8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نعم! فلنبحثْ عن اتحاد عُمّالي آخر

هذا هو الاتحاد العمالي العام. هناك. في بعض الأزقة. عبر مجموعات هزيلة من الأخلاط السياسية والمذهبية والطالبية (الثانوية وربما التكميلية) ومن الأجهزة. كان هناك. أمام بعض الوزارات. هجين الصراخ. خؤون الانتماء. شريد المنبت. فيه كل شيء سوى العمال. فيه كل شيء سوى ما يحتاج إليه عُمّال لبنان، المنكوبون بالظلم والحيف والحروب والفاقة ولا من يدافع عنهم ولا من يحميهم. ذلك أن هذا الاتحاد الذي فرضت قيادته عبر انقلاب "أمني"، وعبر التهديد، والترويع، والضغط، وعبر بعض "المرجعيات" السياسية المرتبطة بالنظام الأمني المشترك لم يعد موجوداً إلاّ في أراشيف الأجهزة، وإذا "وُجِدَ"، فلكي يطل (هزيلاً) كتعبير عن تواطؤ مع هذه الأجهزة، وكفرع من فروعها، ليكون أداة تستخدم في الصراع الداخلي. هذا هو الدور الذي تنكبه هذا الاتحاد منذ انقلب على الإرادة العمالية، ومنذ عيّنه النظام الأمني السابق معيناً له لقمع الحريات، وضرب الديموقراطية، وطمس مطالب الحركة العمالية، وإضعاف المجتمع المدني.
هذا الاتحاد الذي عُيّن أمينه (أقصد لا أمينه) العام (أقصد الخاص) غسان بلا غصن ليكون أحد أقنعة هذا النظام المخابراتي، لعب هذا الدور منذ فرض على الحركة العمالية، وعلى مجمل المؤسسات الأهلية والمدنية وحتى السياسية. استخدم في كل المهمات "القذرة" التي كان يأمره بتنفيذها أهل الوصاية (وصاروا أهل الوصايتين) عندما كانوا يريدون أن يهوّلوا على بعض السياسيين (غير المرضي عنهم)، بالنزول الى الشارع وبالتوازي مع حملة الخناجر والعصيّ والنبابيت ممن كانوا يحركون على الساحة اللبنانية في مواجهة التعابير الديموقراطية أيام حكم النظام الأمني. (إذاً كان أداة إرهابية بامتياز!).
هذا الاتحاد العمالي العام، لم يكن منذ ضُمّ الى دوائر الأجهزة، (أي عندما صار مجرد جهاز) سوى ذراع لا تصيب سوى المصالح النقابية، وسوى الظواهر الديموقراطية (المتبقية في عهد الوصاية)، وسوى الأصوات الاحتجاجية، المعارضة. بمعنى آخر حُوِّل من منحاه النقابي، الى السياسي. بل وحُوِّل أحياناً كثيرة عبر قيادته المخابراتية الى فزاعة في وجه العُمّال اللبنانيين، بالتواطؤ مع بعض وزراء العمل الذين عيّنتهم أيضاً الأجهزة الأمنية لاستيعاب أي تحركات مطلبية محتملة، أو أقله لخنق الأصوات المطالبة بإنصاف العُمّال اللبنانيين، إزاء ما كانوا يواجهونه من بطالة وظلم وفقر.
ضمن هذا المسار "التاريخي" "المُشرِق"، تألّق الاتحاد العمالي العام، أحياناً "بتنويمه" عندما يجب أن يُنوَّم، وأحياناً بإيقاظه عندما يجب أن يُوقظ صاغراً مُطيعاً طيّعاً، سعيداً بوجوده المظلّل، محتفلاً بموته الشنيع.
وقد عاينّاه، في الأيام القليلة الماضية، عندما "انتفض" مع "المنتفضين"، ونفض الوحل عن قسماته المطموسة، وانخرط كما أريد له أن ينخرط في لعبة إسقاط حكومة الأكثرية المنتخبة تحت شعارات رفض الخطة الاقتصادية. براو! غسان! رائع! ورائعةٌ حنجرتك المستعارة. ورائعةٌ سحنتك المركبة. ورائعةٌ إرادتك "الإلهية" المظفرة بين الإرادات الإلهية المظفرة. إذاً عادت الروح الى "الرميم"، والرميم طفا على الشوارع، بكل عفنه، ليشارك في الفولكلور اليومي المعسكر والمتنقل بين الأزقة، فأي اتحاد عمالي تحوّل قطاع طرق. أي اتحاد عمالي، كان مفترضاً، وفُرضَ، وكان غائباً، فأُوجد، وكان غباراً فنفض، وأين: تحت "جنح" أقلية انقلابية تريد الاستيلاء على السلطة المنتخبة. وأين: تحت جنح أقلية انقلابية مُموّلة، ومُسَلَّحة، من الخارج وتريد، وبكل قحة، ولا وطنية، ولا أخلاقية، ولا دين، أن تمنع قيام المحكمة الدولية لكشف المجرمين الذين اغتالوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين: من سمير قصير الى جورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل. إذاً اتحاد عمالي أُدرج في خانة المنقلبين على الدولة، وعلى الديموقراطية، وتالياً على إرادة الأكثرية العمالية. إذاً اتحاد عمالي عام يتواطأ مع القتلة ضد العدالة. وضد القانون. وضد ضميره الإنساني، والوطني، والنقابي. ولا يمكن أن نقارن اتحاد "الأقلية" باسترئاس أبي "الغصون" الذابلة غسان غصن، إلاّ بهذه المجموعات والأحزاب والشلل التي كانت أيام الوصاية من بلطجيات الأجهزة، وصار بعضها اليوم، مجرد "أدوات" جاهزة للاغتيال، والقتل، وتفجير السيارات والناس. الاتحاد العمالي (رميماً) ذراع نقابية لطمس صوت العمّال، وتغطية الجرائم، والاشتراك في الانقلاب الأمني، و"بلطجية" الوصايتين، يتحركون، بالأسلحة المخبأة، والسيارات الجاهزة للتفخيخ، ليكملوا، مع بعض "القيادات" المنقرضة، أو حتى "الراسخة"، دائرة الحصار على "الحقيقة"، والديموقراطية، والسيادة والاستقلال! إتحاد عمالي "يفجر" صواعقه "المعطلة" (أصلاً) في الشوارع. وبلطجية حزبية (فجرت) وتريد تفجير اللبنانيين بالقنابل والصواريخ... والحروب الداخلية. فما أجمل هذا الاتحاد العمالي الذي بات قناعاً "مدنياً!" لمجمل التحركات الانقلابية "السلمية" الظاهرة، والمعسكرة ضمناً. وهل يُجدي الكلام هنا عن ضرورة استقلالية هذا الاتحاد؟ وهل يجدي الكلام عن ضرورة أن يكون هذا الاتحاد صوت العمال. كل العمال! وهل يجدي الكلام أن يكون هذا الاتحاد جزءاً من نضال المجتمع المدني! هذا الكلام يبدو وكأنه إما من باب "تحصيل الحاصل" أو من باب التذكير بأن أهل الوصاية في زمن الوصاية، عندما ضربوا هذا الاتحاد باستيعابه عبر انقلاب على إرادة أكثرية، إنما كانوا يحكمون القبضة على أدوات المجتمع المدني: من نقابات وهيئات، واتحادات (بما فيها اتحاد الكتاب اللبنانيين الذي صار أيام الوصاية جزءاً من الأداة الأمنية)، وأحزاب (عبر تقسيم بعضها)، والمؤسسات الإعلامية (عبر ترهيبها)، والطالبية (عبر تطييفها ومذهبتها)، والاقتصادية عبر استنزافها ونهبها... إذاً، كان لهذا الاتحاد المسخ أن يكون مسخاً في قبضة الأجهزة الأمنية، تماماً كما كان القضاء العضومي، والسلطة المستعارة، لتكتمل به، وبسواه، الهيمنة (كما هي الحال في الأنظمة الاستبدادية والشمولية)، على أدوات المجتمع المباشرة وغير المباشرة.
إذاً، اتحاد مستعار. ولهذا فهو اليوم (كما أريد له أن يكون في الأمس) اتحاد تقسيم. فهو "اتحاد" تقسيمي للحركة العمالية. أو تقسيم "اتحادي" للإرادة العمالية. وهذا "التقسيمي" (يشبه نيات الانعزاليين ـ الجدد بحمده تعالى رب العالمين) ظاهرة انفصالية. فهو اتحاد تقسيمي ـ انفصالي. ويعني ذلك انفصاله التمثيلي عن الإرادة العمالية ككل. فهو جزء أقلّوي منفصل أو مبتور عن الجسم العمالي العمومي. ولهذا، فهو لا بالاتحاد، ولا بالعمالي. إذ كيف يمكن أن يكون إتحادٌ ما عمالياً إذا كان إما من دون عمال أو خائناً للقضايا العمالية، أو قاطراً الحركة العمالية الى حيث تُستوعب وتُحتوى. فهذا الاتحاد التقسيمي الانفصالي (الانعزالي) لا علاقة له بعمال لبنان، ولا بفلاحيه، ولا بمثقفيه ولا بطلابه، ولا بوسائله المدنية. وإذا كان الاتحاد تقسيمياً، انفصالياً (انعزالياً كحلفائه) وغير عمّالي، فهو ماذا؟ وهل يكون اتحاداً عاماً إذا أدرك هذه "المستويات" البائسة. إذاً، فمن غير الطبيعي أن ننعت هذا المسخ بالعام. فهو خاص وخصوصي. ومنحاز. خاص لأنه يُعبّر عن فئوية سياسية أو غير سياسية، وعن أجهزة أمنية، أو إملاءات خارجية، أو ارتهانات فوقية. فلا هو اتحاد. ولا هو عمالي. ولا هو عام. إذن من نزل الى الشوارع، في الأيام القليلة الماضية؟ نزل "الإسم" و"اللقب" فقط. وما رأيناه كان ظلالاً مغبشة. أكثر: كان أشباحاً مستنسخة عن أشباح مخابراتية. أكثر: كان شللاً "غريبة" هجينة، مموّهة، لا يظهر منها سوى "أصوات" انقلابية، وأجسام غائبة... بحضورها، حاضرة بغيابها! ذلك أن اتحاداً "غير موجود" كيف يمكن أن يظهر إلا "شبحاً" أو "تشبيحاً" أو ظلاً أو صدى... أو ذكرى تقرقع فيها عظام الرميم وهي ما زالت رميماً... لا تُبعث!
فماذا ننتظر، لكي نسحب كل كلام عن "وجود" (وإن افتراضياً) لهذا الشاهد المزيّف (كالشهود المزيّفين الذين يحركونه)، وماذا ينتظر عُمّال لبنان لكي يصنعوا أداتهم النقابية، المستقلة، واتحادهم العام، كجزء حيوي من متطلّبات المجتمع... ماذا ننتظر لكي يُخلع هذا "الاتحاد" المخلوع أصلاً والمزعوم... ويقوم اتحاد جديد؟ نعم! إتحاد جديد يكون فقط لعُمّال لبنان... وليس للأجهزة.. والأحزاب المرتهنة والبلطجية والفئوية، والانقلابية؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00