فهناك علاقة مباشرة وحميمة بين حياته وسيرته وهذا يفسر أحياناً كثيراً لماذا كتب أو لم يكتب بهذه الطريقة أو تلك. فشعره ليس مجرد عالم من "الأشكال" مستقل عن "مهنته" وموقعه، وعواطفه وأفكاره، وإنما العكس، ومهما قيل في هذا الصدد، تبقى جوهر التجربة الشعرية. فولادة لامرتين، وأمكنته، وموقعه، وموضعه الاجتماعي، وتجاربه العاطفية، وطموحاته السياسية ومعتقداته، وشكوكه، ليست خارج نتاجه. وإذا عدنا الى أساس هذه التفاصيل، نجد أنها تغذي وتضيء شعراً يعطي كونه من النبلاء، أملى عليه التزامات سياسية وأسلوباً معيناً لحياته.
أسلوب الحياة هذا كان لا بد من أن يفرض على إبداعه الأدبي سمات ومتطلبات: من غير الخطأ القول ان اتباع لامرتين حياة النبلاء والزعماء قد أدى الى ازدياد حاجاته المادية، وهذا ما حمله على أن يكتب أحياناً لسداد بعض ديونه. هذا ما حصل في (Nouvelles Meditations) وكذلك في (Les Recueillements).
مسألة أساسية أخرى ارتبطت بانتسابه الاجتماعي وأثرت في أفكاره الشعرية: فهو كونه Gentil Homme، ومن مركزه "السامي" هذا، وضع نفسه فوق السجالات والصراعات حول المدارس الأدبية، متبيناً موقفاً محايداً من تلك المشاحنات الشعرية "لا كلاسيكي ولا رومانطيقي"، قالها.
لكن يعزو بعضهم هذا الموقف المحايد الى عوامل أخرى منها قضاء فترة طفولته وقسماً من شبابه في الريف، حيث، ربما، لم تصل أصداء تلك المعارك الأدبية. ومنها أن لامرتين لم ينشغل كثيراً بمسألة الأفكار والنظريات واللغة الأدبية. ولم يكن، ربما، مهيأ، لا نفسياً ولا (اجتماعياً) للخوض في هذه الحروب التي كانت فاتحة لحروب أدبية لاحقة بين الرومانطيقية والرمزية والواقعية والطبيعية...
من ناحية أخرى، فإن لامرتين وبحكم انتمائه العائلي النبيل، كان من الطبيعي أن يسعى وبقوة الى السلطة. لكن علينا أن نفهم أن هذا السعي لم يجعل منه سياسياً بالمعنى المحترف، أو بالمعنى الخالص. فالسياسة بالنسبة إليه أكثر من موقع. بل هي رسالة Mission تكرّس لها بشغف واع، ليجمع في ذلك مهمتين Vocations: الشعر والسياسة، العمل والنشيد. والعلاقة بين السياسي والشعري حميمة جداً. وهذا ما نراه من خلال خطبه الموزونة (وهو كان خطيباً مفوهاً) وPamphlets، فالشعر، ليس فقط عواطف ومشاعر وذات متفجرة وإنما هو أيضاً عنصر من عناصر التقدم الاجتماعي والسياسي. ومن خلال هذه "الرسولية" السياسية أراد لامرتين أن يضع الشعر في خدمة رسالته. واعتناق مثل هذا الفهم للشعر، لا يفرض فقط المواضيع، ولكن أيضاً طرق التعبير. فكان على لامرتين، ولكي تصل رسالته السياسية عبر الشعر، الى الناس من كل الفئات، أن يتجنب المغامرات التجديدية، ويعتمد لغة قريبة، بسيطة، سهلة الوصول، مؤثرة، وفاعلة، تحمل أحياناً مواصفات الخطبة "الرنانة" من حيث تركيبها، وبلاغتها، وقوافيها، ومباشرتها.
أي العودة الى Pathetique. ولا نعرف الى أي مدى أثر ذلك في مستوى الخطاب الشعري، ولا على المدى الذي تخلى فيه لامرتين عن إخلاصه للشعر لحساب السياسة. فالعوامل الخارجية على الشعر، من حسابات سياسية تؤثر سلباً على جوهر الشعر، بحيث ترتبط القصيدة بفنون أخرى كالخطابة... وتسخر لخدمة أهداف آنية.
لا نريد أن ننفي عن شعر لامرتين السياسي أي قيمة موضوعية، ولكن، من يقرأ أعماله، يكتشف أن تجليه الشعري لا نجده في شعره السياسي، وإنما في شعر الحب والطبيعة والدين... أي في الشعر غير المرتهن بالمناسبة والموقف والوسيلة. وقد يحيلنا ذلك الى القرن العشرين نفسه: الى مسألة الالتزام السياسي والأدب، ومسألة الايديولوجيا والسياسة والأهداف الاجتماعية في الأدب. فكان لامرتين، في تسخيره الشعر لخدمة "التقدم الاجتماعي"، و"الهدف السياسي"، ساهم في التمهيد والى حد معقول للشعر الملتزم، أو للشعر ذي البعد والمرمى السياسيين. والقرن العشرون الذي كان قرن الصراعات الايديولوجية والنظريات السياسية والحروب الثقافية، قد تحول فيها الأدب وتحديداً الشعر الى أداة، أو الى سلاح سياسي أو ديني أو اثني أو ايديولوجي. وعرفنا شعراء كباراً وضعوا الشعر مثلاً في "خدمة الثورة" كما في الثورة البولشفية: ماياكوفسكي وافتوشنكو وصولاً الى نيرودا والبرتي وناظم حكمت، ووصولاً الى شعرنا العربي الذي جمع في لحظات كثيرة في القرن هذه الشعارات، وهل تفوتنا القصائد والدواوين الشعرية التي صبت في هذا الاتجاه: من أحمد شوقي والحافظ ومطران والأخطل الصغير والجواهري وصولاً الى محمود درويش وأمل دنقل والبياتي والسيّاب...؟
لكن ما يمكن أن نستخلصه من معظم هذه التجارب، ما استخلصناه من شعر لامرتين: إن الشعر عندما يتحول مجرد وسيلة، أو بوق دعائي، أو حتى إعلاني، وإعلامي، يسقط مع الزمن، أو على الأقل لا يصمد كثيراً، لتتضاءل قيمته مع انقضاء المناسبة. أوليس هذا ما حصل مع كبار الشعراء، فما بالك مع صغارهم؟ ولا يُفهم من كلامنا هنا ان كل شعر سياسي ساقط حكماً، وان كل التجارب الشعرية "الملتزمة" أو السياسية قد انتهت مفاعيلها، وإنما نعني أن القصيدة، سواء كانت سياسية أو حتى ايديولوجية، إذا ما استجابت الى متطلباتها الفنية، ترتفع بهذه القضايا والشروط بقدر ما ترتفع إليها. ويمكن وضع كثير من هذه القصائد في هذا الاطار عند لامرتين وفيكتور هيغو وصولاً الى كل شاعر سياسي اليوم في العالم. ولكن إذا ما تنازلت القصيدة، لشروط خارجية عنها، فإنها تجافي الشعر نفسه، وإن أخلصت لهذه القضية أو تلك. والواقع ان لامرتين لم يسلم من هذه التنازلات. وقد أشرنا الى أنه في (Les Nouvelles Meditations)، وتمت ضغوط الحاجات المالية، قد وقع في هذه "الخطيئة"، أي كتابة قصائد يمليها عليه "ذوق" الجمهور، السائد بالدرجة نفسها التي نظم فيها قصائد سياسية تلقى صدى سهلاً عند الجمهور ولأسباب سياسية وأهداف خاصة. وهذا ما وقع فيه معظم شعراء القرن العشرين "الملتزمين" أحزاباً ويافطات ايديولوجية، بحيث صار الشعر عندهم وظيفة أو دوراً أو مهمة أو حتى رسالة، على حساب الشعر نفسه. فلا رهافة لامرتين، ولا صفاؤه، ولا طوباويته، ولا مثاليته، ولا حتى موقعه الاجتماعي، أو الانساني، حالت دون إخضاع الشعر للاستهلاك، أو للاعجاب السهل، أو للمسايرة أو للتنازل...
على ان هذا الشعر السياسي وغير السياسي لا يشكل المحطات الكبرى في تجربة لامرتين الشعرية، ولا يشكل تالياً المادة الأساسية التي، إن تعاطينا معها، يمكن أن نحدد قيمته الابداعية. وإذا عدنا الى نتاجاته الأخيرة، أي عندما راح نجمه يأفل، نجد أيضاً، مثل هذه التنازلات ليس فقط في الشعر، وإنما في الكتابات الأخرى، الروائية وغير الروائية. وهذا يعود الى تدهور وضعه المادي والشعري والنفسي، ووقوعه شبه الكامل في دائرة النسيان.
وهنا يبدو السؤال ملحاً: أو لا تعتبر ظروفه القاهرة، والحاحات الواقع، وخيباته، وحاجاته، سبباً أو أسباباً في تبرير هذه الانزلاقات الشعرية والأدبية؟ ربما! وهنا يحال السؤال على كثير من الشعراء، ومن عهود وعصور متباعدة وفي كثير من البلدان والممالك: من انكلترا وشعراء البلاط الى فرنسا وكتاب الملوك، انسحاباً الى الشعر العربي، بقديمه منذ الجاهلية والعصور الأموية والعباسية وبجديده مع شعراء السلطة والأنظمة.
على أننا نظلم لامرتين إذا وضعنا شعره السياسي ونصوصه الأخرى في مثل هذه الخانات بشكل يطمس تجاربه المشرقة، الحية، الصادقة، ويطمس التزامه جوهر الشعر المعبّر تعبيراً عميقاً عن اعتمالات الذات ومشاعرها والأفكار والانشغالات.
صحيح أنه انعطف في العديد من قصائده الى الخضوع للمناسبة، وللظرف، لكن الصحيح أيضاً ان قصائده الكبرى: من دواوينه الغنائية الى قصائده الملحمية، والى كتاباته النثرية لا سيما الشرقية، هي التي تكسبه الموقع الأساسي في الشعر الفرنسي وغيره، بل وتمنحه هذه الفرادة من حيث مساهمته في ريادة المدرسة الرومانطيقية من دون التزامها، وشقه درب الشعر الذي يخدم المجتمع من دون احترافه، ومن دون الاغراق في استخدامه.ونظن أن لامرتين الذي راهن على التجربة الدينية المتفتحة ونجدنا اليوم في حاجة إليه، وكتب الحب بعصب حي وبقلب صاف، وحس صادق، ونجدنا اليوم كذلك في حاجة إليه في أزمنة الاستهلاك والعواطف المعلبة والمسوّقة، لامرتين هذا، كأنه أيضاً ساهم في تحرير الشعر من قيود المدارس والمذاهب الجاهزة، التي ميزت القرن التاسع عشر (وكان شاعرنا من ضحاياها) ومجمل القرن العشرين. فهو عندما رفض الانخراط في معمعة هذه المذاهب، من كلاسيكية ورومانطيقية، ورمزية ورومانطيقية، وطبيعية وواقعية كأنه كان يبشر بهذه المرحلة الجديدة، اليوم، التي سقطت فيها كل المدارس والمذاهب والاتجاهات المقننة في الشعر والرواية والفنون وحتى الفلسفة والايديولوجية والسينما والمسرح... ذهبت النظريات والبيانات الجاهزة من الدادائية الى السوريالية، ومن الواقعية الاشتراكية الى الرمزية، وما رافقها من مدارس فنية، وفلسفية، وفكرية، وسياسية. قالها لامرتين في بداية القرن التاسع. ورفضها منذ القرن التاسع، ودفع ثمن خروجه غالياً. ولهذا نجد لامرتين، في تمرده على كل ما يقيد التجربة الشعرية من أفكار وأشكال مسبقة، هو معاصرنا. كأنه انبعث من رماد الاعتساف النظري الى حرية الشعر. أي الى التجربة الشعرية التي تحدد شكلها. فكأنما قال لنا: النظرية تولد مع الكتابة أو بعدها وليس قبلها. والنظرية تضع النتاج الشعري في دائرة المناسبة أو الموضة، أو المرحلة، ولامرتين، في هذا الاطار، كان شاعر عصره. لكن لم يكن شاعر مرحلة بالمعنى النظري الذي فرضته المعارك، والالتزامات المتصلة بالمدارس الشعرية أو سواها، وبالمعنى الذي ينتفي فيه شعره بانتفاء المرحلة. ومن هنا بالذات يمكن الكلام على كلاسيكية لامرتين: لا في انتمائه الى "القواعد" الملزمة الخاصة بهذه المدرسة وانما بارتفاع تجربته من تجربة خاصة، ذاتية، الى تجربة عمومية وانسانية. ولهذا هو معاصرنا اليوم، نجد فيه ما نعانيه ونحسه ونفكره، باعتبار أن التجارب الكبرى تتجاوز بيئاتها، وأزمنتها. وهذا يدحض والى حد كبير الآراء السهلة والقاطعة التي ترى أنه لم يتبق شيء من لامرتين، لا اليوم، ولا في زمنه. نظرة ضيقة، طبقت وتطبق على كثيرين من الفلاسفة، والشعراء والمسرحيين، وظلمتهم طويلاً، الى أن أعيد إليهم الاعتبار. ويكفي أن نقرأ ما كتب في العام الفائت (2005) عن سارتر في ذكراه، وفي فرنسا بالذات، لنكتشف الى أي مدى ما زالت هذه النظرة "الاستهلاكية" المرحلية، تسود النقد والمراجعة: لقد كان نوع من شبه الاجماع لدى النقاد على اعتبار أنه لم يتبقَ شيء من سارتر. لا من فلسفته، ولا من مسرحه، ولا من نقده، ولا من أفكاره، الى درجة قيل فيها "هل يجب أن نحرق سارتر؟"، أو "سارتر أو الغثيان" أو "سارتر في ذمة الذاكرة".
مثل هذه الآراء قيلت حتى في شكسبير الذي أعيد الاعتبار إليه بعد قرنين من الاهمال والنسيان. بل وأعيد الاعتبار اليوم الى شوبنهاور الذي وضع على رفوف النسيان طويلاً... وكم من شاعر وكاتب ومفكر عندنا وضعوا في هذه الخانات، ومن ضمن هذه المواقف اللاغية، والمبتسرة من أحمد شوقي وحافظ ابراهيم وخليل مطران وصولاً الى فوزي المعلوف وبدوي الجبل... وأحمد فارس الشدياق. إن هذه النظرة التي تقيم الكتاب والشعراء من خلال متطلبات الحاضر فقط، لا يمكن إلا أن تقع في جانب من جوانبها في الاستهلاك وفي الجزئية. فلامرتين كما هو معروف، وكما سبق وأشرنا، صُوّر وكأنه شاعر بلا جديد... ويكاد يكون بلا أثر في الشعر الفرنسي على الأقل. وقد ناقشنا هذه المسألة في بداية المقاربة. لكنه إذا كان الكثيرون لا يعترفون له بهذا الدور المؤثر في الشعر الفرنسي، فيمكن القول، انه أثر بشكل واضح في الشعر العربي، لا سيما في المرحلة الرومانطيقية، أو النيوكلاسيكية في بداية القرن العشرين وحتى منتصفاته، مثله، مثل العديد من الشعراء الفرنسيين والانكليز كفيكتور هيغو، وراسين وكورني ولافونتين...
ويمكن أن نشير مثلاً الى أن شعراء كالأخطل الصغير والياس أبي شبكة والشابي وعلي محمود طه وحتى أحمد شوقي وخليل مطران. قد تأثروا تأثيراً مباشراً بلامرتين. عبر نواح عديدة: من مواضيع الطبيعة، والدين (أبو شبكة)، الى الحب، الى اللغة نفسها. إذ من الظلم القول ان الشعراء العرب سواء في المرحلة التي سبقت ما يسمى الحداثة، لم يتأثروا بشاعر "Le Lac"، وبنموذج "الير" وبأناشيده الدينية... في حين يركز على تأثرهم بهيغو أو بموسيه أو بألبرت سامان أو شاتوبريان... وصولاً الى بودلير وحتى الى بول اليري (مع سعيد عقل).
فلامرتين ليس شاعراً "غريباً" عن شعرنا العربي في إحدى أهم مراحله التأسيسية الحديثة. ولهذا له الموقع المميز، والتقدير الذي يستحق، ليس فقط من حيث تجاربه الدينية المتفتحة، أو نظرته الشرقية غير السياحية، وغير الأكزوتيكية، وغير "الفوقية" أو في نظرته المتسامحة الى الأديان الأخرى، (ككاثوليكي غير متزمت) كالاسلام وسواه، ولا الى بعض الطوائف في لبنان وسواه كالموارنة والدروز... وإنما، وخصوصاً، كشاعر، طبع العديد من ذاكرة شعرائنا الكبار وغير الكبار.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.