منذ نهاية الستينات، ومن قبل وعبر محطات وحروب وأحداث عديدة وحتى اليوم، بدا أن لبنان تحت مسميات "الحرب الأهلية"، أو "حروب الطوائف والمذاهب" ولكنه، وفي العمق، تحوّل ساحة لحروب البدائل والاستعارات، أي لحروب الأقنعة "الخارجية" أي حروب الآخرين على لبنان، وفيه، ومن خلال واجهات محلية، بعضها "ابتُكر" وبعضها "زُيّن له"، وبعضها "لُمّع" بالمال والسلاح والشعارات من الألوان الشتَّى، والقابلة باستمرار للتحوّل والارتداد بحسب الظروف والمعطيات والتبدلات.
ولهذا لم تكن تلك الحروب لبنانية ـ لبنانية إلا بقدر ما كانت تُرسخ فيها حروب الآخرين. إذ ان اللبنانية نفسها، كمفهوم، تعدلت، وتنوّعت في مفاهيمها واستخداماتها واستهلاكاتها الى درجة باتت مجرد ذريعة: بل لبنان كله، بقضه وقضيضه تحوّل ذريعة في عملية تدمير منظمة، خدمة لهذه الأهداف العربية أم الأجنبية أم لبعض القضايا التي كان للبنان، "وقوداً"، أن يُوظف لها، بصرف النظر عن مصالحه، ومصيره، ووحدته، ونظامه، وكيانه، وأرضه وناسه.صار لبنان مجازاً لغير لبنان، و"هويات" مستعارة (مزيفة) لغير اللبنانيين، وأرضاً مفتوحة لكل مَنْ كان يريد أن ينقل حربه مع الآخرين الى لبنان، أو أن يُبعد كأس حروبه الداخلية الى لبنان، أو أن يستولي على لبنان، كورقة أو كقصاصة أو كمعبر، أو كوسيلة، تحت شعارات داخلية أو عروبية أو شمولية، أو وطنية. كلها كانت من حبر آخر، ومن أصابع أخرى، ومن نبرات وسحن أخرى، حتى تحوّل هذا الوطن الصغير بابَلَ من "الأخلاط والأجناس" والأسلحة، والمجازر، واللغات، فضاعت قسماته، وملامحه، تحت ثقل العابرين إليه من الجهات الأربع... حتى السيخ جاؤوا من أطراف العالم ليجدوا كمرتزقة ما "يناضلون" من أجله عندنا.
فمنظمة التحرير الفلسطينية ومشتقاتها وتناقضاتها وجدت ان العودة الى فلسطين لا بد أن تمر بلبنان وبجنوبه (وبجونيه أيضاً) فصار هذا الأخير "فتح لاند"، ليشرع "نضالها" باتفاق القاهرة المشؤوم ليصير الجنوب خارج السلطة الشرعية وخارج أي إرادة لبنانية. والنظام السوري، ولكي ينتزع من عرفات الورقة اللبنانية، استحدث "منظماته" الفلسطينية (أحمد جبريل والصاعقة... إلخ) دخل في الأتون اللبناني، وفي الحروب "العربية ـ العربية" ناقلاً معركته التحريرية من الجولان المحتل الى لبنان "المقسّم". استعار الأرض اللبنانية كبديل من أرضه المحتلة، وكوسيط مكلف من الغرب (الولايات المتحدة) لتصفية العرفاتية وحلفائها (الحركة الوطنية) ومن ثم ذراعها (المقاومة الوطنية). فللنظام السوري حربه البديلة من حربه مع العدو الصهيوني في لبنان، عبر "الفلسطينيين" واللبنانيين. وفي هذا الاطار، وضمن الصراعات العربية انتقل أيضاً النظام العراقي أيام صدام حسين الى لبنان بماله وسلاحه ورجاله "المحليين" ليصارع النفوذ السوري عبر صراع الحزبين البعثيين (سامحك الله يا ميشال عفلق: الناس تنجب بعثاً واحداً فأنجبت لنا بعثين، وكأن بعثاً واحداً لا يكفي!) على أرضٍ باتت محروقة بالدولارات والأسلحة والموت، ومستعارة بعشرات الشعارات والقامات المزروعة تنهض على حطام البلد بكل "قوتها" البرانية كل هذا جعل اسرائيل ذات المطامع والمطامح في لبنان (اسرائيل الكبرى) بمائه وحدوده، تخترق هذه "البابل"، في ظل الحروب العربية ـ العربية، والحروب الباردة (الساخنة) بين الاتحاد السوفياتي وأميركا، وبحكم الظروف والمتطلبات وحتى تحت شعارات لبنانية تلقى صدىً ما عند هذه الفئة أو تلك، وتحتل لبنان، وتصل الى مدينته بيروت. والطريف انها وصلت الى بيروت واحتلت جزءاً من الجنوب في عز "حضور" الأنظمة العربية في لبنان، مالاً وسلاحاً ورجالاً، وعلى حدودها أيضاً. هنا المعركة السهلة. فالموجودون عندنا، من عروبيين ومستعربين ووطنيين وطائفيين ومستنفرين و"شديدي البأس"، سَهّلوا المجال لاحتلال العدو الصهيوني الجنوب حتى العاصمة. وتسأل أين كانوا؟ أين كانوا على حدودهم المفتوحة والمحتلة (الجولان) وأين كانوا بجيوشهم وميليشياتهم في جزء كبير من لبنان. بمعنى آخر، ففي الوقت الذي كانت اسرائيل تخوض حروبها ضد لبنان والمقاومة الفلسطينية، كان ثمة مَنْ يحارب المقاومة الفلسطينية من الأقاليم، ومن قلب العروبة النابض، وكان ثمة مَنْ يحاول تقسيم لبنان خدمة لهذا العدو. فإسرائيل نقلت معركتها حتى بيروت. وبعض الأنظمة العربية كان قد نقل معاركه الى لبنان، من دون أن ننسى لا الاتحاد السوفياتي ولا الولايات المتحدة الأميركية. إذاً حروب مستعارة من كل أوْب وصوْب وبكل الألسنة واللغات، وبكل الأسلحة، حتى صار لبنان كل شيء إلا للبنانيين. وعندما وصلت الثورة الخمينية الى إيران بمباركة أوروبية لا سيما فرنسية، وجاء حكم الملالي الطاهر الطهور والمؤمن المستأمن، وانتصبت ولاية الفقيه بكل جبروتها كان على طرف لبناني، لم يدخل في لعبة حروب الآخرين على لبنان، أن "وُرِّطَ" وأقصد جزءاً من الطائفة الشيعية، (وكان على العلامة الكبير الامام موسى الصدر التنويري والحضاري، أن يُبعد هذه الكأس عن لبنان وعن طائفته فتم إخفاؤه بل وتمت لفلفة قضيته على امتداد الحروب وحتى الوصاية السورية لماذا؟). وعندها كان أن تستمر لعبة البدائل والاستعارات فصفَّت "الثورة الايرانية" والنظام السوري المقاومة الوطنية العلمانية (الحزب الشيوعي، الحزب السوري القومي، منظمة العمل الشيوعي)، لتحل محلها مقاومة حزب الله الاسلامية، بقرار من الدولتين، ولينتقل الجنوب اللبناني من ورقة في يد عرفات الى ورقة بيد النظامين المذكورين، كبديل من الحرب السورية في الجولان، وكورقة تستخدمها الدولة الساسانية في لعبتها السياسية مع الغرب وسواه. فالأمكنة واحدة، و"الهويات" النضالية متعددة ومتبدلة! وهكذا كان على لبنان أن يبقى "منصة" "نضالية"، وساحة حروب لغير اللبنانيين. (علماً بأن اللبنانيين عموماً ساندوا المقاومة الاسلامية ضد اسرائيل بأشكال متباينة)، وعندما انسحبت اسرائيل من الجنوب تحت ضغط المقاومة، وكان أصبح لبنان كله تحت نظام الوصاية (بفضل حرب عون التحريرية، ومغامرته المجنونة وغير المحسوبة، وخسارته "المظفرة" وهروبه الى فرنسا كلاجئ سياسي)، قلنا، ربما، سقطت الذرائع ببقاء نظام الوصاية في لبنان بانسحاب العدو (كان نظام الوصاية يعلن أنه لن يبقى جندي سوري واحد على الأرض اللبنانية بعد انسحاب اسرائيل ثم قال "ننسحب بقرار من الحكومة اللبنانية"، ولكن علمنا بأنه بدل الوصاية صار عندنا وصايتان: الأولى "عروبية" سورية، والثانية ساسانية فارسية! كنا بواحدة فصرنا باثنتين، وقلنا ان حزب الله، بعد إتمام مهمة التحرير في الجنوب، لا بد من أنه سيسلم سلاحه وعديده وعدته الى الدولة، وينخرط في المجتمع السياسي. لكن بدلاً من أن يفعل ذلك، عزز ترسانته الحربية في الجنوب (بعد انسحاب العدو عام 2000) بذريعة "مزارع شبعا" التي كانت "قميص عثمان" الوصايتين عبر حزب الله. وفي مختلف الحالات بقي لبنان من دون لبنان. المقاومة مموّلة ومسلحة ومقررة خطواتها من الخارج، والوصاية الشقيقة ازداد استفراسها وفسادها، وتضاعفت هيمنتها، وكان على اللبنانيين، أن يبدأوا جدياً بالتفكير بالسيادة والاستقلال، أي بالتخلي عملياً عن حروب البدائل والتقسيم... وهنا بالذات، علينا وضع استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري على خارطة بدء معركة الاستقلال، وككل وصاية، كان على النظام الشقيق أن يدافع عن وجوده الشقيق في لبنان، (كبديل موضوعي من الجولان) فكان ما كان. استشهد الحريري، وكانت ثورة الأرز، وكان الخروج العسكري الشقيق من البلد، وكانت الانتخابات النيابية وكان فوز ثورة الأرز وكان تأليف الحكومة من ضمن الأكثرية، وكان دخول حزب الله "الشكلاني" في الحكومة. فقلنا عال! لربما، وللمرة الأولى منذ 30 عاماً عندنا استقلال وحياة سياسية... عال! لكن، كان ثمة تحضير لحرب بديلة في الجنوب، عُقد مؤتمر الحوار وشارك بعضهم فيه تمويهاً لقرار الحرب المتخذ في الجنوب. أقصد الحرب التي تقررت خارج لبنان. وهكذا كانت حرب تموز، في لحظة مفصلية: المحكمة الدولية والصراع الأميركي ـ الايراني حول المسألة النووية! فبدلاً من أن تحارب إيران أميركا انطلاقاً من حدودها، وجدت لبنان (عبر حليفها ووكيلها) ساحة بعيدة من أرضها، لتعلن "هزيمة أميركا في لبنان" وبدلاً من أن تواجه سوريا مشكلتها الدولية في سوريا، نقلتها من جديد عبر حليفها الاستراتيجي (حزب الله) الى الجنوب. وهكذا ومن خلال هذه الحرب التي أعلنها حزب في لبنان نيابة عن الشعب اللبناني، وحكومته وبرلمانه وإرادته، وتنفيذاً لقرار خارجي، تكبّد لبنان خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة. وهنا بالذات أديرت أسطوانة "النصر الالهي" لتكون "نشيداً" بديلاً من النصر الذي أعاد اسرائيل الى لبنان، وأدى الى تدمير البنى التحتية، وضرب الاقتصاد وتهجير مليون مواطن! مع هذا عزفت أسطوانة "النصر الالهي" لتكون إيقاعاً "عسكرياً" للانقلاب على الدولة والسلطة والحكومة وعلى إرادة الأكثرية وحرب على الحدود هدفها الأساسي انقلاب داخل الحدود، يُعيد الوصاية السورية ويعزز الوصاية الساسانية، ويقلب معطيات المحكمة الدولية، ويصبح لبنان مرة أخرى رهين "المحبسين". بهذا "النصر الالهي" المنشود (اللفظي والاعلامي) خوَّن حزب الله كل مَنْ لا يعترف بظفره. ناقلاً المعركة من الحدود (بعد انتشار الجيش واليونيفيل) الى الداخل. هذه المرة بدت حروب البدائل بلا أقنعة. حزب الله، كأقلية مع حلفائه في 8 آذار بدأت الحرب في الجنوب بقرار "إلهي" وظفر إلهي، واستكملت في الحكومة. يريد حزب الله، بعدما صادر رئاسة الجمهورية بشخص عميلها "الالهي"، وكذلك رئاسة مجلس النواب عبر فرضه (ولو بالتراضي) رئيساً، أن يستولي هكذا، وبكل وقاحة على الحكومة، عبر مطالبته بالثلث المعطل الذي يُعطل فيه الحكومة والشعب والدولة والنظام، والاقتصاد، ويضع كل شيء في قبضة الوصايتين. إذاً حرب بدائل في الجنوب تلتها حرب بدائل داخل لبنان. الآن الحدود الجنوبية لم تعد ورقة في يد الوصايتين فَلْتنقلْ هذه الحرب، من حرب على العدو الصهيوني الى حرب على الدولة اللبنانية، أي حرب على ثلثي الشعب اللبناني، وعلى كل شيء. على المدينة، وعلى العمران. وعلى السلم الأهلي. والديموقراطية، والتوافق، والطريف ان الحرب التي يشنها حزب الله باسم الوصايتين يدرجها تحت شعار "حكومة وحدة وطنية"، ويطالب بالمشاركة (وكأن الشعب اللبناني شارك في قرار إنشائه أصلاً، أو شارك في قرار اعلان الحرب المرتجلة على اسرائيل) ويتهم الآخرين (أي الأكثرية) بالاستئثار: فحزب الله باني الكانتون الطائفي الأخير بعد زوال فكرة الكانتونات في لبنان، وباني الدويلة الطائفية داخل الدولة بعد زوال فكرة الدويلات في لبنان، ويتهم الأكثرية بالاستفراد! شيء مضحك ومبك! فما الذي لم يتفرد به حزب الله، وما الذي لم يقرره وحده؟ وان "أحاديته" الساطعة هي التي أملت عليه كل مواقفه سواء المموهة أو الظاهرة. ولا ندري كيف يتهم زعيم أقلية وإن بطرابيش ثانوية (ميشال عون اميل لحود، وئام وهاب، سليمان فرنجية...) الأكثرية بالاستئثار، وهي أكثرية؟ وهل مفهومه للسلطة في ان تستأثر الاقلية بالأكثرية لكي تمارس الديموقراطية البرلمانية بشكلها الصحيح، وهل يجوز لمن انشئ حزبه خارج الحدود، ومقاومته ايضاً خارج الحدود، وتمويله وأسلحته خارج الحدود، ان يتهم خصوصه (صاروا اعداء باللغة الحربية) بالارتهان بالخارج وهل يجوز لمن بنى كانتونه ويعززه بأن يتهم الآخرين بالتقسيم! وهل لمن يملك مثل هذه المحطات "المنارية"، التي حشدت عملاء الوصايتين، والفاسدين، وأصحاب السوابق، ليكيلوا الاتهامات لـ 14 آذار ويخونوا رموزها مخونين بذلك ثلثي الشعب اللبناني. ما أجمل الخونة والعملاء عندما يُخَوِّنون)، وهل يجوز لأقلية ان تفرض حكومة وطنية ونظيفة، في الوقت الذي تواطأت فيه مع كل الحكومات الوطنية التي كانت تؤلفها الوصاية رموزاً اساسية، لماذا لم يطالب حزب الله أيام الوصاية بتأليف حكومات وطنية. وهل كانت حكومة عمر كرامي الأخيرة تمثيلية: ألم تغيب عنها الرموز الأساسية في البلد، وجاء بعملاء بدلاء موظفين عند رستم غزالي! هل يريد حزب الله، ومن أجل استكمال دور لبنان وكيلاً (مثله) لحروب البدائل، ان تؤلف حكومة تأتمر بالوصايتين، فتكون وطنية ونظيفة ويكون امينه العام مرشداً خارجياً للجمهورية اللبنانية لقناع للجمهوريتين الوصيتين: الساسانية والشقيقة؟
كل ما يريده بتوع 8 آذار إحداث إنقلاب، والانقلاب لا يقتصر على تسلم سلطة ما، بل يهدف ايضاً الى القضاء على السيادة، والاستقلال، والديموقراطية والحرية، لخضوعهم الكلي للارادة الخارجية. فالسيادة مستهدفة. والديموقراطية مستهدفة! والحكومة كاطار لهما، والوحدة الوطنية كجامع. وذلك تمهيداً، وعبر الامساك بالقرار، لإعادة الجنوب "حزب الله لاند" لأنه و"ساسان لاند"، و"بعث لاند" منصة لحروب البدائل والاستعارات، والتراجع عن كل القرارات من 1701 الى الحوار فالى المحكمة الدولية...
السؤال: الى متى سنبقى على هذه الحال! الى متى سيأتي كل عقد من السنوات فصيل مبرمج ومعلوف من الخارج، ويجدد حروب الوصايات والبدائل. الى متى سنحارب وأرضنا عن الآخرين. متى يصبح لبنان مجازاً للبنان، والأرض اللبنانية مجازاً للأرض اللبنانية والشعب اللبناني مجازاً للشعب اللبناني؟
متى ننتهي من حروب البدائل؟ اما كفى عمالة ومتاجرة بالوطن؟ اما كفى جعل لبنان مجرد محطة لمحطات أخرى، ووسيلة لأهداف أبعد منه، يرسمها الآخرون وينفذها بطاعة وامتثال وعمالة... بعض سكان الداخل!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.