8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ذكرى الشهيد التي تجدد دروب الحرية والعدالة

كانت الجماهير هناك. الجماهير بصيغة الجمع آتية من كل لبنان الى هناك، من كل دسكرة، ومدينة، وقرية، وبلدة، وسبيل... آتية من كل الجهات، الى ساحة الحرية، والحرية، لكي تكون حرية تأتي، كالناس، من جميع الجهات. كانت هناك، لا لتستذكر مقتله، ولا المقتلات، جريمة ولا كالجرائم فحسب، بل لتقول أيضاً وبكل بساطة، إن الساعين الى الحرية والعدالة، لا يتعبون. ولا يملّون. ولا ييأسون. ولا يغيّرون مواقع. ولا يُبدِّلون مواقف. الشهيد رفيق الحريري، كان هناك، أقصد في كل الأمكنة، لا لينتظر من كان يتوقع أن يأتي فقط، ولا ليستقبل في كل دسكرة أو مدينة أو بلدة، وسبيل، الجماهير فقط، ولكن ليقول وبأصوات هؤلاء، وما أجمل صوته بينهم، وما أجمل صوته طالعاً من أصواتهم، وما أجمل أصواتهم طالعة من صوته، ليقول معهم، إن أهل الحرية، كأهل العدالة، كأهل السيادة، كأهل الديموقراطية، كأهل الضوء لا يتعبون، ولا يملّون، ولا ييأسون... بل كأنهم دائماً في لحظة إعلانهم الأولى، في خطوة شغفهم الأولى، في صرختهم الأولى التي تفتح الطرقات الى كل تلك المعاني الكبيرة، الى كل الخرائط الاستثنائية.
ذلك أن الذين تدفّقوا هنا كالهواء، وهناك كالموج، وهنالك كالغيوم. إنما جاؤوا، ليعلنوا أنهم جاؤوا الى المعنى، مجيئَهم الى الشخص، ومجيئهم الى الإنجاز، ومجيئهم الى الشوق. وكلها، من جوانب الإيمان الحي (لا الإيمان الأعمى والأصم والأبكم..)؛ ذلك الإيمان الذي لا شيء دونه، ولا شيء دون اندفاعه، وسيره الى مبتغاه الأول: فالعدالة من السيادة، والسيادة من العدالة. أي الى الحق. وهذا ما لم يفهمه "مؤمنو" آخر زمن. و"فاشيو" آخر زمن، وقتلة آخر زمن، ومنقلبو آخر زمن. ربما لم يعرفوا أن الإيمان الحي أقوى من كل إيمان "مُركَّب"، أزيف. أقوى من كل إيمان مفبرك بالشعارات والقوة وبالمال والخرافة والتخريف وصولاً الى المخابرات "المؤمنة" أيضاً وتجلياتها، المتوحشة. لم يعرف أهل 8 آذار أن ممارسة العنف على الآخر الأعزل إلا من صوته وقضيته لا تؤدي الى تراجع هذا الآخر. وإن القتل لا يجعل الآخر دائماً مقتولاً. والإرهاب الإعلامي، والمادي، والديني والطائفي والمذهبي والقومي لا يُرهب هذا الآخر ذا الإيمان المتحرر "الحيّ"، والقضية الناصعة الواضحة، ذلك أن أهل 8 آذار ولا سيما منهم أهل الورع والتقوى والربع والخمس والسدس، وكذلك عملاء أجهزة الشقيقتين "المُستوأمتين" علينا (حتى إشعار آخر) لم يفهموا (وكيف لهم أن يفهموا) أن "عدّة" الإرهاب التي يستخدمونها، ويهولون بها على اللبنانيين، فقدت فاعليتها، إنتهت مدتها وسطوتها، وآثارها. لم يفهموا بعد لأنهم لا يفهمون إلاّ هذه اللغة. ولم يلجأوا الى عِدّة أخرى لأنهم لا يجيدون إلاّ استخدام هذه العدة: الترهيب، القتل، الإعدام، المجازر، وما يسبقها ويليها من حملات تخوين، وترويع، وكلام "إلهي" (مضحك حتى الثمالة).
ولهذا، ومنذ استشهاد الحريري كان على "بتوع الوصايتين"، "الإلهيون" منهم و"العروبيون" (مسوخ ما قضوا عليه من أفكار عروبية استعجموها، وعلمانية، ووحدة وممانعة... وصمود...)، ان يُصعِّدوا حملاتهم على ثلاثة أرباع الشعب اللبناني لكي يتراجع عن مطالبته بمحكمة دولية ويلصقوا به التهم، والمواصفات، ويختبروا عليه الوسائل التي تعلموها من أسيادهم "الغَزَاليين" هنا، و"النجاديين" هناك... امتداداً الى الإرث الاستبدادي العريق. وكان عليهم أن يقتلوا. نعم! يقتلوا الرموز. رموز 14 آذار. وأن يقتلوا الناس. ناس 14 آذار بالسيارات المفخخة، والانات المتفجرة... وأن يرعبوا الناس، بشن غزواتهم عليهم، تُذكرنا ببربرية الصهاينة، وبالذهنية الشارونية الإرهابية. (ألم تَغْزُ إسرائيل بيروت ولبنان. ألم تقم هي أيضاً بالهجوم البربري على الناس والمخيمات والأحياء. ألم تدمر البلد)، ذلك أن المدرسة الصهيونية لها نُجباؤها "القَدَريون" عندنا، والمكبّون بلا كلل ولا ملل، وبإيمانٍ خميرة المال النظيف، وحصيلة التضليل الحصيف، على تطبيق نظريات العدو وذهنيته "الإلهية" على الشعب اللبناني!
لكن غاب عن بال نجباء الصفوف الترويعية أن إسرائيل هربت مهرولة من بيروت. ومن ثم من الجنوب والبقاع. وكأنهم لم يتعلموا دروساً هم بالذات فقهوها بالأمس، فأين عقولهم اليوم! فما أجمل التلامذة عندما ينسون دروسهم الأولى... ويتذكرون دروسهم الأخيرة! إذاً، تماهى معظم 8 آذار بالعقلية الصهيونية (وبعضهم تماهى بالنازية لطول باعه بها!)، وحاولوا تدمير الآليات الدفاعية، والتحصينات الذاتية، والقناعات الأساسية للشعب والقضية المحورية (المحكمة) بكل الوسائل والأسلحة والتخريب. هجموا على الأحياء الآمنة، واعتدوا على العُزَّل. (باعتبار أن للمعتدين خبرة في قتال "العدو"، فما بالك بعدو جديد غير مُدَرَّب على القتل والقتال كالشعب اللبناني!).
اغتالوا سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني وبيار الجميل... ليكسروا عزيمة القيادات والناس. عسكروا في وسط البلد، وخربوا هناك و"أركلوا". واعتدوا على المحال، وقطعوا رزق الناس والعباد (والناس والعباد من الجنسية اللبنانية صاروا بالنسبة اليهم العدو الجديد البديل من العدو الصهيوني! فبرافو!) ثم اعلنوا الاضراب. وبدلاً من ان يلبي الناس اضرابهم "السلمي" والحضاري أجبروا على تلبيته من ضمن خطة انقلابية ثلثاؤها أسود، وخميسها أحمر (مثل سحنهم وقلوبهم!) وقطعوا ما قطعوا من الطرقات، وضربوا الناس، وحطموا الممتلكات العامة... لكن ماذا نفعل لكم: فشلت محاولتكم الانقلابية! خانكم "الشعب" "العدو"، وخَيّبت آمالكم ردود فعله المدافعة عن ديموقراطيته، وحقيقته وحريته وسيادته! وهذه عبارات تنزل كالسم الزعاف في حلوقكم وبطونكم! فشلتم! لكن خططكم "الارهابية" (أيها المخربون! بتوع الدواليب والدخان والنبابيت والمسدسات... والايمان بالدنيا والآخرة! فيا للمفارقة الدنيا والآخرة وما بينهما). خانكم "العدو" المتمثل بالشعب اللبناني وكان عليكم، ان تصروا على ذهنيتكم التخريبية والترويعية، لتُفشلوا الذكرى الثانية لاستشهاد الحريري. (يعسكرون في الوسط وكأنه ملك آبائهم وأمهاتهم وأخواتهم وأعمامهم وأسيادهم! كأنما المدينة جزء من المال النظيف!) ففجرتم يا 8 آذار الحافلتين عشية التحرك، وفي بالكم أن الناس ستلتزم بيوتها، وهي ترتعش خوفاً من جبروتكم، وإجرامكم، لكن هذه المرة فشلتم أيضاً وكأنكم صرتم "محترفي" فشل "الهي"... وغير الهي! وبدلاً من أن يزرع الإرهاب الدموي الرعب في نفوس الشعب اللبناني ها هو، يحرك فيه من جديد، روح التحدي، والمواجهة، والمقاومة! تحدي ارهابيي الداخل، مواجهة آلة القتل، مقاومة محاولات التوصل الى انشاء المحكمة الدولية، وافساد الذكرى الثانية لاستشهاد الحريري.
وشتان بين تحرك "سلمي" يعتمده الارهابيون بالقوة وقطع الطرقات والاعتداء على الناس والتحطيم، والحقد، والبذاءة، والسوقية، والعنف وبين تحرك سلمي مليوني، جسده ناس الديموقراطية، والحرية، في كل لبنان، من دون ضربة كف، من دون كسر زجاج، من دون أي اعتداء على الآخر، إذاً "بتوع" الوصايتين دعوا الى الاضراب بالقوة وانتكسوا وآذاريو "الحقيقة"... دعوا الى التظاهر فلباه الناس، برغم كل ما سبق ذلك من ترويع! تفجير الحافلتين في عين علق في الصورتين متناقضتين واحدة لآذاريي الوصايتين كالحة سوداء دخانية دواليبية مطاطية مكللة بالقاني الأحمر والدم، وأخرى من جماليات الفكر، والأمكنة، والتلقائية ومن الوان الانتماءات المتعددة، بلا ماكياج ولا طرابيش! انهما صورتان معبرتان ومهما كان لهما من امتدادات. تأملوا مثلاً وجوه رموز 8 آذار واحداً واحداً: عيونهم تنضح بالحقد وبالقتل... وكذلك بالخبث! تأملوا كلامهم: بذاءة، سوقية، تفاهة تحريض على العنف، تخوين الغاء. دعوة الى القتل (نواف ابن الموسوي دعا بصراحة الى قتل الزعيم الوطني وليد جنبلاط، تأملوا هذا المؤمن المجرم!). راقبوا شفاههم: ترتعش بالنفاق حتى مناخيرهم، وأزيائهم، وأكمامهم... وزلاعيمهم! لا تسمع منهم إلا الوعيد والتهديد والغضب والعبوس والصراخ ولا ترى من ممارساتهم سوى التخريب! وهؤلاء بالذات يريدون أن يحكموا لبنان بالثلث المعطل! تأمل ايها القارئ ان يصل هؤلاء الى السلطة من جديد! أهل الفاشيتين والاستبدايتين! تأمل ايها القارئ أن يتسلم الحكم في لبنان من يتهم ثلاثة أرباع الشعب اللبناني بالخيانة ومن يقتل أو يتواطأ مع القتلة، ومفخخي السيارات... ومخربي المدن! تأمل أن يسيطر على المدينة من يكره العمران... والمدينة! تأمل ان يتولى رعاية المجتمع من لا يعترف لا بالمجتمع، ولا بمدنيته ولا بحضاريته! تأمل ان يأخذ هؤلاء "الأحاديون" الحكم في لبنان! فما الذي يبقى؟ لا شيء! العدم عديمهم. ولا جدواهم. بل تأمل ايها القارئ ان يعلن الصباح في بيروت غربانُ الموت، بنعيقهم الدموي "الخلاب"!
انه صراع بين صورتين، تبلور وتأكد لحظة استشهاد الرئيس الحريري، ومن ثم الشهداء الآخرين. بين صورة "فاشية" لا يردعها رادع للوصول الى السلطة، وأخرى من تعددية الديموقراطية الحضارية، صورة مصوغة بالبنادق والمتفجرات والدم، وأخرى بمداد الحوار والقرب، صورة ملصقة بصمغ الخارج وبكلمات الارهاب والتخوين، وأخرى من ملامح هذا الوطن ومن ناسه. ونظن أن الصورة البهية تجلت مرة أخرى في تظاهرة الذكرى الثانية لاستشهاد الحريري مفجر ثورة الأرز"، في تلك الجموع المليونية التي باتت تعرف جيداً ماذا تريد وما تسعى اليه. انها اللحظة الجماهيرية المضيئة على نفسها إضاءتها على سبيلها: مكونات المجتمع المدني، والعدالة متمثلة بكشف حقيقة من اغتال الشهداء، بمحكمة دولية خارج من الارهاب والمنع والتأثير.
إنها اللحظة الجماهيرية العالية، التي اجتمعت فيها الارادات والقامات والناس والألوان والشعارات والأصوات لتقول نعم للديموقراطية المتجددة في لبنان، للسيادة البازغة برغم بعض المرتبطين بأجهزة الخارج وماله ومآله، للاستقلال توأم السيادة، تكريساً لحقائقه الحرة؛ ومن خلال كل ذلك المحكمة الدولية. وهذه الأخيرة لم تعد تعني فقط إحقاق حق ما، ونيل مجرم جزاءه، وإنما أيضاً، استكمال ملامح الديموقراطية، والحرية والاستقلال. فلا ديموقراطية بلا عدالة. ولا حرية بلا عدالة. ولا استقلال بلا عدالة. وهذه العناصر هي مكوّنات الدولة القوية (بناسها وبنظامها الحر لا بالاستبداد)، حامية الناس، والأحلام، والارادات، والتطلعات، والتعبير، والفكر والتعدد.
في الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس الحريري، كأن كل ذكريات الاستشهاد الأخرى لرموزنا: جورج حاوي (بطل المقاومة الوطنية، التي صَفَّتْها الوصايتان)، سمير قصير، بطل من أبطال الحرية والمجتمع المدني والتغيير الديموقراطي، جبران تويني، الوجه الشجاع التلقائي (قال عنه بعضهم بعد استشهاده: الحقيقة أن جبران زادها كثيراً... تطرّف كثيراً. وكأن هذه المقولة من تلك الشفاه تبرر جبن قائلها أو قائليها وتبريراً لصمتهم المشين أو كلامهم الاكزوتيكي في زمن الحقائق المصيرية الكبرى. فيا للتمرد! ويا للحرية!) بيار الجميل في الجيل الثالث لحزب قرر الانضمام الى الدولة، ولآلياتها، ولبنيتها... كل هذه ذكريات شهدائنا، كأنها تطلع من ذكرى استشهاد الحريري، وأن هذه الذكرى امتزجت بتذكارات كل الشهداء. صاروا شهيداً واحداً. (ولا يرث الشهيد سوى الشهيد)، بل عليك أن تلتفت لترى أن الشهداء الآخرين وأولهم كمال جنبلاط والمفتي خالد، والرئيس رينيه معوّض، كأنما انضموا، الى "رفاقهم" الآخرين في الشهادة! فيا للتاريخ، كيف تلمحه فجأة، وكأنه وجه واحد لشهادة عديدة، أو شهادة عديدة لوجه واحد. ذلك أنه، وكما يتشابه القتلة والمجرمون والعملاء والفاشيون، هكذا يتشابه أهل الشهادة عندنا، هؤلاء الذين صنعوا ويصنعون بدمهم الاستقلال كل يوم. والسيادة كل يوم. والديموقراطية كل يوم. والعدالة كل يوم.
صوتٌ واحد. جمع كل الشهداء، وكل الجماهير في الذكرى الثانية لاستشهاد الحريري، بكلمة واحدة، وبصرخة واحدة: المحكمة! المحكمة! المحكمة! لتحاسب المجرمين، ومرتكبي الفظائع والمجازر! وللمتواطئين معهم، صوتك يا شيخ الشهداء طلع من كل الأصوات. كل الأصوات طلعت من صوتك يا شيخ الشهداء: فالعدالة مقبلة! إطمئن ونِمْ قرير العين والقلب والأمل... قرير لبنان!
نَمْ يا رفيق الحريري، فالعدالة آتية، بلا ريب، والمجرمون، والمتواطئون معهم (أي شركاؤهم في الجريمة) سيلقون جزاءَهم، في محكمة دولية وكذلك في ضمير الناس. ولن ينفع أن يعمل لصوص "الآخرة" في الدنيا، ولصوص "الدنيا" في الآخرة على إبعاد هذه الكأس عن شفافهم المغلَّظة، مُخيخاتهم المتطاولة!
نِمْ يا رفيق الحريري قرير القلب، والضمير، تماماً كما ينام رفاق دربك الشهداء قريري العين والضمير، فالعدالة آتية، والآيات الشيطانية ستتبدد كدخان الدواليب! وهذه الجماهير التي أمّت ساحة الحرية، والساحات والطرقات حتى ضريحك، إنما جاءت لتقول لك بصوت واحد يطلع بصيغة الجمع: لن ننساك، ولن ننسى شهداءَنا! ولن نقايض دمك بأي شيء! ولن نقايض شهادتك مع سماسرة السماء الواطئة معهم حتى الحضيض! فكيف تحط السماء مع وجوههم على الوحل!
الجماهير المضيئة حولك... ومن أقصى لبنان الى أقصاه تعلن من جديد أنها لن تتراجع، ولن تتوانى، ولن تملّ، ولن تتعب، ولن تيأس، مهما مارست عليها آيات الشرور الشيطانية، من الداخل والخارج، الارهاب، والتخوين، والترهيب، والقتل، والتهويل، والتحطيم، والتضليل!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00