في بداية هذا العام، كما في بدايات الأعوام الثلاثين التي انصرم معظمها على الحروب والمآسي والخراب عندنا، تكرر السؤال: ترى ماذا بعد؟ أهو السيناريو الواحد والوحيد سيتكرر؟ حرب تستولد حرباً؟ انقلاب يستولد انقلاباً؟ عنف يستولد عنفاً؟ تحريض يستولد تحريضاً؟ تخريب يستولد تخريباً؟ تخوين يستولد تخويناً؟ تكفير يستولد تكفيراً؟
ماذا بعد؟ وهل سيعاود "صُنّاع" الخراب من الداخل، وأسيادهم في الخارج، "خلق" الظروف المبرّرة والمواتية، لاستعادة تراثهم المجيد، في التخطيط لجولات جديدة من الاستباحة، والانتهاك، لعلهم، يتسربون من خلف دخان الحرائق، ومن بين مجاري الدماء، والدموع، ومن شقوق الخراب، الى الاستيلاء على السلطة، أو لاستعادة "أمجادهم" في الهيمنة، والوصاية، والاستتباع!
هذه الأسئلة تراود الكثيرين من اللبنانيين في كل مطلع عام جديد؟ يحتفلون بالعام الوليد، "ثم تذهب السكرة وتأتي الفكرة": أي يأتي زمن الهم، والتخوف، والتوجّس، والانتظار، والترقّب؟ كأنما علينا نحن، أن ننتظر ما سيفعله الغير بنا، هكذا، مجرد نعاج تنتظر دورها في الذبح أو السفك؟
ترى هل سيكون قدرنا أن نبقى مفتوحي الأعين، مكتوفي الأيدي، مشلولي الحركة، لنكون، كما أرادوا أن نكون على امتداد ثلاثة عقود، خرافاً ودجاجاً مهيأة للذبح بأيدي جزاري الاستبداد والطغيان وذوي المطامع والانتهاكات؟
أيبقى دم اللبنانيين، هو، دون سواه، وعلى أرضه بالذات، ثمناً يعرضه "الآخرون" في صفقاتهم، وفي صراعاتهم؟ أإلى هذا الحد "يحتقرنا"، هؤلاء، الذين، وفي وضح النهار، وعلى مسمع العالم، ومن دون خجل أو حياء أو أخلاق أو إيمان أو حدود لقحتهم، يعلنون الحروب علينا، ويحرضون شعبنا على بعضه، ويتدخلون في شؤوننا، ويمعنون في إهانتنا، وتخويننا، والتكلّم باسمنا، هؤلاء الفاشيون الآتون من وراء الحدود، سواء من ذوي القربى، أو من بلاد العجم، والذين يستمدون قوتهم، عندنا، من حُفن علّلوهم بالآمال، وعلفوهم بالشعارات وبالمال وبالأسلحة، ليكونوا، بدورهم، ذات يوم "العجول المسمنة" المُعدّة للذبح، بعدما يستنفدون "أغراضهم" منهم!
أعلينا كل بداية عام، وقد أضعنا حياتنا بين بداية كل عام "المؤمل" ونهايته "المحبطة"، أن نحصي إرث العام الفائت، من قضايا ومؤامرات، وتهديدات، وتحركات، ووعيد... ووعد بالخراب، وبالحروب! أعلينا كل بداية عام، أن نتظلل نعيق غربان الوصايات من هنا وهناك ونقول ونتوسل "حمى الله لبنان منهم"!
هذا العام "غلّة" السنوات الفائتة، فيه، وفيرة! و"أثمن" تلك الغلاّت و"أبهجها"، وأوفاها وأطهرها ما يبشرنا به "إنقلابيو" آخر زمان! هؤلاء الذين، ورثوا من النظام العربي أبشع "إنجازاته" الاستبدادية، والدكتاتورية، والوحشية، والاستباحية، والتحريضية، وأرخص وسائله الإعلامية، والصحافية، وأحط ظواهره السياسية! قلنا: النظام العربي؟ بل ونضيف. وقد أضافوا الى ما ورثوه من هذا النظام العربي الفاشية الأحادية، "الإلهية"، والفقهية، التي تحتقر الأديان باستخدامها عنوانه، وتَخُون "الإله" بحملها شعاره!
هؤلاء ودّعونا في العام الفائت بالشتائم! والتخوين! والترويع، وبالانتقام من ثلثي الشعب اللبناني، بتهديده بأمنه واقتصاده، ومجتمعه، ووحدته، وسيادته، واستقلاله.. وأحلامه ومستقبله.
وَدّعوا الشعب اللبناني بتخوينه، واستقبلوا العام الجديد بتجديد التخوين، وتمديد الاتهامات، وإنعاش القتل، و"تطوير" التصعيد الفاشي... انطلاقاً من الاعتصام الذي يحاصر نفسه، الى ما يتجاوز هذا الاعتصام... ربما الى الجغرافيا الأوسع، الى اعتداءات قد تتخطى حدود الاعتصام سجين نفسه.
ولنتمعن في مواصفات هؤلاء "الأبوام" الذين ينعقون حتى بنعيق مستعار، ولنتمعن إذاً في "محاسن" هؤلاء، وفي تواريخهم، وفي مآثرهم، وفي "أرسانهم" وأعلافهم، ومصادرهم، ومزاياهم: جلهم من فلول المخابرات. مخابرات الوصاية الأولى القريبة ومخابرات الوصاية الثانية المستقربة بحكم الاحتضان الطائفي أو الادعاء بالاحتضان الطائفي لرموز هذه الطائفة وأبطالها... "الإلهيين" غير الآدميين.
في بداية هذا العام، يحاول معتصمو المدينة و"محتلوها" إعادة عقارب الساعة الى الوراء، أي "ضبط" الزمن الحاضر بعقارب ساعاتهم المتوقفة في كهوف القرون الوسطى. يريدون كل البلد. هكذا. بالبلطجة. والفجور. والعنف. أي بالانقلاب (ما أجمل ورثة انقلابيي النظام العربي. بل ونترحم معهم على النظام العربي البائد لأنهم "بزوّه" بسوء سلوكهم). يريدون البلد ليُسلّموه الى غير أهله. يمارسون الاحتقار على أهل هذا البلد ولا سيما على شرائحهم باختلاق الأكاذيب وتلفيق الأعذار، التي تخفي وراءَها نزعة سلطوية تهدف الى قرصنة السلطة، والدولة، والحكومة، والبرلمان، وإرادة الناس، لتعطيل كل شيء، وتعطيل المحكمة الدولية، وكشف حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين: حاوي، قصير، تويني، الجميل! إنهم رعاة الجرائم لكي لا أقول متبنّيها. إنهم منتهكو الوطن لكي لا أقول "خوارجه"؛ إنهم يريدون أن يقضوا على ثقافة بلد كان وما زال المنارة (لا "المنار" بالطبع)، وَرَحِم النهضة العربية، وشمساً من شموس الإبداع، والانفتاح، والتعدد، والتنوع، والهوامش الاجتماعية الرحبة؛ كان الاستثناء بالنسبة الى محيطه الصهيوني العنصري العدواني، وكذلك بالنسبة الى محيطه العربي الحافل بالقتل والقتلة والاستبداد والاستبداديين من أهل العروبة المنتهكة وكذلك من أهل العجم "المستعربين" (بإذنه تعالى).
هذا اللبنان الاستثناء يريدون أن يمحوا تقاسيمه المميّزة، أن يُسَوّوه بتلك الأنظمة الدكتاتورية والفقهية، بهذه النزعة الى التخلّف المبرقع بالسماوي (والسماوي براء من هؤلاء العملاء)، والعنف المقنع بالتقوى والنظافة والإيمان (وهذه أبعد من السماء عنهم)، وها هم اليوم، يكملون مشوارهم الذي اصطدم بعد حربهم المرتجلة مع العدو الصهيوني والتي أدت الى مثل هذا الخراب العميم الذي صيغ منه "نصرٌ غير آدمي وروحاني وعلوي". بالإرادة اللبنانية، أي بالمقاومة اللبنانية، ليصطدم حالياً بالإرادة الصلبة ذاتها التي أفشلت مخططاتهم التقسيمية، الكانتونية، والاستبدادية!
قلنا في مطلع الكلام أن اللبناني اعتاد منذ ثلاثة عقود وأكثر أن ينتظر من سيجره الى حرب جديدة، ومن سيُحلّل ذبحه، وتهجيره، ومن سيجدد تهديد سلمه الأهلي. لكنه، هذا العام، (والعام الذي فات) لم يعُد اللبنانيون ينتظرون من سيقودهم الى جحيم جديد. ولم يعودوا (بعد انتفاضة الأرز) يقفون لا مكتوفي الأيدي يتفرجون على موتهم، وخرابهم، وإلغائهم، وإذلالهم، واستباحتهم، ولا مضروبي الإرادة، ولا أسيري الخوف، ولا مطأطئي الرؤوس للتهديد، والإرهاب، والتهويل، والجعير، والتخريب. إنهم هنا! اليوم. ليسوا في جغرافيا فئوية أو سياسية أو ديموغرافية أو إيديولوجية ضيّقة. وليسوا على مرمى ردود فعل عاطفية أو انفعالية أو حتى ثأرية (من هؤلاء المرتهنين أشباح الحروب والسواد والأحادية)، وإنما داخل جغرافية كل الوطن، وكل شرائحه، وكل بقاعه، من أقصاه لى أقصاه. إذ معهم، (وهذه نقطة قوتهم) لم تعد حرب طائفة ما لاستعادة امتيازات وهمية أو للحصول على امتيازات وهمية، ولا حرب مذهب لمطالب "إقليمية"، مغطاة بـ"غبار" إيماني أو حتى مناطقي، وإنما معهم (أي مع أهل انتفاضة الأرز) صار الوطن كله مطلباً، واستراتيجية، ومساحة واحدة بلا عوائق مذهبية أو سواها، مجالاً للاحتضان، وللاسترجاع، من ضمن سيادة الدولة على نفسها، والأرض على نفسها، والقرار الوطني على نفسه والشعب على نفسه.
صارت، مسألة شعب: يكون أو لا يكون. يتجاوز عقد الخوف "الموروثة" من أهل الوصايات المتعاقبة، أو لا يكون. ولأن هذا الشعب قرّر بأكثريته "الحرّة" أن يدافع عن مكتسباته، وأن يحتفظ بهذه الروح التحريرية الغامرة التي نفخها فيه استشهاد الرئيس الحريري والشهداء الآخرون، شعلة ودرباً، فإنه وَدّع العام الفائت بتأكيد حضوره وقوته السلمية وفاعليته وانتمائه العميق الى بلده، تحت شعارات "الاستقلال" و"السيادة" و"الحياة" (في وجه الموت والموتى والمنقرضين من أهل الغيب والقتل ومن أهل التسلّط)، واستقبل العام الجديد أولاً بالاحتفال بحب الحياة، ليكمل هذا الاحتفال بتجديد مقاومته الجديدة الطالعة منه (وليس من قرارات خارجية)، مقاومته (السلمية) كل الظواهر السوداوية، والمخابراتية، والأطماع الخارجية وتعتيم حضارته وتلويث حضاريته، وكل أشكال الفاشية التي تصوّب على حريته وديموقراطيته. كانت جماهير كل لبنان في كل مدن وشوارع وساحات لبنان، وللمرة الأولى، (ربما!) يعرف اللبنانيون أنهم وحدهم، ولا غيرهم، معنيون أولاً وأخيراً بلبنان أولاً وأخيراً. إذ عندما وجدوا في "الغير" ترياقاً وتجرّعوه... وجدوه سُمّاً زعافاً. فالغير للغير، ولبنان للبنان. بهذه الروحية اللبنانية ـ العروبية (العروبة يصنعها ويجددها الناس لا الأنظمة ولا الدكتاتوريات) الديموقراطية (أي عروبة يقولبها الاستبداد!)، والإنسانية (أي عروبة تغلقها أنظمتها وأحزابها على نفسها؟)، بهذه الروحية كان على أهل انتفاضة الاستقلال أن يودعوا العام الفائت وكأنه كان عامهم، وأن يستقبلوا العام الجديد وكأنه سيكون أيضاً عامهم. وكما كان ناس 14 آذار نجوم العام الفائت بلا منازع، نظنهم سيكون أيضاً نجوم العام الجديد بلا منازع. ذلك أن الجمهور لا يحسب إذا كان "قطيعاً" أو مسوقاً (غالباً الى ذبحه)، أو "مخدراً" أو "غيبوبياً" أو مغرراً به أو مضللاً... أو مأسوراً بالمال والرشاوى المعنوية الدنيوية... والالهية! إذ كيف يمكن لجمهور ما، أيا كان انتماؤه، أن يؤول أمره الى رفض الحرية مثلاً وهو يمارسها؟ والديموقراطية وهو يمارسها؟ والسيادة، والاستقلال...؟ أي جمهور هذا عاد لا ينتمي الا الى وهمه؟ والى جغرافيته أي الى موته المعلن؟ كل جمهور لا يتعدد بآرائه، وبأفكاره، وبوعيه، هو جمهور استهلاكي، استخدامي، وآني. اذ كيف يمكن لجمهور ما ان يقبل كل شيء ممن يعتبرهم قادته أو يراه "قائده" الاوحد؟ أي احتقار للذات، وامتهان للانسان، ان يصير جمهور ما، بقضه وقضيضه، مجرد ظلال لمن يقوده، بلا محاسبة، ولا مراجعة، ولا مساءلة؟ أي جمهور هذا يصدق قادته عندما يكذبون عليه، وعندما يصدقون، باللهفة ذاتها؟ أي جمهور يحط من شأن وجوده (كمصدر اساسي لكل ارادة) ليعلي شأن قائده الى مرتبة الالوهة... أو النبوة! اهو الجمهور الذي يصنع موته باستمرار؟ بمحور 99.99 بالمئة؟ جمهور المبايعة؟ جمهور "من الابد الى الابد؟"، جمهور الاستثناءات ولا انتخابات؟ جمهور يصنعه قادته على مقاس فسادهم، وطموحاتهم، وتفاهتهم؟... إذ كيف يمكن ان يكون جمهور ما جمهوراً فاعلاً اذا استقال من تفكيره النقدي، ومن وعيه، ومن ملاحظته، ومن التمييز بين العميل والوطني، بين المشعوذ والحكيم، بين الفاسد وغير الفاسد؟
هل نكون في مرحلة حاسمة بين جمهور ارادوا له ان ينتمي الى واقع جماهير النظام العربي المقموعة أو المدموغة، والمغيّبة، وبين جمهور آخر، هو الى انتمائه الواسع الى محيطه والى العالم يتعدد وهو يبحث عن ادواته المدنية، لتثبيت دولته، وتكريس سيادته، وتعزيز استقلاله في سبيله الى تطوير نظامه السياسي المرتجى، برغم كل ما يشوب هذا التطوير من عراقيل؟ هذا الاساس، أيكون هذا العام "افتراقاً" قسرياً لهذين الجمهورين، أو لقاء على قاعدة التنوع وعلى القضايا الاساسية في الوطن؟ أيكون هذا العام عنواناً وطنياً عمومياً يجمع كل اللبنانيين، ام يكون استمراراً في تعميق الهاوية بينهما؟ هل يكون هذا العام الحالي عام عودة الجميع ا لى الايمان بلبنان الواحد. بلبنان "أولاً وأخيراً" بلبنان الرافض كل الوصايات القريبة والبعيدة؟ لبنان الذي يدعم العدالة بالمطالبة يكشف قتلة شهدائنا، ومحاكمتهم، وكشف المتواطئين مع القتلة...
هل يكون لبنان موحداً وحراً وعادلاً نجم عام 2007 "وهل تودع العام الحالي بغير ما استقبلناه به، أي نودعه وجميعنا، شركاء الوطن، في ساحة واحدة رايتها الواحدة علمنا اللبناني... وعباءتنا الواحدة هذا الوطن من اقصاه الى اقصاه هل نودع في نهاية العام الحالي حروب الآخرين علينا وعلى اقتصادنا ووجودنا، ونتفرغ معاً لحروبناالخاصة: الحروب ضد الفقر، والبطالة، والاستعباد، والتقسيم، والكانتونية، والمذهبية، والارتهان، والعمالة، فتكون "حروبنا" بكل ادواتنا الديموقراطية... سبيلنا الوحيد الى وطن للجميع، وطن يكون فيه الجميع جميعاً... وبدون استثناء خارج شعارات "الوحدة الوطنية" التي تقضي على كل التمايزات والاختلافات واشكال التعدد. وحدة وطنية لا تعني الاحادية تحت سلطة احادية (وحدة الطائفة أو وحدة الحزب)، ولا التقوقع (كانتونات الخوف والحذر والانفصال)، ولا انضمام القطعان الى القطعان... اذ ان الوحدة الوطنية هو تشكيل المجتمع المتعدد الذي لا ينفي ذاته المتعددة... ولا فردية افراده... تحت مظلة شمولية توتاليتارية سواء على مستويات عائلية أو مذهبية أو ايديولوجية!
لبنان الكثير هو لبناننا، لبناننا الكثير العروبة هو لبناننا. لبنان الكثير الهوية هو لبناننا. لبناننا الكثير الانتماء هو لبناننا! لبناننا الكثير الحياة هو لبناننا! لبنان الكثير الحضارة هو لبناننا! لبناننا الكثير التنوير هو لبناننا!
لبناننا الكثير النهضة الدائمة هو لبناننا! فهل ينضم من زال في "لبنان" الصغير بحجم قبيلته، وطائفته، وحزبه... الا لبنان الكبير؟
لهذا نقول ان هذا العام 2007 هو عام: يكون لبناننا أو لا يكون!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.