عام آخر ينصرف، وكان أعواماً في عام، ربما أوسع مما يتسع، أكبر مما يستوعب، عام آخر ينصرف بعلاماته وتناقضاته وأحلامه وحروفه وحروبه، وها نحن نطل على عام آخر ننتظره، بكثير من الأمل، وبكثير من الخوف، وبكثير من الهواجس، ذلك أن العام المنصرف كأنه لا يريد ان ينصرف، كأنه يريد أن يحملنا، في انصرافه عنا، وانصرافنا عنه، ما لم نستطع ان نتجاوزه، وما لم يستطع أيضاً أن يتجاوزنا، اخلاط من التنافرات، تعتمل فينا، من ذلك التيئيس المشغول شغلاً، ومن ذلك الترويع المصنوع صنعاً، وكذلك من ذلك التطلع المنحوت قطعة قطعة فينا، لكنه، وفي جميع الاحوال، شيء واحد لم ينصرف عنا، بانصراف عام الانقلابات والمؤامرات والقتل هو الايمان. الايمان بهذا الشعب، وبهذه الأرض، وبهذا الوطن، وهذا شيء رائع ألا ينصرف عنا الايمان، برغم كل ما مررنا به، وعانينا صروفه، على امتداد اعوام عديدة انصرمت ولم تصرم ايماننا.
ونظن انه، وعلى امتداد كل الحروب التي اعلنت على هذا الوطن، من قبل الخارج، واحياناً من قبل ابنائه (كواجهات للخارج) كأننا تعلمنا درساً غنياً ومفيداً، دفعنا ثمن تعلمه من أعمارنا، وزمننا، غالباً وهو ان الإيمان هو السبيل الوحيد لبقاء الأوطان. وعندما نقول "الإيمان"، لا يعني لا التبشير بالأمل، ولا الوعظ بالرجاء، ولا بالجنات تجري من تحتها الانهار، ولا بالتفاؤل، ولا بالكلام الفصيح المعسول بفصاحته. فقط ان الإيمان يكون أولاً وأخيراً طريقة تفكير وأسلوب مشاعر، ودرب ممارسة، بمعنى آخر، وفي انصراف العام، نجدنا نحن وإيماننا الذي ترسخ على امتداد الحروب والمآسي، نسأل لمن هذه الأرض التي ولدنا فيها، وولد فيها اجدادنا، وسيولد فيها أولادنا واحفادنا؟ لبنان، لمن؟ فإذا قلنا لسوانا: فيعني أن لا طائل من أي إيمان. أو أي ارتباط، أو التزام، أو وجدان، أو واجب، ودولة، أو سلطة، وسيادة، واذا قلنا: بلى! لبنان لأهله، فيعني ان يكون لأهله كلهم، صوغ ارادتهم، وصقل تفكيرهم، ومنتج ارثهم ومواقفهم، لبنان يكون للبنانيين أو لا يكون، لبنان يكون أو لا يكون، وهنا المدار الأساسي لكل الأسئلة والأجوبة، فعندما يكون هذا البلد لناسه، تسهل كل القضايا، والأمور، مهما وعرت مسالكها، وأزمت ازماتها. والمشكلة التي عانينا طويلاً أن اللبنانيين، أحياناً، (أو فلنقل جزءاً منهم وبالتواتر) كانوا يشككون في ان لبنان ينتمي اليهم أو هم ينتمون اليه. كانوا يقيمون هنا، ويؤمنون بـ"هناك" كأنما كانوا مستوطنين "موقتين" على مستوطنة موقتة وعندها يصبح البلد "ترانزيت" محطة عابرة ننتقل منها الى محطات أخرى. فكرة الاقامة في لبنان ارتبطت بشعور الانتقال. كأنما، على اللبناني، ان يبحث عن جذوره في تربة أخرى. وفي فصول أخرى. جذوره يحملها في ترحاله المضني، وغالباً ما كانت تذبل في ضميره، وتموت بين يديه. والسؤال الأساسي: "لبنان لمن" لم يكن، دائماً مطروقاً، إلا بقدر ما كان يريد "سكانه" ان يتناتشوه، كملكيات خصوصية، أو محميات مفرزة أو ذرائع مبررة، للهيمنة، هي في الظاهر لهم، وفي العمق لسواهم من خارج الحدود، بمعنى آخر: خارج الحدود كان داخل لبنان، ولبنان كان خارج الحدود، يقال ان الإيمان لم يترسخ في لبنان، ولبنان لم يترسخ في الإيمان، لأن ا للبنانيين كانوا يعتبرونه لسواهم لكن عبرهم، ولهم لكن عبر سواهم. فالملكية افتراضية، والأرض افتراضية، والانتماء افتراضي والاستقلال افتراضي، والكيان افتراضي، والجغرافيا كلها افتراضية، فلبنان الجغرافيا كان على تضاريس الجغرافيات الأخرى المتنقلة. ولهذا كانت تتنقل حدوده بين تلك الجغرافيات المرسومة، من لبنان الصغير الى لبنان الكبير، الى لبنان الجبل، الى لبنان المتصرفية... الى لبنان الفرنسي، أو الانكليزي، أو العثماني، أو الأميركي، أو الاسرائيلي، أو السوري، أو المصري، أو العراقي، وصولاً الى الايراني بحمده تعالى! كل هذه "اللبنانات" المتنقلة، جعلت اللبنانيين مواشي طائفية أو مذهبية أو عشيرية أو ايديولوجية، تشحن من لبنان الى آخر، وهي تصفّق هنا بدمعها، أو بفرحها (المزيف) أو بدمها، أو بمجازرها، أو بهجراتها ولهذا لم تكن فكرة لبنان أولاً أو حتى لبنان أخيراً موجودة أصلاً. ذلك أن فكرة لبنان نفسها لم تكن موجودة (كأولوية أو كبند مدرج) في الأذهان. ولهذا ربما، بقيت فكرة التقسيم ملازمة لفكرة الأرض، ولهذا بقيت فكرة الكانتون ملازمة لفكرة الحدود "المشاع". على هذا الاساس كان ثمة عدمية ما في تناول الأمور المصيرية، وعبثية داخل منطق المجموعات المتواجدة، هذه العبثية في التفكير، وفي الشعور، وفي الانتساب هي التي دفعت، عن وعي أو عن غير وعي هذه المجموعات الى التصرف، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن شيئاً لن يكون.. بمعنى انها، وفي هذه الوجودية الرجراجة، وفي هذه الالتباسية المترددة، كان على المجموعات في ارتدادها الى ذواتها، والى نرجسياتها، والى اشكال اقتلاعها، تسعى الى انتحارها، ربما خوفاً، أو دفاعاً عن نفسها من "المجهول"، ربما موتاً مبكراً، ربما جنوناً، وربما وهم تحصّن، وكان من هذه العبثية أن جُعل كل لبناني مشروعاً متأخراً أو متقدماً أو لعبادة الذات أو لاستعباد الآخر. بحيث، ومن شدة التهافت، كان على كل لبناني في مجموعته ان يتقدم كمشروع "الهي" أو كمشروع "مقدس" مكتمل الصفات الالهية لينفي "المقدس" الآخر المكتمل ايضاً. وهذا ما جعل هذا "المقدس" عند هذه المجموعات رديفاً لاستباحة كل شيء. واذا عدنا الى الحروب التي اندلعت عندنا، بتآزر ضمني أو معلن بين اسرائيل وبعض العرب، والغرب وأميركا، نجد ان هذا اللجوء الى المقدس، جعل كل طائفة، وفي ظرف من الظروف مشروعاً الهياً، وجعل من كل حزب "حزب الله" المختار"، انطلاقاً من معظم الأحزاب منذ الاستقلال وحتى آخر العنقود الالهي عندنا اليوم. كل هذه الإيمانات الهابطة من "فوق" المبررة للإيمانات الطائفية أو حتى العائلية، لم تكن سوى الظاهر الذي يستبطن استباحة لفكرة الإيمان بالوطن، أو فلنقل ان فكرة الإيمان (والإيمان يتحول الى فكرة) هذه اي إيمان المجموعات الطائفية ومن ثم المذهبية بنفسها، خارج الفضاءات التي تحدها الارض والتاريخ وما هو مشترك بينهما، كانت بدائل واستعارات من الإيمان بالوطن. فبدلاً من "تقديس" الأرض كجغرافيا حاضنة وحافظة للتاريخ والانسان وما يراكمانه، وبدلاً من تقديس الوطن كحدود خاصة وعمومية مشتتركة، اختار (والاختيار من باب القسر احياناً ومن باب الخضوع للأمر الواقع) هؤلاء اي المجموعات ما لا يشترك بينهم، ولا ما يعاضد ويجمع وما لا يوائم: اختارت انفسها ككتل تاريخية، جغرافية (ايديولوجية) جديرة بالتقديس، ولهذا، وعندما صار كل شيء في الوطن مقدساً ما عدا الوطن نفسه، وقعنا، وعلى امتداد اجيال عديدة، في "الاكتفاء الذاتي"، بحيث صار البحث حتى عن وطن أمراً عبثياً بل وخطراً بالنسبة الى هذه المجموعات، بل وصار الخروج على المجموعات المغلقة، نوعاً من الخروج الى المنفى.
والمنفى هنا ان تكون غربة متعددة بين الخارج من حماية "الطائفة" الى الوطن "الخطر". ولهذا، ففكرة الإيمان بالوطن، ككل، وبمنأى عن تراص الكتل التاريخية (الدينية والجغرافية) الى حد)، كانت فكرة الوقوف على "الحافة". فكرة الوقوف امام "الهاوية". فكرة ان تشعر بأنك أعزل بين تضاريس "الادغال المسيجة" ذلك ان كل دغل طائفي أو مذهبي "مسيج" كأنه محمي من غابة خارجية أوسع لهذا الدغل لكي لا يلتقي "الادغال الأخرى"، ولكي يتأمن له، ومن خلال هذه الحماية ـ الذريعة أن يخترق هذه المحميات باسم الدفاع عن وجودها المهدد. انها فكرة استعمارية بامتياز، تبنتها بعض الانظمة العربية لاختراق "الادغال" الطائفية، وتثبيت مواقعها، وتأمين مصالحها، بدعم هذه الوسائط المحلية التي تدعي دعمها، ولهذا اختارت هذه المجموعات من يشاركها بوجودها من الخارج، وبمصيرها من الخارج. صار الإيمان بالخارج رديفاً لإيمانها بذاتها، خارج فكرة الانضمام الى الفضاء الوطني المشترك.
بل صار مصدر "الإيمان" بالذات يأتي من الخارج، لا ليكون علامة انفتاح وانما ليكون علامة "انغلاق". فالخارج لتمتين كل مجموعة من الاكتفاء بذاتها. أو لاعتبارها محمية خارجية بهويات داخلية. أو "دويلة خارجية" تحت علم ـ (شاهد زور) داخلي، توحد العلم مثلاً وارتفع تحت قبائل بابلية من "الشعوب" المتفردة باستقلاليتها، تحت شعار "احترام العادات والتقاليد" المنسوبة لكل مجموعة، بمعنى احترام الشعائر والخصوصيات المحصنة، من دون البحث عن خصوصية الوطن والذي يمكن ان يكون حصيلة الخصوصيات المفككة والذائبة فيه. من هنا ظاهرة الزعيم ـ العميل، اذ ان مفهوم الزعيم الوطني أو اللبناني، أو العروبي أو الاممي... كان مرتبطاً بارتباط هذا الزعيم. بمصدر قوته البرانية، والاعتراف الأول به يجب أن يأتيه ممن تبناه من الخارج، وليس ممن يفترض انه تبناه من الداخل، ولهذا، كان مصدر اعتزاز كل زعيم (ومجموعة) بمرجعيته الخارجية. فالعمالة للخارج كانت "مفخرة" وطنية، وضماناً لاستمرار هذا الطرف أو ذاك، فأن تقول زعيماً كبيراً يعني أن تكون عميلاً كبيراً يحتل موقعاً مميزاً في عمالته وفي رتبته ومرتبته عند تلك المرجعية الخارجية التي تستخدمه بكل ما أوتي من كرامة وعزة نفس ووقفة عز وثورة وتغيير ونضال وعنفوان وعروبة... من هنا جاءت العمالة انخراطاً في مشاريع الآخرين، وإن بدا الالتزام الايديولوجي أو السياسي، او الديني، مجرد قناع أو ذريعة، والعمالة هنا واجدة تبريراتها الجاهزة في طبيعة التكاوين النفسية والسياسية والتاريخية. ولا تحتاج لا الى نكران ولا الى خجل حتى ولو تنقلت العمالة، عبر العملاء، من مرجعية الى أخرى نقيضة. وهل كانت الحروب التي اندلعت على امتداد ثلاثة عقود منذ 1969 عندنا سوى تعبير عن مدى تشرش هذه العمالة في وجدان الرموز الطائفية والسياسية وفي استراتيجياتها، بعيداً من حسابات الوطن؟ وكلنا يعرف ان تراجيديا تلك ا لحروب تكمن في ان كل طائفة وجدت من يتبنى حروبها المتواترة، ويغذيها، ويمولها، ويسلحها، تحت شعارات مضللة احياناً، ومباشرة احياناً أخرى، بدءاً من العنفوان الى العروبة الى الديموقراطية، الى الكرامة، الى التحرير، الى مقاومة العدو، الى مقاومات أخرى... وصار على كل عميل ان يقدم جرد حساب الى اسياده، ليحصل على دعمه من جهة، وليؤكد على اخلاصه له من جهة أخرى، وكان عندها على كل طائفة ان تصنع حربها الخاصة: منذ 1975 وحتى اليوم.
وكان على كل طائفة لكي تصنع حربها المظفرة ان تجد عنواناً لها، لا لتأكيد الذات فقط، وانما لتأكيد الخارج ونفوذه عبر ذريعة تأكيد الذات وحماية المجتمع الطائفي. وكان على كل طائفة، وكي تميز "حضورها" ان ترسم حدودها الكانتونية تحت مقولة "حماية مجتمعها" أو "ادارة مجتمعها" أو "الدفاع عن وجودها المهدد" انخراطاً احياناً في مشاريع أوسع من سماتها الضرورية التقسيم أو الشرذمة أو "الوحدة الكانتونية" تصنع "وحدة الوطن" وقد شهدنا، على امتداد العقود المنصرمة (وصولاً الى اليوم) مشاريع كانتونية عديدة، مضمرة هنا وظاهرة هناك، على أن هذه المشاريع الكانتونية التي كانت تنتج "بطلها الأوحد"، و"قائدها الاوحد" (وغالباً ما كان عميلاً متمكناً)، وتنتج حروبها (العبثية) اصطدمت ببعضها وبصراع المصالح الخارجية، فكانت، في المحصلة، مشاريع انتحارية لأهلها أولاً وللبلد ككل. وفي كل هذه الأحوال كانت الكانتونات كفكرة، أو كايديولوجيا تتجسد على الأرض تأسر ناسها، وتضرب عقولهم، وتسحر جهوزيتهم السلبية لتقبل ارادات "القائد" أو "المقاوم" (مجمل قواد الكانتونات كانوا ابطال مقاومة!)، لينساقوا في تدافعهم الى هذه الانعزالية الانتحارية، الغيبوبية وكأنما يصفقون لنهاياتهم او لهزائمهم المقبلة، وكان على إيمانهم الطائفي (بإذنه تعالى) المقدس (وكان كل زعماء الحرب وامراؤه ينتمون الى المقدس ويشغلون الله تعالى في تنظيماتهم حتى اليوم عند بعضهم)، وكان على إيمانهم الطائفي بأنفسهم كمشاريع لأنفسهم تخدم سواهم، ان يتجاوز الإيمان بالوطن، فالوطن يخدم إيمانهم بالطائفة، لا الطائفة تخدم إيمانهم بالوطن، وكان علينا ان نبدد محطات مضيئة في تاريخ هذا البلد، محطات النهضة العربية، العروبة الطليعية، الديموقراطية، المجتمع المدني... التي تراكمت ظواهرها على امتداد التنويرية العربية التي اصابت ا لقرن الماضي وما قبله عقول النخبة وصولاً الى الناس، فجاءت الحروب، وانقلبت على بوادر التحولات نحو سيادة مجتمع مدني متعدد غير مقنن وغير متزمت، وفي هذه اللحظات النهضوية العالية، بدا لبنان كفكرة تتطور من نظام المقاطعات الطائفية التعسفية والتقسيمات المتصرفية الى كيان الدولة الديموقراطية الواحدة، أو فلنقل الى فكرة الدولة الجامعة، بالمشروع النهضوي السياسي وحتى الايديولوجي.
كل ذلك جرفته موجات الإيمان الأخرى. الإيمان بالوطن (زوراً) عبر الطائفة، والإيمان بالطائفة خارج الوطن، وداخل الاعتبارات والارتهانات الخارجية. وكان على هذه الموجات العنيفة أن جاءت بكل الناس، وبكل من يُستهوى منها، من العرب الذين أرادوا أن يؤسسوا أو يرسخوا وجودهم أو هيمنتهم عندنا، أو يستخدموا البلد كساحة أو ورقة، ومن غير العرب كإسرائيل مثلاً (وصولاً الى قلب الإيمان النابض إيران). وكان على القضية الفلسطينية أن تجد طريقها الى فلسطين من لبنان (وحده)، وكان على النظام السوري أن يستفرد لبنان (عبر فكرة الإيمان الطائفية) وبحروب "طوائفه" كمنقذ، ليجعل من هذا البلد أيضاً ورقة مساومة، أو موطئ مصالح للغير، أو هيمنة ضمن أحلام السيطرة التامة عليه... من دون أن ننسى الأنظمة العربية الأخرى التي موّلت حروب الطوائف والمذاهب لتجد هي أيضاً مكاناً لها... من ضمن صراعاتها ومطامعها!
وإذا استثنينا بعض الأصوات السياسية وبعض الظواهر الهامشية التي استقلت عن المراجع الخارجية وعن "الإيمان" بالطائفة، وعن الانجرار في جنون المشاريع المرسومة، المتصادمة، نجد أن المجموعات بقيت مسوقة في هلوساتها النرجسية، حتى نهاية ما كان يسمى الحرب، بالطائف! فكانت التسوية الطائفية. وكانت عودة ما الى كنف الدولة. وإلى كنف نظام تطورت "طائفيته" بالطائفية... على قاعدة إرثه الديموقراطي، والثقافي، كحل من الحلول الممكنة. لكن "الطائف" لم يُرَد له أن يُنفذ (حتى بشروطه الناقصة)، وكان على الهيمنة السورية أن تعمل كل شيء لعدم تنفيذ هذا الاتفاق، وتالياً لعدم قيام دولة أو نظام أو توافق بين أهله... ليكمل سياسة التقسيمات الكانتونية ويبقي الجرح الطائفي مفتوحاً... في تلازم مع ضرب كل احتمال لتجدد أي فكر ديموقراطي، أو علماني، أو مدني. بقيت محاولات استثارة المجتمعات (الكانتونية) شغالة بوتائر عالية، من سياسة تقسيمية قائمة على القمع والترهيب والوعيد والقتل، بحيث تمنع هذه السياسة أي لقاء بين "الطوائف"، أو حتى "المذاهب" إلاّ عبرها... ونظن أن فكرة الإيمان بالوطن، خارج العباءة الطائفية ـ المذهبية بدأت، تنمو "خفية"، وربما هنا على غير وعي، وهناك على وعي حاد، أو شعور، لترتبط فكرة الإيمان بالوطن بفكرة الاستقلال، والسيادة، والتحرر من الوصاية الشقيقة وكل وصاية أخرى وكان التمديد القسري لعميل المخابرات إميل لحود اللحظة التي فجّرت كل هذه الاعتمالات الباطنية، وكان استشهاد الرئيس الحريري المقدمة الأساسية لإعلان ثورة الاستقلال، وإطلاق شرارة جديدة لتجاوز الكانتونية الطائفية، وصوغ مشروع وطني (عبر الطوائف نفسها) تجسّد في رفض التبعية للخارج، وإخراج الوصاية السورية من لبنان. وهكذا كان. وفي خروج جيش الوصاية، كان على الكانتونيات "المؤمنة" بنفسها أن تتفكك، عبر تلاحم المجموعات البشرية في الشارع، وفي الأفكار، وفي الهواجس الاستقلالية. ونظن أن 14 آذار كانت اللحظة الفاصلة بين تواريخ عدة أبرزها الإيمان الجماعي بوطن للجميع، بوطن واحد نهائي، وبأرض حرة، وبنظام سياسي تؤمن عبره الديموقراطية (بشروط النظام)، وحرية التعبير، واحترام إرادة الناس، والمجتمع المدني. كانت لحظة تاريخية، صنع فيها الناس (وليس النخبة فقط) ثورتهم، وأكدوا إرادتهم، على مساحات الوطن كلها!
وربما للمرة الأولى، (لا سيما على صعيد شعبي) تتحقق وحدة كاملة قائمة على الإيمان بضرورة هذا الوطن، كجامع، وككاسر للتقسيمات الاعتسافية الخارجية، وكمبدد للطموحات الشمولية.
ولكن هل يعني أن الفكرة الكانتونية قد انتهت؟ نظن أن الطوائف هذه المرة، أو غالبيتها قدمت مشروعاً وطنياً (استقلالياً) يتجاوز الفكرة الكانتونية... لكن، مع هذا بقيت رواسب من هذه "الانفصالية" "الإيمانية" ذات الجذور في الخارج، تسعى الى تجديد وترسيخ التجربة الكانتونية (في السبعينات)، كنقطة انطلاق للانقلاب على الظواهر التوحيدية التي جسدتها 14 آذار. فجماعة 8 آذار، وعلى رأسها حزب الله، حاولت الالتفاف على ثورة الأرز، والانقلاب عليها، من ضمن خطة رُسمت لدى الوصايتين: الشقيقة والأعجمية الساسانية، لاستعادة الهيمنة على القرار اللبناني، وإبقاء لبنان ساحة لهما: للأول لإفشال المحكمة الدولية، وللثانية لمواجهة أميركا في لبنان من خلال المسألة النووية في إيران. إذاً إعادة لبنان على ما كان عليه، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود ورقة أو قصاصة، أو محطة، أو وسيلة، لمنع نهوضه كدولة مستقلة، وكنظام متعدد.
وربما تصطدم للمرة الأولى فكرتان: فكرة الإيمان بالوطن فوق الطائفة أو المذهب عند 14 آذار في نظرة توحيدية جامعة تتجاوز الكانتونية التاريخية، وفكرة استمرار الإيمان بالطائفة (كذريعة أو كقناع) كوسيلة للنفوذ الخارجي جسده حزب الله بشكل أساسي من خلال تمسكه بجغرافيته الكانتونية واستخدامها كأداة لنفاذ الإرادات الخارجية منها، والانقلاب على إنجازات 14 آذار. وكان العام الفائت ذروة هذا الصراع. الانقلابيون بقيادة حزب الله وبعض "الطرابيش" الملونة وجلها مرتبط بمخابرات الوصاية السابقة، يبحثون عمّا يوصلهم الى السلطة لإعادة الهيمنتين والوصايتين، وضرب كل ما تحقق على أنقاض نظام المخابرات ورستم غزالي والحؤول دون قيام دولة مستقلة، ولا حكم مستقل، ولا نظام متعدد، ولا مجتمع مدني... ولا قضاء مستقل عن السياسة... يريدون الفوضى، واللاشيء، ليتمكنوا من التسرب كأقلية الى السلطة، لاجئين الى كل الأساليب الغوغائية والتحريضية والمذهبية والتهويلية بحروب وفوضى وتكسير وإرهاب واغتيالات ومفخخات.... وبتقسيمات كانتونية. وكان آخر تجليات هذه الضغوط تظاهرات من لون واحد عجز أصحابها عن تكوينها بعنوان "وحدة وطنية" ومن ثم باعتصام احتلالي في ساحة رياض الصلح... وإطلاق تهديدات بإغلاق المطار والمرافئ وقطع الطرقات... وحتى التلويح بالقتل عبر إفرازات التخوين و"التكفير" والعنف. أي كل ما يجعل بتوع 8 آذار (في اللحظة التاريخية العالية التي قدمتها فيها المقاومة الى رستم غزالي كرمز مقاوم ونظيف وشريف ونبيل)، خارج الإيمان بهذا الوطن الذي ما زالوا يرون فيه محطة موقتة في مستوطنة موقتة، على أرض موقتة وشعب موقت، مرتبطة كلها بأرسان الوصايتين. فإيمان حزب الله أبعد من لبنان كجذروه (والمؤمن الإلهي جذوره عند الآلهة وعند الأقوياء بالمال والقمع والقتل والفاشية)، وأبعد من أي ارتباط حتى بشرائحه التي يسوقها كل يوم من مكان الى مكان، ومن ترحال الى ترحال، ومن تهجير الى تهجير.
إنهم يبركون هناك. بتوع 8 آذار. بإيمانهم الخوارجي. يهددون باقتحام مقر الحكومة، وربما مجلس النواب (ما دام رئيسه بين أيديهم)، ولكن فوجئوا، كما ما بعد استشهاد الحريري، ولا سيما عام 2006، بأن شعب لبنان كبُر إيمانه بلبنان. لم يعد وقوداً في محاطب الآخرين. بات "يؤمن" (بعد كل التجارب والأثمان) بهذا الوطن الثابت، الصلب، القوي، الحر، المستقل، العروبي الحضاري، المتعدد، الديموقراطي، الحي، الساعي الى ثقافة الحياة. وكان على هذا الشعب الذي فاجأ من جديد حواسيب حزب الله "الإلهية" ذات الأرقام الإلهية والتحاليل الإلهية.. وعملاء مخابرات الوصايتين أصحاب السوابق في بنك المدينة، والبنغو، وكوبونات صدام حسين، والكازينو، والخلوي... كان على هذا الشعب أن يهب من جديد في انتفاضته الثانية ليحاصر المحاصرين أنفسهم في ساحة رياض الصلح. ليحاصر خروجهم على الدولة، ومحاولتهم الانقلابية، أي ليدافع عن إنجازاته، وعن حريته، وعن حياته. قد تكون المرة الأولى الذي يهب الشعب اللبناني الحر من أقصاه الى أقصاه، مدفوعاً بإيمانه المتجدد بلبنان، ليقول "لا" للانعزاليين الجدد. للانفصاليين الجدد. للمرتهنين التاريخيين، ليقول "لا" لمن صنعوا حربين لمنع قيام المحكمة الدولية: الأولى مع العدو الإسرائيلي بارتجالية قلّ نظيرها وبحسابات جلّها استغلال الحرب بشعار "النصر الإلهي" للانقضاض على السلطة واغتصابها. والثانية، أي الحرب الثانية، تتمثل في الارتداد على الداخل في تحركات مشبوهة مرسومة بحبر الوصايتين.
هبّ الشعب اللبناني كله من بيروت الى صيدا الى الشمال الى طرابلس، وعكار، والضنية، وجبيل والبترون وكسروان والبقاع، في تظاهرات حضارية (بالطبع)، ليعبّروا عن إيمانهم بهذا الوطن... فوق كل إيمان، وليعلنوا أن لبنان أولاً هو "لبنان أخيراً"، لبنان فوق الطوائف وفوق الطائفية وفوق كل الارتهانات الخارجية.
إنه شعب لبنان، متعدداً في انتماءاته، كان نجم 2006. كان بطل 2006. بل كان العام الفائت (كما العام الأسبق)، تتويجاً لرسوخ لبنان الواحد، ولبنان الوحدة الوطنية، (ولا وحدتهم الوطنية خليط المخبرين والمجرمين والمزيّفين والعملاء)، ورسوخ هذا الشعب وهو يقلب صفحة لبنان ملك الآخرين الى لبنان ملك الشعب اللبناني.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.