكمبيوتر، أو "الخلوي"، أو صناعة السيارات، أو الأفلام ذات الانتاجات الضخمة، ينبع من "الافادة". بينما تطلع تحوّلات الشعر تصعد من التجربة نفسها... ومن اللغة نفسها. من دون توقف. ومن دون هواجس منفعية. فكل تغيّر تحققه العولمة هو تغيّر ضمن وظيفية اقتصادية، ومن أجل احتلال موقع أقوى في السوق، ورفع إيقاع المنافسة. وأحياناً كثيرة عبر إحراق المراحل. لكن عندما تسود قطبية واحدة (اقتصادية، ايديولوجية) فأي مكان يبقى للمنافسة؟ تسقط هذه الأخيرة تحت أقنعتها المزيفة. في حين أن الشعر لا ينافس أحداً. النص ينافس نفسه. يسابق نفسه. ينتقد نفسه. يهاجم نفسه. الشاعر لا ينافس شاعراً آخر، وكأنهما بضاعتان، أو سلعتان. والنص الشعري لا ينافس نصاً آخر. وذلك يعود الى أن طبيعة النص غير قابلة للمنافسة، وغير هادفة الى منطق السوق، ولأن التجارب الشعرية قائمة على التعدد والاختلاف والتناقض والتناكر... من دون مواصفات جاهزة. وكم أستغرب عندما أسمع مَنْ يقول "أن فلاناً أكبر شاعر" أو فلاناً "أشعر الشعراء" (كما كانت الحال في الجاهلية وفي جزء من القصور العربية القديمة. ذلك أن كسر هذه التعددية عبر اختلاق "منافسة" بين نص ونص. وبين قصيدة وقصيدة، يعني إدراج الشعر في خانة الوصفات "المعروفة" أو القوانين الرائجة. وهنا بالذات تتخذ المنافسة أحياناً طابعاً إعلامياً أو إعلانياً، أو اجتماعياً أو سياسياً أو ثقافياً بالمعنى التسليعي (بعض الجوائز الشعرية مثلاً! تستغل من أجل الترويج، وهنا لا بد من أن نشير الى اتباع طريقة "الأكثر رواجاً" في الروايات، وكذلك بعض الجوائز لا كلها (غونغور، فميتا...) وضع الرواية في ميدان المنافسة. ولكن أي منافسة؟ هل تمكن مناقشة بين روايتين "تجريبيتين" متناقضتي اللغة؟... وكيف تقارنان. وما هي الشروط والقواعد التي يمكن أن تنطبق على نصين لا يتشابهان! ذلك أن "موضة" الأكثر رواجاً (أو البست سيلرز) يُقحم الرواية في عالم "العولمة"، من أبواب ضيقة، حيث يستخدم الاعلام والتلفزيون (أحياناً) والصفحات الثقافية والنقاد والمنابر لتسويق هذه الرواية أو تلك. أي فتح بازار لا يختلف كثيراً عن منطق السوبر ماركت. ونظن أن الرواية هي النوع المهدد أكثر من غيره في الانخراط بلعبة العولمة والخضوع لشروطها، لغة وفكراً وبنية ومضموناً وأسلوباً. أي الخضوع للذائقات المُعَمَّمة التي تستهلك مثل هذه الروايات. وبهذا تكتسب "خصوصية" البازارات الأدبية السائدة. أوليس هذا ما فعله ستيفن كينغ قبل بضع سنوات عندما باع إحدى رواياته من مؤسسة سايمون وشوستر لقاء عدة ملايين من الدولارات لنشرها في طبقة إلكترونية. ولا نعرف الى أي مدى أسست هذه الخطوة لصفقات أخرى أو لاتفاقات شعبية.
IV
ولكن هل يعني ذلك أن على الكاتب الهامشي بنصه الهامشي، أن ينزوي، ويرفض "العولمة" بكل أدواتها وإفرازاتها وظواهرها، رفضاً كلياً؟
نظن أن العولمة، كما هي اليوم، أو كما نراها، ليست كلها شروراً. وليست هي "الشر المطلق"، وقد تساءلنا في بداية هذه الورقة: هل يمكن التعامل مع العولمة تعاملاً ما، يمكن عبره الاستفادة منها، من دون التحوّل الى مادتها ومضمونها وهدفها!
الواقع ان العولمة عبر الانترنت وسواها، وفرت مجالاً كبيراً لنشر "الشعر"، هناك مئات المواقع الشعرية، وملايين النصوص، من كل زمان ومكان، موجودة على الشاشات وفي الذاكرات الالكترونية، ويكفي أن تكبس زراً ليكون أي شاعر من الشعراء الكبار (وحتى غير الكبار) في متناولك. من هوميروس الى شكسبير الى الشعر العربي القديم، الى نصوص بعض الشعراء أو مختارات منهم، الى ترجمات، وسيرة، ومقالات نقدية وتحليلية... إذ لم نعرف فترة في التاريخ البشري كان الشعر فيها متوفراً ومنتشراً الى هذا الحد. إنها المكتبة الفضائية الخصبة المفتوحة لكل زائر باتت جزءاً من الذاكرة المحفوظة، تزورها من تشاء وتختار منها ما تشاء وتستخدمها وتستغلها كما تشاء. ثقافة فضائية معممة، تكاد تجعلنا نبشر "بديموقراطية" فضائية، أو إلكترونية تساوي بين زبائن الانترنت وزوارها. وكأن في هذه الديموقراطية الطارئة ما يشير الى "عدالة" ما و"مساواة" و"أخوة" في نشر الشعراء بمختلف اتجاهاتهم وأزمنتهم. من جاك بريفير الى مالرمه الى رمبو الى دوبوشيه والسياب ونزار قباني وأدونيس ومحمود درويش. وخصوصاً أن بعض الشعراء يتولون بأنفسهم نشر أعمالهم باستحداث مواقع لهم على الانترنت مع عناوينهم وسيرهم للتعريف والتسويق والتعارف. وهذا رائع! أن يصير شعر كل شاعر معلقاً في الفضاء، كقمر اصطناعي أو ربما كالقمر نفسه ولِمَ لا وكالبدور! فكأن الشاعر يعولم نفسه أكثر مما يعولم شعره! وهل تؤدي هذه الظاهرة الى تسويق الشعر عبر إكسابه "خصوصية" جديدة، أو هوية جديدة لمجرّد وجوده على الشاشة وفي المتناول أو ضمن دائرة القراءة المعممة أو الاستخدام الاختياري؟ أو المهني، أو الاطلاع الفضوي؟ وهل يمكن أن يؤءي ذلك الى تخلي الشعراء عن دور النشر في إصدار أعمالهم، لينشروها على الانترنت كما سبق أن فعل بعضهم؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على طبيعة الكتابة نفسها، كما يؤثر فيها بعض الشعراء العرب الى الترجمة الى لغات عالمية، على لغتهم الشعرية. فيعتمدون النص المبسط الأسهل للترجمة، أو الميسر في القراءة للوقوع في "أيديولوجية" السهولة، بعيداً من وعورة النص الشعري وفخامته وغموضه وسريته وخروجه الدائم على نفسه. وتمرده على أي خصوصية جاهزة، أو هوية محددة؟
إن مثل هذه الأسئلة المتصلة بالوسائل الالكترونية، والشبكات، تقربنا من أسئلة أخرى عن علاقة الشاعر والتلفزيون، وتالياً الى أي مدى يتأثر الشاعر، اليوم، بالتلفزيون عبر إيقاعه، ونتاجه، ولحظويته، وطريقة تلقيه؟ هل نقع، (اليوم) أو مستقبلاً على شعر تلفزيوني يصوغه شعراء استقبلتهم الشاشة الصغيرة، وانتزعت منهم الروح النقدية، أو هاجس البحث، أو حتى خلفيات العمق، في النصوص، ليكونوا في دائرة التبسيط، والتسطيح، والسلبية، والهلهلة، من الغياب، والتلقف السريع حتى في مجال الثقافة الهامشية؟ وهل يمكن، أن يقولب التلفزيون عقول الشعراء، ليس في كتابة الشعر السريع، البلا لغة، والبلا قرار، والبلا ـ مجاز، والبلا بنية مركبة، والبلا تجريبية ليكتسب الشعر "هوية" تلفزيونية شبيهة بالهوية الالكترونية على الانترنت، فينخرط في طاحونة العولمة التي تدوّر الزوايا، وتملّس النتؤات، وتُعبّد الوعورة، وتُعوِّم السري، وتسطح الغامض، وتصوغ "جوهراً" شعرياً يستمد وجوده من هذه الأدوات، وما خلف هذه الأدوات، وملامسة تخوم "توتاليتارية" جديدة لا تختلف كثيراً عن التوتاليتاريات التي عرفها القرن العشرون وسواه من حيث فكرة التعميم، والاحادية، والوظيفة المباشرة.
صحيح ان ظاهرة تعميم الشعر على شاشات الانترنت باتت منتشرة بشكل كبير، ولكن لم نلمس حتى الآن، آثاراً دامغة لطبيعة الانترنت على الشعراء، بالمعنى المعولم الذي أشرنا إليه. ولكن هذا لا يعني عدم تعرّض الشعر لمثل هذه المخاطر في المستقبل. وعندها لا يفقد خصوصيته (وهو بلا خصوصية) بل يكتسب "خصوصية" الأداة التي يستخدمها. وإذا كان الثوب لا يصنع الأمير دائماً، فإن الثوب يسمم أحياناً الجسم، يشوهه، ولكن هذا لا يعني أيضاً أن الشعر يمكن أن يستبدل بشعر آخر، كما يستبدل الثوب بثوب، أو الشاشة بشاشة، أو التلفزيون بتلفزيون، أو المكان بمكان. فالشعر (السائر في كل الاتجاهات) أبعد من فكرة المقايضة. وقد نجا منها أيام البنى التوتاليتارية والنظم الاستبدادية والأفكار السياسية المُسَلَّعة الاعلامية، واليوتوبيات (القاتلة)، حيث اقتصرت مهمته على تعميم الأفكار الجاهزة، وتسويقها، ليصير جزءاً من وظيفة تنسب الى آلة سلطوية عليا. نجا الشعر من الفكر الأحادي، ومن "الجواهر" القَبْلِية، وها هو اليوم، ومنذ قرابة ربع قرن يعيش، (بعد الزمن الايديولوجي) عصراً ذهبياً، تمرد فيها على "العولمة" السلطوية والايديولوجية، تمرده على العولمة "الجديدة" التي لا تختلف بمدلولاتها وأهدافها، عن تلك التي سادت القرن العشرين، من حيث رؤيتها الأحادية وأدواتها المفروضة وأسواقها "المفتوحة" وبازاراتها وسوبرماركاتها وتعميماتها الواحدية، لينضم الى حريته الشاسعة (ربما الخصوصية الوحيدة للشعر تكمن في لا خصوصيته)، البلا حدود، والبلا أمكنة، والبلا طغيان، والبلا أهداف، والبلا وظائف!
وعندما نتكلم عن الشعر عموماً، لا نستثني الشعر العربي اليوم. فهو على عكس ما يقوله غربان النعي وحفارو قبره، (لا سيما من بعض الشعراء أنفسهم)، في أخصب حالاته. الشعر العربي اليوم يتعامل مع وسائل العولمة، من دون أن تستوعبه. بمعنى آخر، يحاول الشعر العربي عبر بعض شعرائه، أن يتعامل مع "العولمة" من باب العالمية أي يعود الى المناخات التي أرستها النهضة والتنوير في أوروبا، وكان لها الأثر الكبير في صوغ حداثتنا الشعرية (والمسرحية والروائية والفكرية والايديولوجية). فالنهضة التي كانت نتيجة الثورات التكنولوجية أيضاً (وليست العولمة اليوم وحدها ثمرة الثورة التكنولوجية) هي التي ضخت القيم الفكرية، والديموقراطية، والتعددية، والفلسفة النقدية، والخروج على الأنماط، والتقاليد، والانضمام الى روح التغيير، والأهم بناء المجتمع المدني المتعدد. على عكس العولمة التي تفرض الأحادية، وتطمس الفردية، وتستعيد الارث لمضمون فولكلوري أو تسليعي أو سياحي أو مجتمعي. ونظن، أن الشعر العربي الحديث مدين جداً لهذه التحديثية النهضوية الأوروبية (شئنا أم أبينا)، بل ونكاد نقول وكأن الشعر العربي الحديث شعر معولم، وان المسرح العربي الحديث مسرح معولم، وحتى النهضة العربية نهضة معولمة. قلنا نكاد نقول ذلك لو لم يكن تأثير التحديث الآخر عمّم الأفكار والأساليب والمدارس ولكن في الوقت نفسه فتح نوافذ خاصة للابداع العربي في كل المجالات. وخصوصاً في الشعر. فعندنا، اليرينا العربي واليوتنا العربي. وسان جون برسنا العربي. ولامرتيننا العربي. وبروتوننا العربي. وبودليرنا العربي، تماماً كما كان لدينا سورياليونا العرب، ورمزيونا العرب، ورومانطيقيونا العرب... على أن هذا التماهي لم يكن كله "قدراً" لازباً. أقصد كان هذا الارث الشعري الأوروبي على تفتح في الذاكرات والمخيلات العربية. لم يتخذ "صفة" الفرض الايديولوجي، أو المصادرة الأحادية، بقدر ما كان، والى حد كبير، اختياراً، وإن كان هذا الاختيار محكوماً بواقع ثقافي (آنئذ) يحتاج الى انبعاث، والى قيامة، بعد قرون من الانحطاط.
على هذا الأساس نقول ان الشعر العربي الذي حَصَّن نفسه على امتداد القرن الماضي لا سيما بعد توالي الموجات السياسية والايديولوجية والتوتاليتارية، وأشكال الفرض والقمع والحروب والتخلف، ما زال يستطيع أن يحصن نفسه في مواجهة "العولمة" الجديدة التي تريد إفراغ كل شيء من محتواه التجريبي، والنقدي، والصراعي، والاحتجاجي، أي تريد أن تحل "خصوصيتها" الاستهلاكية الطارئة والسريعة على كل تجربة. ونظن أن العولمة التي تزداد اكتساباً لهوية تسوية الفنون والآداب والأنواع على مسافة متشابهة، ومتناسخة، أي على "هوية" ما مفرغة من الجدالية والجدلية وحتى التناقضية، أي "خصوصية" مفترضة ومفروضة، لن تتمكن (وهذا ما نأمله) من إلصاق هويتها على الشعر. ذلك أنها تتعامل مع "الهويات"، و"الخصوصيات" و"الجواهر" الثقافية الثابتة أو التاريخية أو الفنية أو الاجتماعية أو الاثنية، تُذيبها في طاحونتها، أي لتحوّلها "هويات معولمة" قابلة للتسويق والتجارة... ونظن أن ما يحمي الشعر هو هذا الإصرار على أنه بلا هوية. وبلا جوهر. وبلا وجود. وبلا ثبات. فالشعر غير الموجود أصلاً (كمفهوم جاهز) لا يمكن أن تحتويه العولمة... لأنه ربما قد يستوعبها بقوة "عدمه الخلاب"، ولا تستوعبه بقوة هوياتها العابرة!
قلنا في بداية الورقة ان العولمة صناعة الغرب ولم نشارك لا في صنعها ولا في سيرورتها. وهان نحن نقاومها بالسلاح الأول "الشعر" وثقافة الهوامش والمجتمع المدني. ذلك أن الشعر مهما تمرّد على هذه الآلة الساحقة، فقد لا يتمكن وحده من المقاومة (على قوة هامشيته)، وعلى هذا الأساس فإن مقاومة العولمة لا يمكن أن تتم لا بالسعي الى عولمة أخرى، ولا بالسعي الى أنظمة توتاليتارية أخرى، ولا حتى الى نيوليبرالية جديدة (كالموجودة الآن) وإنما، بالسعي الى حد ترسيخ المجتمع المدني كطاقة جماعية، تحرّكها الديموقراطية، والتعددية، والفكر النقدي، والانفتاح على كل احتمال ثقافي أو فكري أو سياسي، بعيداً من أي "جماعية" أصولية، سواء كانت دينية أو ايديولوجية أو اثنية. ذلك أن العولمة لا تختلف في عمقها عن أي أصولية، بل هي أقصى نقطة من نقاط الأصوليات الجارية. بمعنى آخر، نظن أنه إذا كان علينا أن نقاوم هذه "العولمة" الأحادية (بالشعر وبسواه) فعلينا إعادة ارتباطنا بالثورة النهضوية التنويرية التي أسست لمجتمعات حرة وثقافة متنوعة، وعقل نقدي وفلسفي يكون هو السقف لا سواه.
وعلى هذا الأساس يتخذ الشعر، في مناخات هذه التنويرية الجديدة، حيّزه "الخصوصي" المنفي باستمرار، وعبر جوهره المنفي باستمرار، وعبر طبيعته المنفية باستمرار على مساحة غير محدودة، وغير مقننة وغير مفروضة من التحوّلات والتغيّرات.
وعندها بالذات لا يصبح الشعر هو الذي في عصر العولمة بل العولمة هي التي تصبح في عصر الشعر. (انتهى)

(*) قدمت هذه الورقة في المؤتمر الشعري الدولي الأول الذي يعقد في القاهرة ما بين 10 و13 شباط الجاري، بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة في مصر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00