ماذا يعني أن نعود إلى الشاعر الفرنسي لامرتين اليوم؟
ألأنه ما زال يبهرنا بشعره، ألأنه ما زال معاصرنا؟
الأنه حفر عميقاً في الشعر الفرنسي وأبعد منه؟ ألانه اجترح اتجاهاً شعرياً، او مدرسة تعبيرية، أو فتحاً لغوياً؟ الأنه اثّر فينا، وفي شعرنا العربي، الأنه ترك ارثاً ما زال حياً، في مضمونه وفي شكله؟
الواقع، ان لامرتين، وقد أطّل في الربع الأول من القرن التاسع عشر، تدور حوله أجوبة أكثر سلبية مما يثير أسئلة مفتوحة. وتجربته الشعرية، نظر اليها معظم النقاد والشعراء من مجايليه، ممن جاؤوا بعده، وكأنه شاعر ينتمي إلى القرن الثامن عشر بحساسياته ومناخاته وطرفه ومحتوياته بحيث انه كان مجرد صدى له، "لم يعط جديداً مميزاً"، ولم يطرح أسئلة جدية حول مسألة اللغة، أو اللغة الشعرية. بمعنى آخر، كأن لامارتين لم يترك أثراً. شاعر بلا أثر. لمع في بداياته وفي العديد من كتبه و"Les M?ditations" و"Les Harmonies" وانطفأ شيئاً فشيئاً، حتى غمره النسيان، وهو ما زال حياً، صحيح انه توج بالمجد، في فترة من فتراته، لكن الوهج الكبير، استله سواه، سواء من الذين يقتربون من أجوائه الشعرية كفكتور هيغو وموسيه ودويني، ام الذين يُعتبرون رواد الحداثة الشعرية وفي طليعتهم بودلير ورمبو ورلين ومالرمه من دون أن ننسى لوتريامون.
كان خارج الركب الذي فجّر، من القرن التاسع، الاتجاهات الشعرية الحديثة في القرن العشرين. اذ أنه، وبحسب كثير من النقاد، مشدود الى الماضي أكثر مما هو مشرف على المستقبل. بمعنى آخر، بدا لامرتين "قديماً" وسط التفجرات الحديثة التي رافقته، او جاءت بعده. بلا مكان؟ وربما بلا زمان؟ ضائع بين تصادم المدارس الشعرية (الكلاسيكية الرومانطيقية والرمزية) وقبع في عاداته الشعرية المتجاوزة.
يقول جورج بولي "Lamartine est ?trangl? par la forime vieille. dout parlait Rimbaud" .
فلامرتين الذي رأى فيه الكثيرون انه لم يحسن الكتابة أبداً إلاّ كما كان يكتب في شبابه، وامتداداً حتى زمن "أزهار الشر" لبودلير وفلوبير وأساليب القرن الثامن عشر. من المستغرب اذاً، اذا كنّا لم نعد نسمعه، وبعد قراءة عشرين بيتاً له. يضجرنا أسلوبه العتيق". فهو لم يسائل جدياً المسائل التعبيرية. استخدم الأدوات اللغوية والأساليب التي كانت في متناوله من دون أن يهتم بصوغ ادوات جديدة، أو ابتكار وسائل جديدة. اكتفى بالموجود وجاء به. ولهذا رأى هنري غيمان "Henri Guillemin" : أن لامرتين هو شاعر من القرن الثامن عشر"، ولم يهجس بأي تجديد.
واذا كان نجاح "Meditation" مدوياً، فليس لأنه قدم جديداً في مواضيعه الاساسية: على العكس تماماً. فقد كان ممعناً في اتباع القديم. وكان شعره كله مليئاً بالآهات، والغنائية البسيطة، والعاطفية الركيكة والحالات التبسيطية.
ويمكن كل قارئ ان يتعرف، في تضاعيف شعره، على الرواسب والآثار التي تُحيل على ولتير وراسين وروسو أو برنار دوسان بيار وولني وشاتوبريان. اذا ان الحالات النفسية المعمقة بالكآبة واليأس، والرثائية المباشرة، كلها تنتمي الى مناخات القرن الثامن عشر. بل، ويمكن القول اذا تجاوزنا الشعر الفرنسي، نجد آثار العديد من الشعراء الأجانب في قصائده: منGray إلى Harvey و Young وWerther وByrou.
ومن حيث التعبير، نجد أن الشكل في شعره، والأسلوب، يذكران بالبلاغة المصطنعة الموجودة في القرن الثامن عشر من الـ Odes إلى "stances وEpitres حيث صيغت بلغة رخوة هشة، ذات صور بلا لمعان واستعارات باهتة.
كل شيء قديم عند شاعرنا؟
اذاً، ما الداعي إلى نبش هذا الشاعر المدفون في متحف الشعر الفرنسي، وبعثه؟ وهل يستحق كل هذا العناء لاسترجاع شعره، ووضع مختارات له اليوم، هذه الأسئلة راودتني كثيراً قبل أن أُقبل على قراءة اعماله الشعرية الكاملة في La Pl?iade. وما كان يمكن الاجابة عن هذه الأسئلة الا بقراءة حيادية ونقدية لهذا الشاعر. بمعنى آخر ما كان يمكن تأكيد هذه المواقف السلبية منه، أو نفيها، أو تعديلها، إلاّ بامتحانها بقراءة خاصة نقدية معاصرة.
واعترف بأنني شعرت أحياناً بكثير بالملل اثناء قراءتي له. وهذا طبيعي لدى قراءة كل شاعر، كاملاً. لكن، وبقدر ما كنت أتوغل في قراءته، كنت انساق وراء قصائده وأبياته. صحيح أن كثيراً مما قيل فيه، سلبياً واقعي، لكن الصحيح أيضاً ان هذا الشاعر قد تعرض لجحود كبير، ولظلم فادح. هذا كان الانطباع الأول الذي خرجت به لدى انتهائي من قراءته.
بل ووجدت لزاماً، ان احاول مقارعة بعض ما أخذ عليه، وأُعدم به شعرياً، فاقارب شعره، أولاً مقاربة "موضوعية" نقدية (قدر الامكان) وثانياً مقاربة ذاتية من جهة، ومعاصرة تتصل بواقع العصر اليوم، لا لأبرر تقديم شاعر، "Le Lac" وانما لتبيان الحاجة إلى العودة اليه اليوم.
كان عليّ ان اترك جانباً الآراء الجاهزة التي علقت برأسي عن لامرتين والتي ذكرت بعضها باعتبار ان النقد يأتي بعد النص وليس قبله.
1 ـ اذا كنا نجد في شعره استرفاداً واضحاً لمن قبله، وللاشكال الكلاسيكية، فإنه مع هذا يمكن تلمس تطور بارز في مساره. فالقاموس الشعري يعتني باستمرار، ويتخلى الشاعر، وإن ببطء عن التفريق بين عبارات وكلمات "نبيلة" (ارستقراطية) وبين أخرى "سفلية" (أو متداولة).
يبتكر
2 ـ بقدر ما يبدو متردداً، وتقليدياً في استخدامه الكلمات والطرق بقدر ما كان يبتكر أو يعيد اكتشاف Des strophes . وشعره قد لا يقوم في هذا الاطار، تنوع النتاج الهوغولي (نسبة إلى فيكتور هيغو) لكنه مع هذا لم يترك لا من Quatrain ولا من "douzin" اي احتمال ولم يستعمله. من هنا يبدو لامرتين من أكثر الصُنّاع المهرة في الثورة الرومانطيقية. "ثورة"، لم تكن ابداعاً خالصاً لكن استغلالاً للكنوز المدفونة طويلاً في النسيان" (كما يقول هنري غيلمان).
3 ـ على أن لامرتين كان على رهافة موسيقية عالية ولهذا بدا "فنه اقرب الى الموسيقى منه إلى الذهن، عرف كيف يوصل مشاعره بسحر التركيب الموسيقي والايقاعي أكثر من ايصاله بقوة الأفكار وهو في هذا "يبشّر" برمزية بول رلين المرتكزة على الموسيقى" قبل كل شيء في الشعر". أي على التعبير الايحائي بكيميائية الكلمات والجمل والأحرف لخلق مناخ أكثر من تقديم وصف أو تفسير أو أفكار.
4 ـ وهو إلى كونه شاعر الموسيقى، فهو شاعر الصورة. وديوانه Les Meditations كأنه معرض صور، ذوبان بين الطبيعة والانسان الذي يتأملها.
والصورة عنده، مغتذية برهافة الايقاع، وسيولة التعبير، تبدو في أماكن كثيرة صورة مركبة، أو الأحرى صورة تثير الخيال، وتهز الذاكرة. طبعاً لم يصل في صورته الى مغامرة رمبو من حيث تشويش الحواس، وتقريب العناصر المتباعدة، بكيميائية لغوية غير مسبوقة. إلاّ انه مع هذا وقبل رمبو اعتمد الصورة (من استعارة، مجاز تشبيه) وكأنها منتزعة من عمق الغريزة او الأحرى من عمق اسرارالعلاقات الموصولة بين اطراف التعبير. شاعر الصورة لامارتين ، ولا ننسى انه وبتأثره براسين وبايرون وشاتو بريان، عرف كيف يستفيد منهم أحياناً لتجاوز العلاقة التفسيرية، أو الذهنية، في تراكيبه. لهذا فالصورة عنده لا سيما في رؤاه "Visions" تسبق الفكرة او تظللها أو تكسر نمطيتها. نقول هذا من دون أن نغفل أن الاستطرادات والتطويل والشرح أحياناً كثيرة، كانت تضعف الطاقة التصويرية وتبدد فاعليتها وتشتت قوتها.
فالصورة عنده تمشي وتتحرك وتنمو، انها أكثر من لوحة جامدة أو نقلاً فوتوغرافياً. فلامرتين ليس واقعياً كزولا أو حتى كفلوبير أو موباسان؛ وهو لا يضع حدوداً واضحة لصورته. فهو ليس كلاسيكياً، وهو لا ينقل بموضوعية ما يراه، يتحرك من علاقته الشعورية، من حالته النفسية، يرى بهما، ويسمع بهما؛ فالصورة نفسية عنده. حالة ربما لاواعية (وان كان عمقها اللاواعي غير مشتبك بحالات غامضة). ولهذا نجد لامرتين، كهيغو، يضع ملامح الصورة الطبيعية الأليفة والقريبة، وكذلك الصورة الملحمية التي تنتج احياناً عن "تفجر" في المخيلة، او عن تلاطم بين المجازات، حتى حدود التجريد. ونظن أن هذه الصورة التي تجمع في حميمياتها العلاقة الميسرة، إلاّ انها في تأملاته الدينية والميتافيزيقية والتاريخية (كما في Chute d'un Ange) تنطلق بطاقات دفينة، تعارض ما نقرأه في بعض الكتب الدينية لا سيما التوراة التي تأثر بها عميقاً.
اذ ليس دقيقاً القول إن لامرتين المستسلم للحالات والأخيلة، لم يَصنع كتابته. فهو، كما سبق أن قلنا، "صنّاع" ماهر، يخفي صنعته تحت قناع من العفوية بالطبع، لا نقول إنه يلتقي كثيراً البرناسيين من حيث الصرامة والوضوح، لكن، مع هذا لا تخلو لا صورته، ولا ايقاعاته، ولا تراكيبه من نسائج محبوكة، مشغولة، من دون، بالطبع، ان يقصد تأملاً ذهنياً أو نظرياً في التعابير اللغوية، او ينحو إلى نحتية او صناعة فيها "غلو ومبالغة". كأنه جمع بين العفوية الغنائية الرومانسية والتأملية الشمولية، والصوغ الشعري في اطار القصيدة الكلاسيكية. ولا نغفل هنا أن لامرتين حامل الارث الأغريقي والروماني والكلاسيكي الفرنسي لا سيما راسين. كما انه ومن خلال كتاباته المسرحية امتلك ذلك الحس الواعي بتدجين اللغة، وإن بدا انها تسترسل على سجيتها. على ان هذا التدجين النسبي، بالطبع لم يشأ شاعرنا أن يؤدي إلى غلبة الشكل على الحالة او الفكرة. انها لعبة دقيقة وصعبة وجدنا في عدد منها قصائد Les Meditations لا سيما في Le LAC وكذلك في عدد من قصائد les Harmonies من دون ان ننسى "Jotelyn" و"Les Visions" فمن الظلم تصوير لامرتين وكأنه كان مجرد متلق للحالة أو للفكرة، او مجرى صدى لهما، أو انه "مجرد"وعاء ترن فيه ايقاعات وكلمات وقواف هابطة من "الوحي" فحسب. ومن ناحية أخرى، فإن حتى انفلات مخيلته او جموحها لم يكن ايضاً حركة مجانية في فراغ، أو على تجريد، بقدر ما كانت طالعة من عمق الذات، ومن عمق التصور. وهذا جعل لامرتين يستخدم أخيلته هذه لتغذية رؤاه الشرقية. ومن هذا المنحى، فقد أثر لامرتين في فيكتور هيغو. فـ"La Ch?te d'un Ange" فتح الباب لهيغو ليكتب "La Legende" صحيح أن ثمة تفاوتاً في مستويات التعبير عنده لا سيما في La Ch?te d'un Ange حيث يترك العنان، وبنوع من "الكتابة الآلية" او الوحي المتدفق، لايقاعاته، ولاندفاعاته، ولانفعالاته ولمخيلته إلاّ ان الصحيح ايضاً ان لامرتين، وفي جانب آخر، عرف كيف يضع قصيدة مشدودة الى حد كبير، و"ثمرة عمل" ناجح وهذا ما نلمسه بقوة في "Choeur des C?dres du Liban".
نوع جديد
5 ـ واذا كان لنا ان نشير الى جديد آخر عند لامرتين، يضاف إلى ريادته في جعل الموسيقى الشعرية، من خلال كيميائية سرية وداخلية، تعبيراً ايحائياً غير مباشر (يفتح الطريق للرمزيين، وخصوصاَ لرلين أو فرانس جايمس كما سبق ان اشرنا)، والى مزجه بين الغنائي والتأملي والفلسفي والملحمي فيمكن القول، ومن خلال هذه العناصر وأخرى ابتكر لامرتين نوعاً جديداً غير مطروق أو مسبوق ويتمثل بـ "Les Meditations". نوع ديني أو فلسفي او تأملي. وسواء ذكرنا ذلك بديكارت أو (بوسيه) او حتى بولني Volney فان هذا لا ينفي ريادة لامرتين بابتكار هذا النوع الجديد.
فـ Les Harmonies هي ابداع لامرتيني: فلا هو Psaumes ولا Odes، ولا"cantique" ولكن كل هذا معاً.
وقد اشار لامرتين الى هذه الأمور. ولدى قراءتنا قصائده في "Harmonies" نجد انه استفاد من هذه الأنواع الشعرية أو الأدبية. وزاوج بينها وجعلها بينة خاصة بعدما كانت شكلاً عمومياً، وتقليدياً.
وقد اتاح له هذا التجديد في القديم ان ينتقل بنبراته من مستوى الى مستوى، ومن نغمة إلى نغمة، ومن مناخ إلى مناخ، من دون احداث فجوات ايقاعية لافتة أو حتى على صعيد المضمون. ردم التمايزات بين هذه الأنواع، وفتحها على بعضها، من دون أن يُقيد ذلك تجربته.
ونظن ان صوغ لامرتين من المواد والأشكال "القديمة" مبنى، او تشكيلات أو نبرات جديدة، يكاد يكون الميزة الأساسية التي صبغت تجربته. كل شيء قديم عنده، ومن هذا القديم نكتشف شيئاً جديداً، نضراً، حياً، وهذه الموهبة الاحيائية عند شاعرنا، تكاد تنسحب ايضاَ على مجمل سيرته الانسانية والدينية والسياسية والشعرية بالطبع مع استئناءات غير قليلة، كالملحمية مثلاً.
6 ـ فالملحمية عنده، وهو الشاعر الذاتي، الغنائي، الداخلي، لم يصبها ما اصاب تجاربه الأخرى. فلامرتين لم يعط "ملحمته" التي تأثر بكتابتها بالنموذج القديم، بنى جديدة، صحيح اننا نقرأ لديه في Visions (رؤى) وفي "Jocelyn" شطحات ملحمية عالية، وصوراً ومبتكرات ومناخات مرتفعة من الغلو والمبالغة، واشراك القوى الخفية والسرية والسماوية بالأعمال الانسانية، إلاّ انه لم يتجاوز تلك التخوم الموروثة، ولا الاشكال الموروثة من فيرجيل او من هوميروس.
فهو كهذين الشاعرين قسم ملحمته "La Ch?te d'un Ange" الى أناشيد، وقد عمد إلى تصوير بطل يتقمص على امتداد عصور عديدة من التاريخ، من التكوين الى الثورة. البطل الخارق الذي يعبر العصور، ويشهد على مجمل التحولات. ولو "دخلنا الى لعبة "La Ch?te d'un Ange" التفصيلية، اي إلى المادة المستخدمة، وكذلك الطرق، والاساليب لوجدناها تكتظ بكل ما هو مستنفد وتقليدي وبائد اللغة ،المقارنات المتبعة، المواقف، الاستعارات، التقطيع denombrements.......
فهو لم يتمكن من تجديد الصيغ القديمة بنفس جديد.
وقد تكون الاسباب متعددة. منها ان لامرتين شاعر ذاتي بامتياز. وقد تتطلب الملحمة في بعض جوانبها، مخيلة "جماعية" اوالأحرى شاعراً يقدر على اختراق الشخصيات في حدود موضوعية معقولة تماماً كما يفعل الروائي.
وقد رأينا انه في "Jocelyn" التي تقترب إلى حد من المناخ الملحمي، كتب رواية منظومة، تتخللها تأملات أو Paraboles .
لكن حتى في رواياته المشهورة كـ "Graziella" فان اللغة الغنائية الذاتية تطغى على بنية الرواية، فتحولها، إلى حد كبير إلى ما يشبه الشعرية المروية. فلامرتين يجود في تلك اللحظات الغنائية الذاتية المفتوحة على التأمل كما نجد في "Meditations" أو "Harmonies" أي القدرة على التجديد من خلال هذه الذاتية الصافية المتصلة بالرمانطيقية اصلاً.
لكن اذا كان لامرتين لم يسجّل اختراقاً في مجال التجديد الملحمي، فهذا لا يعني ان كل ما كتبه واقع في التقليد. اذ نجد مقاطع رائعة على امتداد اناشيده، يزاوج فيها بين الرشاقة الموسيقية، والتدفق الايقاعي، وبين الصورة التي تفتح أحياناً طرقاً على المدهش، والغريب. بل ويمكن القول إنه، وفي مقاطع، معينة، عرف كيف يدمغ لغته الملحمية ببصمات جديدة، نضرة. ونجد ذلك عندما يتخلى لامرتين عن قاعدة الاخلاص للبنى التقليدية وكذلك لطرائقها وتفاصيلها. اي عندما ينسى هوميروس وفرجيل. اي ايضاً عندما تتفجر لغته مع مخيلته. ومع صوره، ومع رؤاه، وخارج النمذجة، وخارج الاتباعية، اي عندما يكون لامرتين هو الكاتب وليس سواه.
على أن هذه الاستثناءات الخاصة عنده لا تصنع منه "مبتكراً" كبيراً على صعيد الملحمة. انها تنويعات خاصة في بنية قديمة طاغية، وتلوينات حية محكومة بقواعد جاهزة وناجزة. وهي طموحات شاعر ذاتي جداً يحاول أن يخرج من ذاتيته الى ما هو عمومي، وما هو "موضوعي" اي الانتقال من البوح الخصوصي الى السردية العمومية، والانتقال من لغة موروثة الى أخرى معاصرة. ونظن ان لامرتين لو تمكن من مقاربة المفهوم الملحمي القديم بنفس جديد، ومعاصر ومتصل بروح القرن التاسع عشر كما فعل فرجيل قبله وحتى دانتي في الكوميديا الالهية) لنجح في صوغ نموذج مبتكر، وصيغة متفردة في الملحمة. وعندها لا يضير شاعرنا أن يخرج على "الثوابت" الملحمية الاغريقية أو سواها ويقوم بتجربة ملحمية تنتمي الى عصره. فالتجديد الملحمي لا يتم عبر تبني القديم تبنياً كلياً. وانما في ان نفتح في القديم نفساً معاصراً. وشكلاً معاصراً، وعلى هذا الاساس يمكننا القول إن مفهوم الملحمة يتغير بتغير الأزمان، من حيث الشكل واللغة والبنية والمضامين. حتى ان "اصطلاح" "ملحمي" دخل ومنذ زمن طويل في قاموس الكتابات والفنون المتصلة بأنواع أخرى كالرواية والمسرح والسينما مكتسباً مواصفات جديدة. فالملحمي يعني في الرواية أحياناً المبالغة او تفجر المخيلة، أو "الحلم" او سطوة الاقدار (الآلهة) أو حتى في السير الشعبية أو التاريخية في مختلف الآداب العالمية، من "الف ليلة وليلة" إلى "سيرة عنترة" العربية... وفي الرواية يقال إن رواية جيمس جويس "يوليس" هي "ملحمة" معاصرة، ومسرح برشت "ملحمي" (على غير الشروط المعهودة) ... بل ويقال عن تجارب بول فاليري الشعرية (أحياناً) "بالملحمة الداخلية" كما في قصائد "Les Jeunes Parques" أو "Le Cim?tiere Marin"...
لكن السؤال: طبق اي قواعد اعتبرت ملحمية لامرتين هشة، او غيرمعبرة عن هذا الفن العريق، وفق النموذج الاغريقي؟ ام الانكليزي (ملتون) ام الايطالي (دانتي)؟ ان الحساسية في القرن التاسع عشر كانت ما تزال اسيرة الاتباعية التقليدية الموصوفة عند هوميروس مثلاً، واليوم، مثلاً، عندما نكرر الآراء التي قيلت في "رؤى" لامرتين، ألا نقع في نوع من اعتماد القواعد الجاهزة او الثابتة؟ هل يمكن ان نتناول اليوم هذه "الصيغة" الملحمية عند لامرتين بحساسية معاصرة؟ وعندها هل نبقي على المصطلح ام نعمد الى استبداله بمصطلح آخر؟ وهل يؤثر ذلك في حكمنا على تجربته هذه سلباً أم ايجاباً؟ وفق المعايير النقدية المبتذلة التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون؟
مخيلة
7 ـ واذا كان لامرتين، وبرغم التماعات ملحمية كثيرة عنده، لم ينتزع اعترافاً بقوته الملحمية اذا ما قيس بمن سبقه أو من جايله كفيكتور هيغو، إلاّ ان هذه الملحمية، اكتنزت مخيلة، وفضاءات انسانية وتاريخية واسطورية ودينية. لكن هذه المناخات الدينية التي امتلأت بها ملحمة "La Ch?te d'un Ange" مبثوثة، في مجمل شعره الى جانب شعر الحب والطبيعة. فالمثلث اللامرتيني قام بشكل رئيسي على الحب، الطبيعة والدين. ونرى ان هذه النزعة الايمانية عنده لها الحيز الواسع في ديوانه "Harmonies" (1830) والذي كان عنوانه "Psaumes modernes" . في هذه القصائد واخرى مبثوثة في تضاعيف نتاجه، نجد هذا الارتفاع الروحي الحار والصافي، المشوب او المخترق بكثير من القلق الديني والذي سيقوده عبر توسع غريزي وطبيعي الى هذا الشعر الملتهب الذي "يقدس" الحب كما "قدس" الطبيعة، وكل الكائنات ولا يخفى تأثر لامرتين في هذه القصائد بفينيلون Fenelon وجان جاك روسو وخصوصاً ببرنار دوسان بيار Bernard de Saint-Pierre وبشيء جديد من Chateau briand . لكن لامرتين عرف كيف يطبع كل ذلك بحساسيته الخاصة، في نفس تفيض بالوهم الابدي للجمال، المفتوح على محمل الحالات الايمانية التي تصل الى حدود الصورة". فقصائده ليست فقط تأملات "Meditationes" ولكن سمو تجعلنا نرتقي بطريقة طبيعية الى الجمال اللامتناهي والاقصى لله. فالعالم ليس سوى معبد ويعيش ويتكلم فيه الخالق الذي نراه في كل شيء في الغيمة التي تعبر، في العصور والروائح والانغام، في سحر الليل السري، في الصمت وفي الظلام:
Dans L'hymne de la nature
Seigneur, chaque creature
Forme ? son heure en mesure
un son du concert divin
هذا الانفتاح الشاسع لإيمانه، الذي يصل الى حد الصوفية، وحد الذوبان بالكائنات وبالخالق، انما يجيء من مفهومه الرحب للدين، بعيداً من التزمت، والتعصب والانغلاق والطقوسية.
وهذا مهم بالنسبة الينا، اليوم، في هذا الزمن الذي اغرقت فيه الاديان بنوع من الضيق، والتشدد والعنف والأصولية، والظلامية واعدام الآخر، ولهذا تبدو كاثوليكية لامرتين ابعد من النزاعات الارثوذكسية المتطرقة، وأبعد من الايديولوجيات التي ستسخر الدين للسياسة او للكراهية او للصراعات. كاثوليكية لا تبشرنا كما هي حال العديد من العصب الدينية، عندنا وفي العالم، لا بصراعات حضارات، ولا بصراع اديان، انها نوع من العبادة التي تذوب في الله وفي الكائنات وفي الطبيعة. بمعنى آخر، وبرغم الحروب الدينية والمذهبية التي عرفتها اوروبا سواء بين الكاثوليك والبروتستانت او بين المسيحية والاسلام، يبدو لامرتين متصالحاً مع كل الأديان الأخرى. فقوة ايمانه الكاثوليكي لا يستمده من اعدام الاديان الأخرى ونفيها وتكفيرها واحتقارها. على العكس تماماً، وقد انفتح على الدين الاسلامي وخصص مقاطع طويلة في "Les Visions" لدروز لبنان ومسلمي الشرق، وهو يلتقي في ذلك وبطريقة مختلفة، الشاعر الالماني غوته في ديوانه "الشرقي".
ونرى، انه وبصرف النظر عن الخط الذي حفره لامرتين للشعر الديني (الكاثوليكي) في الشعر الفرنسي، وكان من أبرز اصواته المعاصرين، بول كلوديل واندره فرينو وبيار جان جوف... وبصرف النظر عن الآثار المتبقية من تجربته الروحية ـ الدينية ، (وهي جزء اساسي اصلاً من الرومانطقية) فان ما يعنينا اليوم كثيراً عنده هذا الحس المدني في ايمانه، ولنقل الانساني الرفيع، اي هذه القوة الداخلية التي تجمع بين "الالتزام الروحي" المسيحي وبين التسامح، وبين اعتبار ان الدين حالة تاريخية معممة وشاملة وجامعة لا تفرق بين الأديان الأخرى وبينها. ونظن ان هذه النظرة الشفافة للكاثوليكية المنفتحة تجعل من شعر لامرتين الديني شعراً كونياً يدخل الى قلب كل انسان مهما كان انتسابه الديني أو المذهبي. هذه "الكونية" المتسامية في شعر لامرتين، والتي تضع الانسان محوراً أساسياً لها، تقدسه هنا بقدر ما تقدس الكائنات، باعتبارهم جزءاً من الكائن، هي ربما ما نحن نحتاج إليه اليوم، في هذا الزمن الذي يحاول بعضهم أن يسلع فيه "الدين" والمعتقد، كما سلَّع الايديولوجيا من قبل، ليجعل منه وسيلة للسيطرة السياسية أو حتى الاقتصادية، أو أداة للتفرقة العنصرية، وإشاعة الحقد، ونشر الحروب، وظواهر التقسيم والتفكك. المجتمعات البشرية، فلامرتين، بهذا المعنى، ليس فقط توحيدياً من حيث كاثوليكيته، بل أيضاً توحيدي من حيث اعتباره أن الأديان كلها تلتقي في جذر واحد، وربما في مصب واحد، شرط ألا تستخدم لقهر الانسان، أو لاضطهاده، أو لزرع الفتنة، واتباع الالغاء.
هذه الأمور التي تتصل بتجربة لامرتين الدينية تعنينا اليوم كثيراً، لنهتديها في هذا العالم الذي يستهلك فيه الايمان عند كثيرين كما تستهلك أي بضاعة "رائجة" أو قيد الترويج. فكأن الكاثوليكية المشرعة، تتخذ قيمتها السامية، من كونها ترافق مختلف "نشاطات" الروح عنده، وتختزن كل ما يحيط به، ومن الحب، الى الطبيعة، وصولاً الى السياسة، من حيث النظر إليها كممارسة فكرية ويومية ومادية لا تنفصل عن جوهر القيم الدينية. وهذا يعني أن هذه الدينية الطاغية عنده، ليست تماهياً بنصوص ثابتة وبحرفية مغلقة، يتحول فيها الانسان مجرد مترجم ببغائي أو أحادي لها، بقدر ما هي نوع من التحرر الفردي والذاتي في علاقة الشاعر بالأشياء. فالانتماء الديني عنده، الى قوته وتجذره، هو انتماء الى الحياة، وهو فعل وجود ينسحب على كل تفصيل من تفاصيل علاقة الانسان بالكائن. وعلاقة الانسان بالانسان، وعلاقة الانسان بالطبيعة، وحتى علاقة الطبيعة بالطبيعة. من هنا، يقترب هذا السمو وهذا الانخراط معاً، والى درجة من النشيد، والى قمم مرتفعة من الملحمية، ملحمية الداخل الخصبة، التي تهز الشاعر حتى آخر كلمة من كلماته.
هذا يعنينا كثيراً اليوم، بل ويتجاوز بكثير مجرد تناول نصوص لامرتين تناولاً نقدياً وأدبياً، والتساؤل عن قيمتها الفنية، أو تأثيراتها الجمالية، أو ما تبقى منها اليوم في بداية الألفية الثالثة. على هذا الأساس، يمكن، وبكثير من الثقة، والعرفان، إعادة الاعتبار لهذا الشاعر، من الجانب الشعري، وأيضاً من الجانب الانساني العميق، في مداه الديني والعاطفي والسياسي. بل يمكن القول ان استعادة روحية لامرتين باتت حاجة في هذا الزمن المشوب بالقسوة، والأحادية، وبافتعال صراعات عنصرية واثنية وخصوصاً دينية. بل ونحس، أن شاعر "Le Lac" موجود بين الهامشيين، من مؤمنين متفتحين، ومتصالحين مع قيم التسامح، واحترام الآخر، بكل ما تعنيه العبارة من تماه بجوهر الدين. فالمسألة، لا تكون اليوم ما إذا لامرتين ترك ارثاً كبيراً أم لم يترك، وإنما، ما الذي خلفه اليوم، ويساعدنا على مواجهة هذا الخراب الروحي (لا سيما الديني) الذي يعم العالم. وهذا يعنيني كثيراً كلبناني وكعربي عانى ما عانى من الحروب الطائفية التي توزعت على امتداد قرون في بلدي، باسم الدين وباسم القيم الدينية، والحقوق الدينية، والدين براء من هذه الحروب، ومن هذه الطائفية. بل ويعنيني كثيراً ما أراه عند لامرتين، كعربي عانى ويعاني اليوم من ملامح وقسمات لحروب عربية وغير عربية في منطقتنا، تقسم فيها الناس والبلدان على أسس مذهبية وعرقية وطائفية، كذريعة لتقسيم الأوطان فكأن العالم الذي قسمته النزاعات الايديولوجية والعرقية في القرن العشرين، من الشيوعية الى النازية الى الرأسمالية، ها هي نزاعات ايديولوجية من نوع آخر تمزقه اليوم باسم صراع الحضارات بين الاسلام والمسيحية، أو بين الاسلام والاسلام، أو بين المسيحية والمسيحية، أو بين أهل الشمال والجنوب.
ومن هنا تبزغ قامة لامرتين المتعالية بنظرتها الدينية فوق كل هذه الصراعات المفتعلة والمسيّسة. من هنا نجد ضرورة أن نجد في هذا الشاعر رائداً من رواد الروح والتسامح والقيم المتسامية والانفتاح والتآخي، كما نجد هذا الارتباط بين كاثوليكية ـ مسيحية إيمائية وبين القضايا الاجتماعية والسياسية. فالدين لا ينفصل عن المجتمع، وليس مجرد فعل تعبد أو صلاة، بقدر ما هو انخراط في آليات الانسان اليومية، ولهذا جمع لامرتين بين الدين والسياسة، الدين كرسالة روحية وكرسالة سياسية اجتماعية. فساهم بذلك بتعديل فكرة "التعالي" الديني عن المسائل الدنيوية. وإذا عرفنا أن لامرتين، منذ 1830 ولا سيما عام 1838، بدأ ينعطف على اليسار، والى الفكر الاشتراكي، نعرف كيف مزج هذه المعطيات الانسانية والاجتماعية والسياسية في ممارسة "مثالية". فقد خرج لامرتين من ذاتية الضيقة التي عبر عنها في (Les Meditations) و(Harmonies) الى (L'Imitation du Christ) أي يصبح معبراً عن الآلام الانسانية متمثلاً المسيح.
ونجد ذلك في: (Lettres a Felix Quillemandet) (1838):
فالشعر كما قال لامرتين في إحدى مقالاته "لن تكون رسالته الاجتماعية غنائية بالمعنى السائد لهذه الكلمة؛ سيكون الشعر هو (La raison chant?e) سيكون شعبياً كالدين والعقل والفلسفة.
هذا المفهوم نجده مجسداً في (Jocelyn) (1834) و(La Ch?te d'un Ange) (1838)، و(Les Recueillements) (1839).
على هذا الأساس، ومنذ هذه التحولات عنده، رأى لامرتين عكس بيئته المحافظة "أن البشرية تسير باستمرار". إنه قانون "التقدم". وبالنسبة لهذا التقدم تختار الارادة الالهية الطريق الذي يلائمه، والثورات واحدة منها. وعلى هذا الأساس فثورة 89 تحمل تقدماً بتطبيقها على المجتمع المدني فكرة مساواة النفوس المتجلية في المسيحية، وهو يرى أن "الديموقراطية ترجمة سياسية للمثال الانجيلي".
إذاً، حاول لامرتين جمع "الارادة الالهية" بتحولات المجتمع "الحتمية"، ساعياً الى ليبرالية جديدة، تحالف على أساسها، ومن منطلقات تطوره، مع النظام الجديد. على أنه وقبل وبعد انتخابه نائباً في Bergues، ومن Macon رفض الانتماء الى أي حزب باعتبار أنه يسكن "في السقف"، ليتجه أكثر فأكثر نحو اليسار حتى ثورة 1848، لتحقيق حلمه بـ"أدب اجتماعي". ورحلته الى الشرق: الى لبنان، وفلسطين، وتركيا وسوريا، تكشف أكثر فأكثر التوجه الجديد لفكره الديني، والسياسي.
8 ـ هذا الحس الديني المفتوح ـ لا ينفصل بجوهره كثيراً عن توجهات لامرتين السياسية، ولا عن سلوكه وأفكاره وأعماله. وإذا كان شاعرنا رأى في الدين تجربة روحية خالصة جعلته يقترب من الأديان الأخرى، من دون تزمت أو انغلاق، فإن حياته السياسية تصب في هذا الاتجاه الذي يجمع بين الفكرة الدينية وبين مداها السياسي والاجتماعي الطوبوي والعملي، من دون أن نغفل أن انتماءه الى طبقة النبلاء، والى عائلة مرموقة انحازت الى الملكية، وضد نابوليون الذي كان يعتبره والد لامرتين "مغتصباً" للسلطة، حدد كثيراً من خياراته المتصلة بالصراعات الفكرية والسياسية في تلك المرحلة. ولعل أهم ما يمكن ملاحظته في هذا الاطار عدم انفصال أفكار لامرتين لا عن حياته ولا عن أساليب عمله.
مقدمة لـ"مختارات من لامرتين" بالفرنسية صدر عن مؤسسة "البابطين للإبداع" في مؤتمر "لامرتين شوقي" الذي عقد في باريس. القصائد من اختيار واضع المقدمة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.