8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا يَرٍثُ الشهيدَ سوى الشهيد

الموتى هم الذين يقتلون الحياة. موتى الروح، والايمان والفكر والحواس. الموتى هم الذين يعيشون على قتل الآخرين. يقتاتون من لحومهم ليعيشوا. (فعيشهم من لحوم ميتة)، يشربون من دمهم ليحيوا. (حياتهم من دماء سفكوها). يلغون الآخرين لكي يشعروا بوجودهم، (فوجودهم ملغىً من إلغاء الآخرين).
الموتى يقتلون الحياة ليزدادوا موتاً. لتكثر ميتاتهم في نفوسهم. ويزدادوا جفافاً في تصحر سرائرهم. وعزلة. وحقداً. ليزدادوا حيوانية، ليصيروا مجرّد حيوانات وبهائم تحوّلت غرائزها وسائط للقتل والافتراس. والذين أعدموا حياة الشهيد بيار الجميّل، ريعان شباب مليء بالحيوية والحلم والطفولة، هم الموتى بامتياز. ذلك لأنهم، ومن فرط كرههم الحياة (ربما أي حياة!)، والطبيعة (أي طبيعة) إنما ينتقمون منها، ليؤكدوا فناءَهم. ذلك لأن هؤلاء، يزدادون، كل يوم انقراضاً (ولو كثروا) في أنفسهم الخاوية. انقرضوا عن ضمائرهم فتحوّلت مقابر آهلة بجثثهم. انقرضوا عن انسانيتهم فتحوّلت جيفاً مدفونة بنتنها. فمنذ قتلهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بهمجية الموتى، وبربرية الوحوش، ومنذ أزالوا النور عن عيني الرئيس الشهيد، بغرائزهم الظلامية، بدا أنهم يستمرون في لعب دور الموتى وإن في لباس الأحياء. قلنا يستمرون لأنهم، ومن خلال تاريخهم الدموي الطويل يؤكدون على ميتاتهم المتواصلة.
منذ كمال جنبلاط، والمفتي حسن خالد، والرئيس رينيه معوّض والشيخ صبحي الصالح، وصولاً الى سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني حتى الشهيد بيار الجميل، إنما يؤكد المجرمون، وبوعي ملوث، وبإرادة معدنية، وبعيون مطاطية، وبقلوب حجر، وبفكر موبوء، إنهم لا يعيشون ويستريحون، ويحسون بوجودهم وبسلطتهم، وبقوتهم، إلا عندما يقتلون. القتل، هنا، مرمى من مرامي تكوينهم. سبب من أسباب كينونتهم. دافع من دوافع بقائهم. إنهم الموتى بامتياز ينتجون الموت. إنهم الموتى يصنعون ما يشير إليهم، والى طبائعهم. والى سرائرهم، والى مظاهرهم، والى مكامن فرحهم الدامي. إذ كيف لا يفرح هذا الجنس من الحيوانات "البشرية" بالفرح إلا عندما ينتشي بدموع الآخرين. إذ كيف لا يطمئن هذا النوع الهمجي من الدواب إلا عندما يرعب سواه. وكيف لا يأمن هذا الصنف من الزواحف إلا عندما يهدد أمن الآخرين ومصائرهم. فكأن مصيرهم من إلغاء مصائر الآخرين. وكأن مستقبلهم من إعدام مستقبل الآخرين، الذين لا يريدون أن يشبهوهم بميتاتهم العريقة، ولا بخوافيهم الظلامية، ولا بكسورهم المسمومة. إنهم القتلة بامتياز. لكنهم القتلة الذين لا يكتفون بالقتل. القتلة الذين يجعلون من القتل فضاءهم "الضروري"، وسلائقهم "اللامعة"، إذ كيف لا يضيء القاتل إلا بالقتل. كأن ضوء القتل من شموسهم المطفأة. ومن صباحاتهم المزيفة. إذ يصبح العالم عندهم، أمكنة صافية، نقية، لممارسة طبائعهم القاتلة، بل كأن العالم ينقسم أحياناً الى قاتل مقتول، والى مقتول حي. الى مُعدِم معدوم، والى شهيد ينبض بكل أسباب الحياة. إلى معدوم موجود. والى موجود معدوم.
منذ ثلاثين عاماً واللبنانيون يعيشون مع القتلة. مع الموتى ـ القتلة. حتى امتلأت الذاكرة بالشهداء والدماء والضحايا. وها هو بيار الجميل آخر المقتولين الأحياء. آخر مواكب الشهداء. وفي ضوء النهار، والقتلة لا يرون في الضوء والنهار إلا وضوح الجريمة، سقط برصاص الكواتم هذه المرة. غيَّر المجرمون أساليبهم. والمجرم "عبقري" في استنباط وسائل قتله. متفوّق في ابتكار صنائع الاعدام. إذ أنه، وبتفوقه هذا يصنع موته باستمرار. يعلن موته باستمرار. فثقافة الموت التي يبنيها لبنة لبنة، وروحاً روحاً، إنما تبني نهايته. كل قاتل هو ميت بالقوة. ذلك ان هؤلاء القتلة ـ الموتى، يجهلون أنهم بآلاتهم الجهنمية، إنما يصنعون من دون أن يدروا ثقافة الحياة. وهم بضمائرهم السوداء إنما يفتحون أيضاً ومن دون أن يدروا درب الحق، والحقيقة، يوقظون لدى الآخر، وكل آخر مختلف عنهم في عداد لوائحهم السوداء، جذرَ الأمل، ويشعلون جذوة المقاومة، والمواجهة والشغف بالبقاء.
وعندما قتلوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري ظنوا أنهم قتلوا حياة، فإذا حيوات كثيرة تطلع من رماد حرائقهم، فإذا بحياة الرئيس الشهيد تتكاثر في موته، تتناسل في الملايين، ليهبوا، وينتفضوا، ويشقوا طريق الحرية، ويهدموا جدران الاستبداد، ويعلنوا من أقصى لبنان الى لبنان، شغفهم بالاستمرار، ويرسموا شارات الديموقراطية، ويحفروا في الهواء معالم التغيير. ولأن القتلة لا يفهمون. ولأن القتلة لا يفهمون سوى لغة القتل. ولأنهم يعالجون القتل بالقتل، والجريمة بالجريمة، فقد عمدوا الى قتل الشهداء، حاوي وقصير وتويني، لعلهم ينشرون الخوف، والرهبة والخضوع . وإذا كانت شعلة الحياة أضاءت بدم الحريري، فقد تغذت من دماء هؤلاء الشهداء. وكان للانتفاضة أن تكبر وتتجذر. وكان على القتلة أن يطفوا على دماء الآخرين وينتفخوا كالفَلّين والمطاط كالفقاعات والجثث، وترتد عليهم الدماء التي سفكوها. ذلك أن للدم جذوراً تنمو. واسعة. وسامقة. تصير تاريخاً. ومدناً. وأطفالاً. وناساً. وأحلاماً. ذلك أن للدم المهدَر صوتاً لا يستطيع أحد أن يصمّه، أو أن يسكته، أو يُخرسه. قالوا فلنسفك الدماء فنغرِق الحقيقة بدمها. فإذا بالحقيقة تنتفض مطالبة بإدانتهم. قالوا فلنهوِّل بالدم فتهرب المحكمة فإذا بالمحكمة تقص سماكة معادنهم وتلمع فوق رؤوسهم كالمقاصل. ذلك أن المجرم عندما يهذي بدم الآخرين إنما يهذي بدمه في النهاية. وقالوا فلنستمر بالقتل. فلعل الحكومة تفقد نصابها. وتسقط. وتسقط معها الحقيقة. وكان على مرماهم الشهيد الوزير بيار الجميّل. ولكن سقطوا هم (المجرمون) بالرصاص الذي أطلقوه. دوّى رصاصهم المكتوم كالعاصفة والرعد ونزلت مئات الألوف، من كل بقاع لبنان وأمكنته، لترد رصاصهم الى نحورهم، لترد استبدادهم الى استبدادهم، لترد قتلهم الى أرواحهم النجسة. نزلت جموع 14 آذار وكأنها تمشي بقوة دماء الشهداء الى ساحة الحرية. الى ساحات الحقيقة. وكل ساحة من ساحات لبنان باتت ساحة للحرية. وساحة لاستسقاء الحقيقة. أرهبوا. وأرهب معهم عملاؤهم، من "مؤمنين" دجّالين وزنادقة وكفرة وعملاء، ومن مأجورين، ليغطوا الأصابع التي ملأت البلاد بالدم. هوّل هؤلاء بحناجر أسيادهم. قالوا سنُخيف هؤلاء الضحايا. سنجبرهم على أن يبقوا مجرّد ضحايا. مجرّد قابلين بالأقدار التي نرسمها لهم بدمائهم، مجرّد موتى، مجرّد أشياء نصنعها كما نشاء. بإرهابنا، وشعاراتنا، وترويعنا. قالوا، وقول العملاء أخطر أحياناً من قول الأسياد، سنقتل أيضاً الأمكنة، سنحرقها. سنسقط العمران، ونخرب، فلعلَّ الضحايا يرتعدون. كادوا ينزلون. ونزلوا. وكأنهم لم ينزلوا. لم يعرفوا أن للأمكنة أيضاً جذوراً، وأن لها من يدافع عنها. وأنها، في النهاية، أمكنة للحياة. جزء من الحياة. إذاً، فلنحطّم ما بنوه وما عمّروه (قالوا) فلعلهم يرفعون أيديهم استسلاماً، ويتخلون عن الحقيقة، والمحكمة، ويكفرون بالعدالة ومَنْ يعدلون أو بالقضاء ومَنْ يقاضون، ولكن بدا أن لكل شيء جذوراً عالية وعميقة. بدا أن الناس ـ الضحايا، باتت الناس ـ الحياة، الناس ـ الأمكنة، الناس الرافضة، الناس المتمسكة بحقائقها الساطعة. وها هي "الحقائق" الساطعة تزحف على المدينة، ها هي الحقائق الساطعة تعلن نفسها، بقوة حريتها، وبقوة ديموقراطيتها، وبقوة تشوّقها لإحقاق الحق، وبدا من هذه الجموع المتدفقة (هذه الحقائق المعلَنة كالضوء)، وكأنما يرتفع في كل صوت من صوتها مقصلة لأعناق المجرمين، وفي كل نبرة من نبراتها يصيح دم الشهداء، وكأن من كل نظرة من نظراتها يلمع المستقبل بكل أبراجه وأحلامه وآماله. ذلك أن الأحياء يصنعون الحياة. نزلت "الحقائق" غزيرة ومكثارة من كل الأطراف والأقاصي، وكأنها تختزل في حقيقة واحدة: ان لبنان لأهله. وأن الحرية لأهلها. وأن الديموقراطية لأهلها. وأن العدالة حق. وأن القتلة موتى في أعماقهم الميتة. إنها رسالة الرسائل، نطقت بها أول أمس، تلك الجموع حاملة أعلامها بشغف ألوانها، وبشفافية أبيضها، وعمق أحمرها، وعراقة أرزتها. فلنكن مثل ألوان علمنا من الأحمر يطلع الأبيض. من الدم يطلع الأمل. ومن الأبيض يسيل الأحمر. ومن غصون الأرزة نعلن انتماءً يشبه ألفيتها، ورسوخها. كأن هذا التدفق المليوني كان أولاً وأخيراً فعل انتماء متجدد للوطن. وللأرض وللسيادة. وللحرية. وللعدالة. والمجتمع المدني، ذلك أن الوطن ليس تراباً فقط. ولا هواء فقط، ولا تاريخاً فقط. الى كل ذلك، هو أفكار، ومشاعر، وأحلام، ومشاريع. إذ أن وطناً يحوّله الاستبداديون الى مقبرة، والى سجن، ليس بوطن. وهذا ما يعني أنه لكي تكتمل مواصفاته، على أهليه، وبقوة لصوقهم به، تحطيم السجون، ونبش المقابر، وترسيخ معانيه الكبيرة، معاني الانسان، والسلم، والايمان بالآخر، وتعزيز التغيير، والعدالة. إذ كيف لمن يؤمن بوطنه أن يتواطأ ضد هذه القيم. كيف له أن يتواطأ مع "قيم" الظلامية، والقتل، والاستعباد، والظلم، والقهر. كيف له أن يتواطأ مع القتلة لطمس جرائمهم، والمستبدين لتغطية استبدادهم، والدكتاتوريين لتبرير دكتاتوريتهم، والعملاء ليسوغ عمالتهم.
إنه الانتماء المليء. الكبير. بكل حقائقه ومشاعره وأحلامه وأفكاره، انفجر أول من أمس، في الوداع المليوني للشهيد بيار الجميّل. إنه الانتماء الذي يتجذر كالأرض، ويشف كالهواء، ويسيل كالأنهر، ويكبر كالشجر، ويرسخ كالصخر، ويهدر بسنوات القهر؛ إنه الانتماء الذي رأيناه أول من أمس. وسمعناه، وأحسسناه. ولمسناه. وحلمناه. في عيون الشبان، والكهول، والأطفال، إنه الانتماء الذي يقاوم ثقافة الموت بالحياة. والسواد بالبياض. والخراب بالبناء. والاستبداد بالحرية. هو الذي يقابل القتلة ـ الموتى بأغلى من الحياة، والتضحية بأجمل الشهادة.
إنه الانتماء المليء الذي ملأ الساحات أول من أمس وكأنه يعلن، في تشييع آخر الشهداء؛ لا يرث الشهيد سوى الشهيد! لا ترث الحياة سوى الحياة... ولا يرث القتلة سوى الموت!
بيار الجميّل ورث كل الشهداء... وها نحن، نرثه كشهيد حي، بكل ما في الشهادة من معانٍ للحياة!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00