منذ أكثر من ثلاثة عقود، ونحن اللبنانيين، نعيش حروباً سميت أحياناً أهلية، وأخرى "شرق أوسطية"، وأخرى "عالمية"، وأخرى "إقليمية" وأخرى طائفية... أسماء كثيرة لحروب واحدة، تبادل تبنيها "الخارج" بأقنعة داخلية، أو تبناها الداخل بمرجعيات خارجية. الكل جاءنا. بإذن وبدون إذن. بذريعة وبلا ذريعة. بسبب ومن دون سبب. لكن الكل (أقصد الخارج) جاء مستبيحاً هذه الأرض، وهذا الشعب، لاستخدامهما في أهدافه القريبة أو البعيدة، كل الناس صنعوا حروبهم عندنا. حروبهم الصغيرة والكبيرة. ولم يُسمح لنا بصنع "حروبنا" الخاصة، المتصلة بالديموقراطية والسيادة والاقتصاد والحربة والدولة العادلة المستقلة. جاءنا الجميع، بالشعار والمال والسلاح والفاشيات، ليمنعوا عنا فكرة الانتماء الحي، العضوي، الى الدولة والبلد. ذلك لأن "الخارج"، سواء كان عربياً ـ عروبياً، أو أجنبياً، أو صهيونياً... (وقد تقاطع جميعهم أحياناً ضدنا بلا خجل!)، كان له في الداخل، ما يتيح له أن يستبيح وأن يُعين نفسه وصياً أو وكيلاً أو بديلاً. كل الذين جاؤوا، تحت شعار القضية، أو تحت شعار الانقاذ جاؤونا أو أمُّونا كوصايات، مزدوجة الترتيب: الداخل والخارج.
وهكذا كان لأي كان، من الدول المجاورة، أو الأبعد، أن يكون له دالة علينا. فمن واجبنا الوطني والقومي أو الأممي أو المسيحي أو الاسلامي أن نحارب عنه. أن نكون متاريس لجبهاته. أن يقتطع أرضنا ويحولها أراضي مصادرة أو مربعات أمنية عيّن عليها حراساً وعسساً وميليشيات ومقاومات شتى.
وعندما "انتهت" الحروب، كما قيل في الطائف، لم تنته شهية الاستباحة هذه، بل انفتحت، أكثر فأكثر. بل واستفردت هذه "الشهية" المائدة اللبنانية كلها! أنتم شعب غير قابل إلا للاستباحة، بل وأنتم شعب يسعى الى مَنْ يستبيحه. بل وأنتم شعب غير "قَوَّام" على نفسه. يحمل الاجرام. والمذهبية. والتدمير الذاتي. والقصور. والحروب. والعنف. والتقاتل في جيناته وجراثيمه وأرومته! وإن شعباً على هذه الحال، وعلى هذه الأهلية المفقودة، غير صالح إلا لأن يكون تحت الوصاية التي تقرر أميركا عادة أوصياءها، أو غير أميركا) والأوصياء العاقلون، "الممانعون"، الحكماء، "النزهاء"، كثيرون بحمده تعالى كالنمل والعشق والبخل والجهل، وكأن الأوصياء كثر، فيعني أن حروبهم لا بد من أن تكون كثيرة أيضاً. ولأن حروبهم كثر فيجب أن تكون شعارات هذه الحروب متناسلة ومتنوعة، لكن تحت عنوان براق (ودموي البريق) هو الحرب الأهلية. فلكي يؤكد الأوصياء متانة وصايتهم عليهم أن يعملوا انتاج الطائفية والمذهبية في مصانعهم المخابراتية والطائفية والمذهبية صناعة لا تختلف عن صناعة الأحذية، لتكون تقسيماً يتفرق حوله الناس ويسود أهل الخارج الأوصياء. وهكذا وعلى امتداد العقود الماضية كانت كل حرب تسمى أهلية تتم من خلال "أحزاب إلهية" مختارة، فعلى كل مذهب أن يكون له "حزبه تعالى" يحكي باسم الله عنه! وعلى كل رئيس حزب أو تيار أن يصادر الله ويحكي ويقتل ويخون ويسرق ويحرق باسمه. وهكذا تجمّع لدينا على امتداد عهد الوصايات مجموعات لا بأس بها من "أحزاب الله"، لها "إلهها" (القائد الأوحد) الوحيد الذي اختير من لدنه تعالى ليحافظ على "مجتمعه الطائفي" من شرور الطوائف الأخرى. وهكذا كان لكل "إله" صغير مجبول بطين الخارج، أن تكون له دويلته وكانتونه! ليكون هذا الكانتون مُسيّجاً بالكراهية والحقد ومعادياً لكل من وما حوله. وليكون بذلك "بؤرة" للخارج، أو محمية لأسياد ذلك "الاله" المسخ، تنطلق منه، لتكمل حروبها على البلد، وتستخدمه في صراعاتها. ورقة كانتونية كرتونية. كنّا دوراً للآخرين، حذاءً تنتعله أقدام الوافدين من بلاد العرب والأشقاء حتى بلاد الأعاجم وصولاً الى العدو الاسرائيلي! وكان ذلك يعني، في العمق، أن هذا "اللبنان" كذبة! وأن هذا "اللبنان" خطأ تاريخي وجغرافي، وأن هذا "اللبنان" هو للجميع ما عدا للبنانيين، هم زواره العابرون والأوصياء سكانه المقيمون. هكذا بقينا، متنقلين، ومصادَرين، في أقدام الآخرين، وفي جعبهم! وكان محظوراً على أي كان أن يصرخ، أو يقول عكس ذلك. وإلا، فالحرب الأهلية! فهذا الشعب المفكك (بنظر الأوصياء) قدره الحرب الأهلية من الأبد الى الأبد. ولهذا فلنهدده بها كلما طلع صوت يحتج على هذه الاستباحية، أو هذه الوصايات! خائن من يقول أن بيروت منارة. وأن لبنان دور. وأن الشعب اللبناني قادر على التوحد والانخراط في مشروع الدولة، خائن من يقول ان علينا أن نستقل. أو نحلم بسيادة. خائن من يقول لماذا نحتمل وحدنا أوزار الحرب مع العدو الصهيوني. خائن من يقول: على الوصايات أن تخرج من لبنان! وكان على هذه التخوينات أن يرافقها تهديد بالالغاء وبالويل والثبور... وبالحرب الأهلية التي لا يصنعها اللبنانيون، بل تُصنع لهم. ولا يضير هؤلاء أن يعيشوا في مناخات هذه الحرب. بل يجب أن تكون هاجسهم وبلبالهم. فمن هذا الخوف تنفد الوصاية السورية... ثم الايرانية وسواهما بحمد العروبة والفقيه وولايته وإيمانه وورعه!
الأجواء هذه نعرفها جيداً. وخبرناها جيداً. ولنتذكر: إذا طالب أحد بانتشار الجيش في الجنوب كان يرد عليه: إذا طلع الجيش الى هناك... فحرب أهلية! وإذا طالب أحد حتى بإعادة انتشار قوات الوصاية السورية، فحرب أهلية! وإذا طالب أحد بقانون انتخابات جديد... فحرب أهلية! وإذا طالب أحدهم سوريا بمقاومة اسرائيل في الجولان... فحرب أهلية. وتواصلت الأسطوانة: بصيغ عديدة، وبنبرة واحدة. إما الانصياع للوصايات وإما الحرب الأهلية. قتلوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهددوا بحرب أهلية! ثم قتلوا الشهداء الآخرين وهددوا بحرب أهلية! انتصرت ثورة 14 آذار فهددونا بحرب أهلية! طالب الناس بمحاكمة قتلة الحريري والشهداء الآخرين فهددونا بحرب أهلية، دخل حزب الله الحكومة وخرج منها وهددنا بحرب أهلية! التأمت طاولة الحوار وخرج منها حزب الله وهددنا بحرب أهلية... صنع الحرب في الجنوب واستدعى العدوان الصهيوني، وصنع "نصراً إلهياً" ليهددنا بحرب أهلية (كيف لمن يحقق نصراً إلهياً بهذه السماوية أن يتكلم عن حرب أهلية). وقالوا لنختبر: تحرشوا بالأحياء لفتنة مذهبية. وضعوا سيارات مفخخة لفتنة مذهبية. عسكروا في الساحات لفتنة مذهبية. هجموا على المناطق لفتنة طائفية، قطعوا الطرق وأحرقوا الدواليب واعتدَوْا على الممتلكات العامة والأفراد لفتنة مذهبية. ثم قالوا: (أو قيل لهم من الخارج) الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة خطرة جداً، وتهدد الجميع (أقصد الخارج) فلنحوّل مسار الفتنة الآن: بين الدروز والسنّة، ونجرب. أو بين الشيعة والدروز. فلنجرب. أو بين المسيحيين والمسيحيين. فلنجرب! وما دام لبنان حقل اختبار فلنجرب. فقد ننجح! وهكذا يعم الخراب. ويدمر البلد على رؤوسنا. الاقتصاد والمال والأمل والوحدة الوطنية... كل شيء! وليكن الانقلاب من باب "الحرب الأهلية" أو الفتنة المذهبية! وها هم غربان 8 آذار يحرضون على هذه الفتنة كرمى للوصايتين! أكثر: بعض "مستفكريهم" الأشاوس يحرّض على قتل زعماء 14 آذار هكذا بالزلعوم الملآن. أين جئت بهذا الايمان يا مستفكر حزب الله! وهل تحرض على قتل وليد جنبلاط باسم الله أيضاً (والله براء منكم أيها القتلة ويا حماة القتلة). والقتل هنا يتعدى الرسالة "الالهية" والعروبة (سبق لبعض عملاء النظام السوري من "العلمانيين" أن هددوا أيضاً بقتل جنبلاط وغيره)، فيا لهذا اللقاء الموضوعي بين المؤمنين الورعين بالدنيا والآخرة وبين المؤمنين بالشعب! فيا لهذا اللقاء القاتل الذي بَزَّ كل عصابات الارهاب والمافيات العالمية المشهود! والقتل "الالهي" و"العلماني" لا يعني إلا الفتنة. أي الحرب الأهلية المعشوقة و"المنشودة" و"المتمناة" من جوارح الوصايتين! ذلك أن مصير بلد يجب أن يكون مقايضة بمصالح بلد آخر، وأطماع أخرى. تأملوا: ارتجلت حرب تموز للقيام بانقلاب داخلي! (أي فتنة). حرب طويلة عريضة تكون مدخلاً لقرصنة السلطة ليتم تسليمها الى الوصايتين: اتجاه للتحكم بها لضرب مبدأ المحكمة... ولاستخدامها أيضاً في الحرب الإيرانية النووية مع أميركا (حرب على أميركا في لبنان تدمر لبنان، وحرب تحالف مع أميركا في العراق تدمر العراق). وهكذا علينا أن نكون مستنفرين "سنكي طق"، لمواجهة الحرب الأهلية التي لم تتعب غربان الوصايتين من تبشيرنا بها؛ لكن ماذا نقول لهؤلاء الناعقين، سود الوجوه والقلوب والعقول، مروجي ثقافات الخراب واليأس والموت والتخلف والظلامية والاستبداد، ماذا نفعل لهؤلاء، إذا كان الشعب، وبرغم كل شيء، استفاد من "حروبهم" الإعلامية وغير الإعلامية، التخوينية (ما أجمل الخونة عندما يخونون! الله! بلابل تغرّد بالخيانة بأنشز زقزقاتها الدموية)، والتهديدية، والتدميرية. ماذا نفعل لهؤلاء المرتبطين بالمال الخارجي وبسلاحه وبترساناته إذا كان الشعب اللبناني منذ انتصاره في معركة الاستقلال، يُفوّت عليهم هذه الانتصارات الإلهية والدنيوية عليه.
ماذا تفعل لهؤلاء الذين باتوا كبراميل معبأة بإملاءات الغير، وبدواليب ملتهبة تتدحرج عليهم، وتقاطعات شوارع محترقة بأيديهم (يا للعز! يا للتفوق الباهر، ويا للفوضى الخلاقة. فيا لبوش وتلامذته النجب في الفوضى الخلاقة في بيروت!)، ماذا تفعل لهؤلاء الموتورين إذا جعلتهم أكثرية الشعب اللبناني ييأسون، بدلاً من أن يزرعوا اليأس في نفوسهم! ماذا نفعل لهؤلاء المرضى (بعضهم سنطالب له بحجر طبي لعدم أهليته العقلية والنفسية. هل تعرفونه؟)، إذا كان هذا الشعب اللبناني كسر كل أفكارهم الجاهزة والمركبة والملفقة عنه، وشهق عالياً، مدافعاً عن أرضه، وعن دولته وحكومته، وقيمه الديموقراطية، وعن المحكمة الدولية لمقاضاة القتلة والمجرمين. وماذا نفعل لهم، لهؤلاء المنقلبين على الشعب اللبناني وعلى تميّزه الثقافي والحضاري، إذا كانت الوحشية والهمجية والبربرية التي مارسوها عليه قد انقلبت عليهم، وظللت صورهم بالقتامة والسواد والدم... والترهيب!
ماذا نفعل لهم إذا كانت الدواليب التي أشعلوها في الشوارع أحرقتهم! وماذا تفعل لهم إذا كان العنف الإرهابي الذي أظهروه على اللبنانيين، جعلهم في دائرة الإرهاب والعنف، عند معظم اللبنانيين والعرب والعالم! ذلك أن هؤلاء ولا أقصد ظلال الداخل أي مرتهني الخارج، بل أسيادهم أيضاً! ونكاد نقول أن كمية الرعب الذي يحاولون أن يزرعوه في ردع اللبنانيين دليل على رعبهم! وأن مستويات التصعيد المجنونة التي بلغوها دليل على ارتباكهم وبلبلتهم. فالمروّعون باتوا المروَّعين! والمُيَئِّسون باتوا على مهاوي اليأس. ومبددو الوحدة الوطنية تبددت وحدتهم (فرنجية وعون صاغا وحدهما ميثاقاً مارونياً! فأين التفاهم مع حليفهما الأساسي؟). عال! لسنا من دعاة الغلبة لأحد على أحد. ولا دعاة انكسار أحد أمام أحد. ولكن لا بد من أن نكون مع انتصار لبنان، وعندما أقول لبنان أعني وطناً يتمتع بقيم إنسانية وعروبية متقدمة وديموقراطية واستقلالية وسيادية. وعلى هذا الأساس، فالمنتصر لهذه القيم منتصر لنا ولبلده. والمنتصر عليها، منتصر علينا وعلى لبنان. وعلى هذا الأساس لن يكون لأي تهدئة مفعول دائم يفضي الى سلم أهلي دائم، إذا بقي دعاة الكانتونية المقنعة بالمقاومة، ودعاة القيم الاستبدادية والظلامية، سيبقون متمسكين بمواقعهم الانفصالية والانعزالية. (واجهنا في السبعينات الانعزاليات الطائفية في المناطق المسيحية وغير المسيحية، وكذلك الكانتونات تحت شعارات حماية "المجتمعات الطائفية، وسنكمل هذه المواجهة مع أي فكر كانتوني ـ انعزالي ـ مذهبي جديد). فالهدنة والتهدئة وتخفيض النبرة، والتصريحات الإيجابية، وتقبيل اللحى، لن تكون سوى فواصل تتهيأ فيها قوى الانقلاب لتجربة حظوظها في إشاعة الفوضى (التي تظهر عظمة الله كما قال أحمدي نجاد وكأن عظمة الله لا تظهر إلاّ في الفوضى والخراب. فيا للفكر التوراتي الشاهق)، وصولاً الى أهدافها المعروفة بتخريب الدولة وتعطيل المؤسسات الدستورية، والبرلمانية وتكريس واقعها الكانتوني أو الانفصالي أو الانعزالي.
لا نريد غالباً ومغلوباً. هذا صحيح، لكن نريد أن يكون لبنان غالباً (ولبنان غالب بإذن الشعب اللبناني) لبنان القيم، والتنوير والمجتمع المدني والسلم الأهلي... والدولة اللبنانية القوية بديموقراطيتها العادلة بشفافيتها، والمتطوّرة باستمرار نحو نظام سياسي متقدم.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.