8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشعر في عصر العولمة الحلقة الأولى

I
العولمة صناعة الغرب. هذا معروف. لم نشارك فيها، نحن العرب. قدر جديد يهبط علينا، نتلقفه هنا، نرفضه هناك، نتماهى به، نستغرق في ظواهره ومظاهره، نقابله بخضوع، نحتج، نصرخ، نستسلم، وبرغم ذلك يبقى أن العولمة صناعة الآخرين. أو فلنقل إنها، هذه المرة، هي صناعة الآخرين وتحديداً، كما يُقال (حتى الآن) ويشاع، أنها صناعة أميركية أو على الأقل صناعة سيطر عليها النظام الأميركي واستغلها، وغزا بها العالم، بقيمه، واقتصاده، ومصالحه، وثقافته، ومطامعه ومطامحه. وهكذا علينا، ولأننا لم نساهم في هذا الحدث الكبير، أن نعتبره قدراً من الصعب مواجهته، وفي أفضل الأحوال "ظاهرة" امبريالية جدية علينا (أو يمكننا) إلحاق الهزيمة بها، لكن كيف؟ وأين، وبِمَ؟ إذ كيف يمكن لمن اعتزل المشاركة في صنع التاريخ الحديث أو أي تاريخ، أن تتوفر لديه شروط المقاومة. مقاومة ما يفد. أو ما يهبط. أو ما يفرض. لا سيما عندما يصير هذا "القدر" جزءاً من معيشنا، وتفكيرنا، وتفاصيلنا، ومأكلنا ومشربنا، وملبسنا، وأدوات رفاهيتنا، وترفيهنا، وجزءاً من "ثقافتنا" اليومية، وغير اليومية سواء وعينا ذلك أم بقي في غياهب اللاوعي... ربما لا شيء. وربما الكثير. وربما القليل، وربما الوهم أيضاً. فلغة العجز متعددة. لكنها تبقى لغة العجز. لكن هل يمكننا، أن (وفي حال رفضنا العولمة كما هي اليوم) أن نخفف من سطوتها! ومن آثارها، ومن جموحها، وأين؟ في تفكيرنا؟ في مواقفنا السياسية؟ في معتقداتنا. في الصورة التي تريد العولمة أن تبرز فيها تواريخنا، ومعتقداتنا، وثقافتنا، ومآلاتنا!
وإذا كنا عاجزين عن المواجهة "الشاملة" فهل يمكن اعتماد المواجهة الجزئية؟ أو الجانبية؟ أو الاستنسابية؟ بمعنى آخر إذا كنا عاجزين عن منافسة "الغرب" (وهنا أميركا) في ثورتها التكنولوجية والميدياتيكية والمعلوماتية والعلمية، فهل يمكن أن نختار جانباً "حميماً" أو عمومياً، لنواجه به وعبره ومنه هذه القدرية الجديدة؟
وهنا بالذات تبرز الثقافة، العربية وغير العربية. الحضارية (بما تشمل من ديني وموروث وعائدات ومكتسبات)، والثقافية بما تشمل من إبداعات، وانتاجات متينة، وكتب، وفكر وايديولوجيا وسياسة... ورواية وشعر ومسرح.
لكن أي ثقافة يمكن أن تفلت من مرمى العولمة، أو من طاحونتها؟
بات معلوماً أن العولمة عولمات. ليس هناك عولمة واحدة، أو سمة معولمة واحدة. ومن خلال ذلك لا تجري أمور العولمات كلها في مسار واحد، ولا في نسق واحد، ولا في تاريخ واحد، وإن صبت كلها في مصب واحد عند المنتج الأكبر لهذه العولمة. فهناك العولمة الاقتصادية (ولن نطيل الكلام عليها)، وهناك العولمة الجيوسياسية المرتبطة بالنمو الديموغرافي وبازدياد الهجرات العالمية. وهناك العولمة الايديولوجية وهي إحدى النتائج الظاهرة لنمو تدفق الحركات الفكرية وصوغها وسيرورتها على الصعيد العالمي. وهناك العولمة الثقافية، من دون أن ننسى وسائط هذه العولمات وأنماط الاعلام والميديا من التلفزيون الى الانترنت مروراً بمختلف وسائل الاتصال. وكل هذه العولمات، وحتى وسائطها تصب، بشكل أو بآخر بما يسمى منطق السوق. أي المنطق الاقتصادي ـ الترويجي الذي يحوّل كل شيء بحجره الفلسفي الى تسليع تجاري!
فماذا عن العولمة الثقافية؟
هل يمكن تصنيفها، وإن اصطلاحاً (على ترابطها وتمازجها أحياناً)، في ثلاثة محاور: محور يرتبط بالانتاجات المتصلة بالقيم الأساسية من عادات وطقوس جماعية وظواهر دينية وفولكلور، وثانٍ يتصل بالانتاجات الثقافية المباشرة من الكلام، واسطوانات، ومراكز انتاج ضخمة، تتقدّمها هوليوود (والت ديزني مثلاً)، وكذلك المسلسلات التلفزيونية الرائجة (دالاس). ولكن إذا كان علينا التمييز بين هاتين الثقافتين (الأولى أقرب الى الحضارات والثانية أقرب الى الانتاجات الفنية وغير الفنية)، فعلينا التمييز أيضاً بين عولمة نشر الأولى (الكلام، كتب، وأسطوانات ؤض ؤ)، وعولمة القيم الثقافية (الحضارية: معتقدات وطقوس وعادات دينية). فهل هذا التمييز ممكن في وسائل الترويج والنشر والعرض. أم ان أنماط الانتاج والاستهلاك وبث الرسائل والنصوص والبرامج والابداع (بمعنى الانتاج) والترويج، تخضع كلها لقوانين السوق والطلب. أي تحوّل الى محتوى تجاري أي تحوّل كلها الى مضمون اقتصادي بالمعنى التجاري، تمهيداً، أو مواكبة، لتحويلها الى مادة تسويقية الى مادة "فكرية" أي تتعادل القيمتان التكنولوجية ـ الثقافية والايديولوجية.
وعندما نقول ان هذه الثقافة معولمة أو في سعيها الى العولمة أو قابلة للعولمة، بفعل تكويناتها أو مفاهيمها أو انتاجاتها الجماهيرية (كُتَل تاريخية)، أو سوق واسعة)، فلأنها توصف بالشعبية، أو على احتمالات شعبية. والعولمة تركز على استغلال الظواهر أو ابتكارها كحاجات أو كأنماط، استغلالاً شعبياً، لأنها مرتبطة أصلاً بالزبون (العالمي) (لا بالمواطنية العالمية كم يحلم بعضهم بشكل أيتوبي)، لتحوّلها الميديا الجماهيرية انتاجات لا تتعدى الترفيه، من مسلسلات تلفزيونية الى ألعاب، الى منوعات، حتى الى برامج دينية واجتماعية موجهة مسلوبة من مضامينها الأساسية (كما نشاهد في عشرات البرامج الوعظية في التلفزيونات العربية والأجنبية لدعاة يمثلون الأديان والمذاهب والخِّل والملل على امتداد الكوكب. فالدين أيضاً وبشكل أساسي مادة معولمة بامتياز!).
إذاً فهي معولمة لأنها تبث وتتدفق على مجموع العالم بالشركات العالمية الكبرى المتعددة. إنها الثقافة التي تجعل أو تُرسم أو توضع ضمن عالم "لحظوي"، مسطح، مجوّف، عالم بلا عمق، ولا ارتفاع، ولا أسفل. عالم معلّق كالمنطاد، وبخفة المنطاد.
حتى الثقافة "الحضارية" التي تتجاوز بخلفياتها التاريخية والانسانية صناعة الاسطوانات والبرامج... أي الثقافة القائمة على الاختلاف أداء ومادة وعراقة وممارسة، أي الثقافة القائمة على اختلاف الجماعات والأقوام كأنها مصيرها لا يختلف كثيراً عن مصير أشكال النتاجات الفنية الترويجية. وكما سبق أن أشرنا، حتى ولو كان في تعددها غنى وثراء، في مكوّناتها التاريخية: الزواج، الموت، الطقوس، العادات، المعتقدات الأساسية التي تعطي معاني معينة للحياة، ولما بعد الحياة، للجغرافيا الفيزيقية وكذلك الميتافيزيقية، الروحية والسماوية، والموروث، والمقدّس، والمرفوض والمقبول... أي كل ما يمكن أن يسمى اليوم أكثر فأكثر "الهوية".
ونظن أن حاجة العولمة الى تبسيط هذه المكوّنات، إما لترويجها وتسويقها، وإما لاستغلالها استغلالاً ايديولوجياً، إنما تتطلب أولاً وأخيراً إفراغها من محتواها، أو توجيهها نحو صراعات وهمية سميت "صراع الحضارات" ومن خلال "نهاية التاريخ" ونهاية الأزمنة الى آخر هذه "الصرعات" الايديولوجية، ووصفها، عبر العولمة، في موقع صراعي حضاري (حروب اثنية وعرقية ومذهبية ودينية)، يتم إفراغها من عمقها الفكري أولاً، ومن ارتباطها بالواقع الانساني والتاريخي والاجتماعي. فإن رفع شعار (وهو شعار) الصراع بين الحضارات (أو صدمة الحضارات) إنما يتم امتداداً لثقافات الترفيه المعولمة، لينصب في محاولة نفي الصراعات الطبقية، والاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والايديولوجية، وطمس ظواهر الفقر والاستغلال وكفاح الشعوب، والمجتمعات، من أجل حقوقها... أي محاولة إفراغ المجتمعات العالمية (الجنوب والشمال معاً) من كل ارتباط بالواقع الى ما هو افتراضي. ولعل هذا ما يفسّر من جهة أخرى كيف أن مقولة "نهاية التاريخ" تعني "إلغاء الذاكرة" الجماعية، أي محاولة استبدال التاريخ البشري بتاريخ آخر من صنع العولمة أو مراكز القوى. وهنا بالذات يظهر كم أن هذه "المقولات" تسعى الى حفر هاويات سحيقة بين تطوّر وتطوّر. بين إنجازات الثورات التكنولوجية الماضية والتي أدت الى ثورة التنوير، والنهضة، والابداع، والفلسفة النقدية، والنظم الديموقراطية... ولكن أيضاً، وبشكل أساسي، الى طمس الفردية، من خلال فرض هذه المقولات ذات الصراعات "الوهمية"، لتأميم الاختلافات من ناحية، وتذويب الفردية في هذه التوتاليتارية المعممة، والدوغماتية الايديولوجية عابرة القارات والمدن والتواريخ والشعوب. ونتذكر هنا "شعار" المواطنية العالمية المركبة من هذه الكيمياء التوتاليتارية أسوة "بالمواطن" "الصالح" المركب من كيمياء توتاليتاريات القرن العشرين السابقة (أو ربما اللاحقة مَنْ يدري).
II
تحدثنا عن الصناعات الثقافية (الفنية) الضخمة وكذلك عن عولمة الثقافات الأخرى الجماعية والتاريخية، لكن تبقى الثقافة الأخرى. ولنقل ثقافة "التنوير" أو الثقافة التي أفرزتها، أو سبقت الثورات التكنولوجية الغائنة، والتي أسست لثقافة الحرية والديموقراطية والفلسفات النقدية، والحداثة الأدبية، والأسئلة الكبرى... فلنقل الثقافة الهامشية، أو على الأقل التي صارت هامشية أو وضعت على هامش الصناعات الثقافية الأخرى. فهي ليست ثقافة "شعبية" بالمعنى الشعبوي لتحتضنها العولمة، أو لتحوّلها بازاراً سياحياً أو تسويقياً. وهي ليست فقط موروثاً لتضم الى فولكوريات العولمة. إنها الثقافة التي ما زالت متصلة بالأسئلة الكبرى (خارج ظواهر البست سيلرز والمكتبات الكونية)، وبالصراعات والقضايا البشرية الملحة. إنها ثقافة الهوامش، لكنها أيضاً ثقافة المواجهة. مواجهة التوتاليتاريات المختلفة، والنماذج التاريخية المغلقة، والأنماط السائدة، والدوغماتيات المفروضة. ونظنها تلك الثقافة التي صنعت نسيج التاريخ الآخر للناس، منذ الاغريق، والفراعنة، حتى يومنا هنا، مروراً بالمحطة الأساسية "النهضة التنويرية". بمعنى آخر الثقافة التي تختار المثاقفة الحرة، أي العالمية المتفتحة بدلاً من العولمة المغلقة. والعالمية شيء. والعولمة شيء آخر. العولمة تلغي سمات الثقافات والشعوب والفروقات (كأيديولوجيا أو كأيديولوجيات، أو على الأقل تحوّلها الى محتوى فولكلوري)، أي تفرض دوغماتية ما على الحاضر والماضي والمستقبل. تماماً كما كانت التوتاليتاريات السائدة في القرن العشرين، ذات البنى الأيديولوجية المختلفة والتي ألغت "الفكر النقدي" والحرية الفردية وديموقراطية الاختيار والتعبير. فالعالمية على نقيض العولمة، هي أداة تماسك بين الأمم الديموقراطية، وتبقى، في تفتحاتها اللانهائية، وسيلة للتلاقح، والمثاقفة، وكذلك للصراعات الاجتماعية. إنها تنفي الواحدية الى المتعدد. وتُنكر "النهائيات" إنكارها "التحوّلات" المتعلقة بمراكز القوى الفوقية، والنيو ليبراليات الحديثة تحت مسميات عديدة.
وإذا، كان علينا أن نتناول علاقة الشعر بالعولمة، فمن ضمن هذه الثقافة بالذات. ثقافة الهوامش. لأن الشعر، حتى اليوم، هو التعبير الأقصى والأشرس عن هذه الثقافة التي لم تخضع (حتى الآن) لشروط العولمة ولا الى التزاماتها. وإذا كانت هذه الثقافة تكتسب قوتها من خصوصيتها، فلأن هذه الخصوصية (الثقافة) تتحرّك في فضاء لامتناهٍ من التحوّلات والهويات والتكسرات. إنها خصوصية اللاخصوصية. خصوصية تنفي مواصفاتها باستمرار. تحطم أسماءها باستمرار. تجرب مدادها باستمرار من دون أفكار جاهزة، أو يوتوبيات أو حتى مدارس واتجاهات مقننة. إنها الحرية بامتياز! هذه الثقافة الهامشية هي التي تمردت على "الزمن الايديولوجي" السابق والتوتاليتاريات المشابهة لتوتاليتارية العولمة الراهنة. ولهذا كانت دائماً ثقافة المواجهة. ثقافة الفكر النقدي. والكتابة النقدية. والتجريبية النقدية. والخروج على الأنماط الأدبية، والأذواق المعممة، والتمرد على الدوغمائيات "التاريخية" والاجتماعية. ثقافة النفي الدائم. ثقافة نفي الخصوصية بالخصوصية. أوليس هذا ما صنع الفلسفة النقدية. والشعر الحديث؟ والرواية الحديثة. والمسرح الحديث... والفن التشكيلي... والسنيما الحديثة. (بعيداً من الروح الهوليوودية الطاغية)! إذاً من ضمن هذه الثقافة (المهددة) الهامشية، يُجري "فلاسفة" ما بعد الحداثة أو الفلاسفة الجدد، والعديد من المراكز الثقافية والاعلامية، والأصوات المنخرطة في فضاءات العولمة، مباضعهم، لتدمير هذه الهوامش، أو على الأقل لتشويهها، أو لتيئيسها، معتمدين استراتيجية العولمة الاستهلاكية القائمة على رفض الاعتراف بكل ما ليس في متناولها؛ ولهذا بتنا نسمع منذ أكثر من عقدين وهو تاريخ ظهور عبارة العولمة للتعبير عن التحوّلات الجديدة، نسمع يوماً عن "موت المسرح"، وآخر "موت الرواية"، أو موت الديموقراطية أو موت السينما... أو موت الشعر. والطريف أن بعض الشعراء يشاركون في مراسم جنازاتهم بانضمامهم الى موكب نعاة الشعر. (فالشعر يموت ويبقى الشعراء فيا للمفارقة!).
من هنا المقاربة. الشعر جزء من الثقافة الأخرى غير المستولدة أو غير المتلقفة بشروط الترويج السريع. أي جزء من "مجتمعية" ما مهمشة، تحمل أيضاً مواصفات الخصوصية التي قد تنتج الشعر والمسرح... إلخ. هذه المجتمعية، ولا أقول النخبوية، هي التي حمت الشعر الآخر. والرواية الأخرى. والمسرح الآخر... أي النتاج الاجتماعي، الخاص، الذي يعزز رؤية النص بفتحه على المفاجئ، وغير الميسر، وغير المقولب، فلنقل أن المجتمعية "المفتوحة" تظلل حتى الشعر "المغلق"، الغامض، عديد التأويل، والذاهب باستمرار الى أبعد من حاضره، والى أبعد من "جوهره". ذلك أن العولمة تتعامل (أو تستفرد) المادة المعروفة التخوم، المبسطة المفاهيم، الهشة في تكوينها، وخطابها، اللينة في مادته المطواعة. على هذا الأساس فهم بعضهم أن "الشعر" ولأنه لا ينطبق لا في تحديداته (غير الموجودة) ولا في وجوهره (غير الموجود)، ولا في لغته غير الثابتة، ولا في رسالته غير المعممة أي غير الصالحة لتكون لقمة سائغة بين أضراس الاستهلاك، فَهِمَ بعضهم ذلك وكأن الشعر قد توفاه الله أو توفته العولمة. باعتبار أنه، ولابتعاده عن تنكب أدوار "أيديولوجية" بعد الزمن الايديولوجي، أو توتاليتاري (بعد الزمن التوتاليتاري التاريخي والجغرافي والعرقي، فإنه بات بلا حدود. يعني انتهى نهاية التاريخ، وخبا مع التماع صراع الحضارات.
هذه النظرة الكمية والشيئية والخارجية للشعر والتي حكم البعض بها عليه بالموت، هي النظرة التجارية باستمرار. فلأن الرواية أكثر رواجاً منه، نعي باسم ضيق رواجه. ولكن متى لم تكن الرواية أروجَ من الشعر؟ ومتى كان الشعر يحقق "بست سيلرز"، إلا في فترات معينة، سياسية بامتياز وكذلك أيديولوجية. وهل كان رمبو جماهيرياً (لم يتجاوز في "الاشراقيات" و"فصل من الجحيم" 30 أو 40 نسخة). ومالرمه هل كان شاعراً "شعبياً" وطبع كتبه لا يتجاوز العشرات. وقبلها بودلير. وبعدهم اليري... وعلى الامتداد العالمي نوفاليس، أو ريلكه أو جورج تراكل... وهل كانوا شعراء انخرطت أعمالهم في لعبة الذوق السائد، وفي لعبة الاستهلاك. وعندما كان روائيون كبار أمثال دوستويفسكي وتولستوي وغوغول وبلزاك وستاندال وحتى فلويير يلقون نجاحات شعبية عبر رواج رواياتهم، كان الشعراء على هامش الهامش. فهل كان على نقاد ذلك الزمن أن ينعوا الشعر ويقولوا إنه عصر الرواية لا عصر الشعر كما نقرأ اليوم؟ علماً بأن هؤلاء الروائيين والقصاصين (كتشيكوف) كانوا من ضمن الخط الطليعي، والرائد، والمفتتح، والمجترح الذي كان يسلكه الشعراء. ذلك أن النهضة التنويرية التي انبثقت هي أيضاً عن ثورات تكنولوجية ضخمة، وعن اكتشافات علمية مهمة، ولم تؤد الى رؤية "دوغماتية" للمستقبل كما هي الحال في عولمتنا الراهنة. كانت كل الفنون والآداب تتواكب في صنع الزمن الجديد! صحيح ان بلزاك كان "بست سيلرز" زمانه وكذلك تولستوي أو تشيكوف... ولكن على غير المواصفات التي نشهدها اليوم والتي صنعت من الرواية "مادة" استهلاكية، مسطحة، حاولت العولمة أن تستخدمها وتروّجها لطبيعتها الميسّرة. بل حاولت وضعها في منافسة شقية، على قواعد تضعها مرجعيات "نقدية" (معولمة) على صفحات بعض الجرائد والمجلات؛ هذه القواعد قد لا تختلف في صميمها عن شروط المسابقات الرياضية، والمصارعة، والملاكمة، وكرة القدم أو ملكات الجمال!... يعني تضع لها قواعد بمواصفات ترويجية، وتضع أصحابها أحياناً في دوائر الضوء والأسطورة والخرافة (كما فعلت هوليوود أصلاً عندما ركزت حتى في بداياتها على النجم كأداة لجذب الجمهور). إنها اللعبة التجارية باستمرار. لعبة تكوين أو تعزيز توتاليتاريات "مجتمعية" معممة، في صوغ أذواق وردود فعل أحادية، معلبة، ومقولبة، وجاهزة! هذه القواعد والأعراف الموضوعة تتكرّس باستمرار بإيقاع تحوّلات العولمة (اقتصاد السوق)، أي صناعة تاريخ يكون من مفردات معولمة، ويخضع بطبيعته لشروطها... وكذلك لمآلاتها!
لكن ماذا يمكن أن تفعل العولمة بالشعر؟ وماذا يمكن أن يفعل الشعر في رحاب العولمة؟
(يتبع)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00