8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نحو اتحاد عُمّالي آخر؟

إذا كان لنا أن نتبيّن ما آلت إليه بعض مؤسسات المجتمع المدني في لبنان، بهيئاتها الحزبية والنقابية والسياسية والاجتماعية وحتى الثقافية، فيكفي أن نستذكر (وإن بغصّة) تلك التظاهرة التي "نُظِّمَت" للاتحاد العمالي العام، ونفّذها بطاعة يُحسد عليها، فمشت مشية المتثاقل، بأعداد هزيلة، وبشعارات ملتبسة، وبحيوية نافِذة. كأنها تظاهرة قررتها "أشباح"، وسارت فيها أشباح (مع احترامنا وتقديرنا لبعض الذين شاركوا فيها). وكأن تلك الأصوات والهتافات التي استُصدرت "بأمر اليوم" كانت أضعف وأوهن من أن تدرك الآذان والقلوب. كأنها من رميم تاريخ بعيد، أو من أصداء واقع لا يقل هزالاً وضعفاً عنها.
الاتحاد العمالي العام، يفترض (كما يعرف الجميع)، أنه الأداة النقابية الأم. الموحدة، الجامعة، الشاملة، الحاضنة، المستقلة، المعبّرة عن ضمير المجتمع الأهلي ومتطلباته وحاجاته وطموحاته وآفاقه. أي أنها منبثقة من الحس الجماعي، ومن الارادة الجماعية، وكذلك من القرار الجماعي. وهذا يعني أنها أداة مصوغة من إرادة مَنْ تمثلهم من الناس، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية والاجتماعية والمناطقية. تماماً كما كان الاتحاد العمالي العام، ذات زمن وذات مكان، في الستينات والسبعينات، وكما كان اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية والجامعات الأخرى قبل الحرب.
فهو، (كما يفترض أن يكون) "اتحاد" أولاً. ونعني أنه أداة توحيد لكل الانتماءات، على قاعدة المطالب النقابية المشتركة. وهو "عُمّالي" ثانياً، ونعني بذلك أنه يمثل شرائح معيّنة هي "العُمّال" بشروطهم وأوضاعهم وقضاياهم وأحوالهم. وهو "عام" ثالثاً، أي مؤسسة غير تجزيئية، وغير فئوية، وغير حزبية، وغير طائفية، وغير خاصة. مؤسسة لجميع مَنْ تمثلهم، ولجميع الذين عندهم مصلحة بأن يكون عندهم اتحاد يعبِّر عنهم ويدافع عن حقوقهم، ويناضل لتحقيقها.
لكن، التظاهرات، وما سبقها من سبات عميق، ومن غيبوبة، على امتداد سنوات أظهرت عكس كل ما سبق أن افترضناه. أظهرت أن هذا الاتحاد لم يَعُد "اتحاداً"، لأنه بكل بساطة انفصل عن مبرر وجوده، أي عن المجموعات التي يفترض أنها تنتمي إليه. وأنه لم يَعُد وسيلة نقابية، لأنه اختار (كما اختير) أن يكون منتسباً إلى جزء من سلطة قائمة، وهو جزء خارج الهواجس النقابية، ولا يعبِّر بالضرورة عن مصالح المجموعات العمالية التي يفترض أن الاتحاد يدّعي تمثيلها. فهو "اتحاد" سلطة ما، وليس سلطة عمالية. وهو جزء من سلطة سياسية أو أمنية أكثر مما هو جزء من "سلطة" مدنية متحررة. وهو جزء من سلطة تستخدمه لمحاربة سلطة أخرى. وكل ذلك يعني أن هذا الاتحاد لم يعد اتحاداً أولاً، ولا عمالياً ثانياً، ولا عاماً ثالثاً: تعرّى من نقابيته، ومن ناسه، ومن أهدافه، وفقد اسمه وصفاته. فهو اتحاد فئة من سلطة تستخدمه (سياسياً) لمحاربة سلطة أخرى داخل الحكم أو خارجه. بل إنه تحوّل إلى مجرد هيئة (معينة) أو جهاز معين ضمن أجهزة رسمية. جهاز داخل جهاز. يمثل هذا الجهاز ويأتمر به. ولهذا فَقَدَ صفته التمثيلية العمالية. صفة لا تشمل منحاه "التمثيلي" (الأصلي) العام، وإنما منحاه (غير التمثيلي) الخاص.
وبدلاً من أن يكون اتحاداً عاماً، يصبح اتحاداً خاصاً. وبدلاً من أن يكون ملكية شعبية عامة، يُصبح ملكية رسمية خاصة، يمتلكها أناس وجهات من خارج المجموعات التي تؤلفه، ومن خارج مصالحه. ويعني ذلك أن هذا الاتحاد فَقَدَ استقلاليته. فَقَدَ دوره الأصيل ليلعب دور الدخيل. وفَقَدَ بذلك مبرر معناه. وتالياً فقد شرعيته التمثيلية. وكأنه، بذلك، وبدلاً من أن يكون أداة توحيدية (اتحادية) يُصبح أداة انشقاقية، ليس في جسم العُمال فقط، وإنما في جسم المجتمع المدني ككل.
ولو راجعنا ممارسات هذا "الاتحاد" على امتداد السنوات الأخيرة، لوجدنا أنه اعتزل (بقرار ليس منه طبعاً) مجمل التحركات، والتزم الصمت عن كل أنواع الاعتداء والقمع التي مورست على "العمال" وعلى فئات أخرى. فلعبة التواطؤ هذه، وضعته على الطرف الآخر من المجتمع المدني بقضاياه النقابية وغير النقابية. واثر كل ذلك في علاقة هذه الهيئات باحتمالات نضالها والتعبير عن مطالبها، إذ أنها، وعبر استقالة الاتحاد من دوره، وجدت نفسها مُستفردة، أو مقسّمة، أو مشطورة. ووجدت كل هيئة نقابية (أو حتى سياسية واجتماعية) نفسها وحيدة، عاجزة عن أي استقطاب فعلي، أو تحرّك فاعل. بل إن توافق بعض أرباب النقابات المسيسة أو المطيّفة أو المستوعبة وهذا الاتحاد شلَّ كل قدرة حتى على التململ أو رفع صوت. وقد ساعد على ذلك ضعف الأحزاب والحركات والمنظمات السياسية التي تطرح في برامجها أهدافاً تتصل بالأحوال النقابية.
والنتيجة: إننا، و"بفضل" الظاهرة الانشقاقية في الاتحاد، وتشتت النقابات الأخرى، وضعف هيئات المجتمع المدني، من دون أي أداة فعلية منظمة جامعة تدافع عن حقوق العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين وحتى الناس العاديين، صرنا مجتمعاً مشتتاً، عاجزاً، أُلقي في صفوف المتفرجين أو في الصفوف الخلفية والكواليس. صرنا مجتمعاً مهمشاً أعزل لا حول له ولا قوة. فلا اتحادات نقابية فاعلة. ولا أحزاب، ولا منظمات ناشطة، سوى بعض تحركات فولكلورية لا تقدّم ولا تؤخر، وتحركات مناسبية لا تخلو من ارتجال وآنية.
ما العمل إذاً؟
لا نريد أن يُفهم من كلامنا أننا ضد وجود اتحاد عمالي ونقابات. وإنما نطالب بوجوب إعادة تأسيس لمثل هذا الاتحاد تأسيساً ديموقراطياً، نقابياً وطنياً، يكون فعلاً مرآة ونافذة للناس الذين يمثلهم، وللقضايا التي يتنكبها. لأنه إذا استمر هذا الاتحاد، على حاله، فيعني ذلك تصفية الارث النضالي، والمطلبي، والاجتماعي، وتالياً الاسهام في تصفية مكوّنات المجتمع المدني برمته، وحرية التعبير، والتعدد، وحق التظاهر، واحترام الفرد، والمؤسسات والاعلام... وإذا كان الاتحاد العمالي، وهو ينبوع الحركة والتحرّك، قد صُودر، فمعنى ذلك أن كل مؤسسات هذا المجتمع المدني والتطلعات إلى غد أفضل، والتحوّلات المحتملة والأحلام، قد ذهبت معه ومع الريح.
وإذا كان هذا الاتحاد سيبقى رهين المصادر والمراجع والأجهزة، والصراعات السلطوية، فيعني بكل بساطة البحث عن صيغة أخرى، وعن تركيبة جديدة، وعن إطار توحيدي للعمال ولكافة شرائح المجتمع اللبناني.
فالاتحاد إذا خان ما أؤتمن عليه، فيعني أنه خان كل شيء.
وعندها يبدأ البحث عن بناء آخر متجدد حر مستقل ونضالي. فهل هذا كثير؟

نعيد نشر هذا المقال الذي نُشر في 1/11/2003، لا للتذكير فقط بموقفنا من الاتحاد العمالي الحالي، وإنما لتكرار أن هذا الاتحاد الانقلابي لم يفاجئنا بنزوله الساقط الى الشارع وبخيانة الحركة العمالية وقضاياها، وباقتناعنا (قبل سنوات) بأنه لم يعد صالحاً لقيادة هذه الحركة ولا لتمثيلها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00