على امتداد ثلاثة عقود، أي على امتداد زمن الوصايات المتنوعة حتى الأخيرة منها كان الشارع اللبناني شبه مُقفل، إلا لعسس المخابرات والقوى الأمنية (الخارجية) ولِشهَرَة العصي والخناجر من أهل التقوى المخابراتي بحمده تعالى.
كان الشارع ممنوعاً، وخائفاً، وخطراً تستدعي النزول اليه "مواجهة" مع "حراسه". وبلطجيته، وكسر المحظور. ذلك كان في زمن الوصايات والاستبداد ومصادرة الحريات وقمع الديموقراطية وسيادة الارادة الخارجية والأصوات والقامات المستعارة!.
ترحلت الوصايات المباشرة. وبقيت الوصايات غير المباشرة بعد 14 آذار. وعاد الشارع إلى الناس. عاد مساحة لممارسة الديموقراطية المباشرة. بلا طبنجات، ولا هراوات، وبلا خوف. ولا رعب. ولا عنف. ولا قوة. ذلك ان عودة الشارع إلى الجميع تعني عودة حرية التعبير غير المشروطة (بالارتهان، لعنجر او للبوريفاج، لرستم غزالة، او لمن سبقه) تحرر الشارع اذاً وتدفقت اليه المظاهرات، من حشود 14 آذار المليونية إلى حشود 8 آذار (التصحيحية بامتياز!). فقلنا عال! ابشروا! ولكن ماذا يمكن ان يعني الشارع لأهل الديموقراطية غير استرداده كمكان مشروع وضروري حر لأهل الحرية. وماذا يمكن ان يعني الشارع لأهل الفاشية وورثة استبداد النظام العربي والأعجمي معاً، سوى اعادة هويته الارهابية الترويعية التي دمغته بها الوصاية المزدوجة.
فالشارع واحد، وللجميع، لكن لظاهرتين متناقضتين الأولى تعبِّر بالسلم عن المجتمع المدني، والثانية تحاول ان "تلغيه" في تحويله مكاناً يرهب المجتمع. ولنا في ذلك دلائل منها: الخروج إلى الشارع بعد برنامج "بسمات وطن" (وهو برنامج صبياني تعرض بطريقة قاسية وتافهة للشهيد رفيق الحريري في حياته، ولوليد جنبلاط ولسواهما).. الذي انتقد السيد حسن نصر الله: وكانت "غزوة" وكان جنون التكسير واحراق الدواليب والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة (وكأنها ملك آبائهم وأمهاتهم)، وكانت أولاً وأخيراً تعبيراً عن تربية كراهية للعمران والمظاهر الحضرية. اي تعبيراً عن حقد على المدينة وهويتها المتعددة. وكانت ايضاً التظاهرة التي توجهت الى "الإسكوا" وكانت غزوة اخرى (بحمده تعالى) على الاشرفية (كأن الاشرفية اسرائيل! يا للعار!). وكأن بيروت تل ابيب!. إذاً قدموا إلينا نموذجين تحذيريين أو "غزوتين إلهيتين" انذار شؤم، يبلغوننا إياه (اقصد اهل التقوى والورع والايمان المشبوب بنار الجنة والفراديس التي تجري من تحتها الانهار المحترقة وتطفو عليها القنابل والنبابيت والنيران، برافو). ولأنهم ارتكبوا ما ارتكبوا في الشارع انتقاماً منه، ومن الديموقراطية (اخبروني من يا ترى يؤمن بالديموقراطية من بتوع 8 آذار وهم ورثة الوصاية ورُسْتُمهم وحلفاء لحود وجوقته؟) ومن الناس والعمران (كل تاريخهم ومعهم الجنرالان الحليفان تدمير وتخريب وتهديم!) وكان علينا، نحن ابناء المجتمع المدني، ان نخاف على المدينة من وحشيتهم. نخاف على الشارع من أقدامهم السود، وعلى الهواء من اصواتهم (الأصداء) ـ المهددة، اي تماماً كما كنا نخاف من اسرائيل، من ان تدمر مدننا، وتشوه عمراننا، وتخرب جسورنا، وتقضي على انجازاتنا، بتنا نخاف أيضاً من ان يلعبوا اللعبة الاسرائيلية الارهابية التخريبية! هكذا بالضبط! إذاً كان علينا كما اعلن غربان الايمان وأبوام الوصايتين (المستعربة والمستعجمة) عن نياتهم الطاهرة غير الآدمية بالنزول إلى الشارع، ان نضع قلوبنا على أيدينا (تماما كما كنا نضعها قبل كل عدوان صهيوني علينا وعلى البنى التحتية والمرافق الحيوية! برافو) ولأنهم عرفوا اننا "بتنا" نخاف من "شارعهم" فقد استغلوا هذا "الخوف" ليمعنوا في تهديدهم، وفي وعيدهم، وقد فاتهم ان الناس لا تخافهم الا بمقدار قدرتهم على ارتكاب اعمال بربرية غير مسؤولة (خبرنا نماذج حضارية منها يمكن ان تضاف إلى نماذجهم الحضارية الأخرى في التعاطي مع ثلثي الشعب اللبناني!) لكن فات "بلطجية" الوصاية من سبايا الاستبداد، وبقايا الطغمة "الإلهية" السابقة (واللاحقة)، ان الشارع الذي يهددونه ببربريتهم يقابله الشارع الآخر صنو المجتمع المدني الذي اعاد ما اعاد من كرامة ورقي وصنو السيادة، والاستقلال، والعمران. الشارع الاستقلالي المضيء بشباب المستقبل، الحي بأفكار العروبة الشعبية (لا عروبة بعض الانظمة الدكتاتورية) الملون بآمال اللبنانيين بآتٍ افضل، لا يكونون فيه وقوداً دائماً لأطماع الآخرين، أو لحروبهم، أو لاهدافهم!
وفات بلطجية "الفاشيات" الإلهية ان تخوّف الناس منهم، يعني تحولهم من "آمال" مقاومة مضيئة إلى كوابيس تقض المضاجع. (تأملوا ان يتحول بعض الاحزاب الى بعبع. إلى شيطان ولو نطق باسم الملائكة والآلهة) ومن مواطنين مرتبطين بأهلهم وبأرضهم إلى مجرد مرتزقة تتدفق عليهم مليارات الدولارات (الحلال بالطبع) والاسلحة لا لتحرير الارض وقد تحررت (بفعل الحكومة السنيورية، الحكومة المقاومة فعلياً) وانما لتحرير الحرية من الحرية، والمقاومة من المقاومة، والسيادة من السيادة، والديموقراطية من الديموقراطية (فالمسألة في النهاية مسألة تحرير أليس كذلك. برافو؟) وأخيراً الشارع من مداه السلمي: هذا هو تخوّف الناس.
يعني ان الناس لا تخافهم (وجلّهم من أذلاّء الوصاية وجبنائها) وانما تخاف لامسؤوليتهم ورعونتهم وأكثر: عمالتهم المطلقة للخارج. وعبر هذه العمالة يمكن ان يفعلوا أي شيء لتنفيذ قرارات اسيادهم الخارجية، والناس باتت تعرف جيداً ان الحرب التي ارتُجلت بقرار الوصايتين، وعادت بالخراب والدمار والمآسي والتهجير والاحتلال الصهيوني، وتوجت بشعارات النصر وهالاته، انما كانت لرسالة مزدوجة داخلية: للقيام بانقلاب يستولي فيه هؤلاء المرتزقة على السلطة ليسلموها كأمانة للوصايتين، وخارجية لعرقلة انشاء المحكمة الدولية، والضغط في حكاية المفاعل النووي الإيراني! (ذكروا سمير القنطار ثم نسوا أنهم ذكروه! مسكين سمير القنطار)! ولأن الحرب برغم شعاراتها لم تؤدِّ الى مطلوبهم الانقلابي، فقد استمروا بالوتيرة ذاتها لكن بوجهة أخرى: استبدلوا اسرائيل كعدو، بالشعب اللبناني كعدو. واستبدلوا تل ابيب كعاصمة للعدو ببيروت كعاصمة ايضاً "لعدوهم" ويريدون تخريبها! وهاهم، ومنذ فترة، يُخَوِّنون ثلثي الشعب اللبناني ورموزه (ويمدحون رموز البنغو وبنك المدينة والفساد والخلوي والكازينو.. برافو! قل لي من تحالف اقل لك من انت وها أنتم!) واستبدلوا حكومة أولمرت بحكومة السنيورة، واستبدلوا أولمرت بالسنيورة! (فالمجاهدون يحتاجون دائماً إلى عدو لكي يستمروا في جهادهم الإلهي المقدس!).
وهكذا، وبكل طيبة خاطر وأريحية ايمانية، وبشعارات مضحكة، وبقسمات مأسوية (مضحكة ايضاً) وبقبضات مشهورة، وبأصوات معدنية، يريدون أن يواجهوا الشعب اللبناني، في الشارع، بعدما واجهوه في "مناراتهم" (المطفأة) وعلى الشاشات والمهرجانات والندوات والجرائد وفي الكواليس. يريدون بكل بساطة وعبر الشارع، ان يزرعوا الخوف في قلوب هذا الشعب الذي احتضنهم في العدوان الصهيوني الذي استجرّوه علينا، ولم يرف لهم جفن ولا أنف ولا زلعوم! لكي يترك لهم الشارع الذي حرره هذا الشعب ليتحول اداة ضغط عنيف لاطاحة الحكومة او للاستيلاء على قرارها عبر الثلث "المعطل" أو "المشارك" أو "الضامن" وهو فعلياً الثلث الذي يريد ان يعطل ثلثي الشعب وإرادته، وبرلمانه، وسلطته. إذاً ها هم يعبّئون من يريدون ان يعبئوا ليفرغوا الشارع من معناه الديموقراطي، والمدني والانساني والنضالي والحواري. فليحترق هذا الشارع بأهله وبعمرانه! كأنهم يقولون، وليحترق البلد كله. وليصر ما يصير حتى ولو أدى نزولهم السفلي إلى ما لا تحمد عقباه. حتى ولو إلى حرب بين "الشارعين"، المهم تنفيذ القرار الذي صدر عن الوصايتين بالسطو على الحكومة، لتعطيل انشاء المحكمة الدولية، وكرمى لعيون القتلة الذين اغتالوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري (وكم ادعوا حبه! وصداقته، هؤلاء الزنادقة!) وشهداء 14 آذار من سمير قصير إلى جورج حاوي وجبران تويني ومحاولة اغتيال مروان حمادة ومي الشدياق والياس المر...! اذاً فلنشغل ايماننا الدافئ باسمه "تعالى" لتغطية القتلة! ما ادفأ هذا الايمان الزاخر بالحق. وما أحرّه لدى المرتهنين! وما أكبره لدى صغار القوم الذين تورموا ذات يوم... وها هم ينفسون كبالونات مثقوبة! فهنيئاً لهم بهذا الايمان النقي الذي يستخدمونه، وبكل وقاحة، لتخريب وطنهم، وتهجير اهلهم، وضرب مقومات الدولة.. والتسول عند اعتاب الوصايات! فالوطن والناس وحتى الأقربون، منهم.. وسائل أو جسور يعبرونها إلى امكنة أخرى. وها هو الشارع بدلاً من ان يكون المساحة المضيئة للتنوع الحضاري والانساني والسياسي (والإيماني يا ساتر!) والنضالي وحتى الحواري، ها هو وبفضل بلطجيتهم وارتزاقيتهم، وفاشيتهم يتحول الى مكان يخيف. الى كابوس. لكن إذا كانوا صدّقوا أنهم نجحوا في إثارة مناخات الرعب والترويع في نفوس اللبنانيين، ليستفردوا بالشارع والتخريب وتعطيل الحياة، فيبدو أن تصديقهم هذا من باب الحسابات الخاطئة (تماماً كما كانت حساباتهم ومعطياتهم في الحرب المرتجلة مع إسرائيل)، ومن باب التورم، والنرجسية، والغرور والاستقواء بالخارج. فالناس هذه المرة، الى خوفها على البلد، قررت ألا تتركهم وحدهم في الساحة، يمرحون بزلاعيمهم وسبابهم وشتائمهم (الإلهية) وأسلحتهم، ووحشيتهم. فليكن الشارع الآخر هذه المرة هو الأبهى! هو الأنقى! هو الأسلم. ولينزل هؤلاء متى شاؤوا. فلينفذوا تهديدهم! وليقتحموا. وليحاصروا المباني الرسمية، ويطوّقوا المحال والأرزاق ويحتلوا الجسور (هل تذكرون المقاوم المستجد ميشال عون بعد المقاوم الأول في صفوف "الله" إميل لحود! فيا للمقاومَين الرائعَين اللذين لم يطلقا رصاصة واحدة على إسرائيل! فمبروك!). فلينزلوا وتكاد الناس هذه المرة، ناس 14 آذار، تترجّاهم أن انزلوا. "وفرجونا!" تفضلوا! إفعلوا ما تريدون أن تفعلوا! فالناس قد قرفت منهم. قرفت من هؤلاء الأجراء والمرتهنين الذين يهددونها، ويخوّنونها، ويزوّرون إرادتها. قرفت منهم. قرفت من قحتهم، وادعاءاتهم، وضاقت بأن يبقوا سيفاً مصلتاً فوق أعناقهم! ضاقت بوعيدهم! فلينزلوا. ونحن أيضاً سننزل. تقول الناس. فالشارع الذي تحرر بفضلنا، لن يصادروه! ولن يكون معبراً لعودة الوصاية، وتعطيل المحكمة، والاستيلاء على السلطة، ومقدراتها، وفرض نظام فاشي "إلهي" خبرناه لدى الوصايتين جيداً وتعلّمنا دروسه الدكتاتورية!
اليوم، جماعات 8 آذار أو فلول "الحركات التصحيحية!"، ودوغما الوصايتين، يقرعون طبول الحرب، ويتهيأون لاحتلال الشارع. وفي المقابل، أبناء ثورة الاستقلال، الذين عليهم أن يدافعوا عن حكومتهم المنبثقة من الإرادة الشعبية، ومن السيادة، ومن إنجازاتهم الديموقراطية، ومن عروبتهم (لا عروبة الاستبداد والسجون والقتل والنهب والعنف والقمع والتخلّف) ومن القيم الحضارية، ومن معاني الشارع الحر، والصحافة الحرة، (تأملوا أن هناك إعلاميين وصحافيين يرفضون الديموقراطية وحرية التعبير!)، ومن معاني لبنان مكان للتنوع، والانفتاح. أبناء ثورة الأرز (أم الصبي)، يجدون أنفسهم اليوم في الشارع الآخر الذي أعادوه الى الناس، ليدافعوا عن الحقيقة ويطالبوا بإحقاقها عبر إنشاء المحكمة الدولية، وليكرّسوا مسارهم اللبناني، المتحرر من كل تبعية خارجية، وليحولوا دون تحويل لبنان مرة أخرى ساحة لحروب الذين لا يحاربون لا على حدودهم، ولا في بلدانهم، بل عندنا!
أبناء 14 آذار مطالبون اليوم بأن يبرهنوا بأن الشارع هو للأحرار، ولأهل السيادة، والحرية... والديموقراطية، وليس للفاشيين الجدد منهم والقدامى... الفاشيين الآتين من عمق البربرية والجنون والعنف، والارتزاق المنمق بالإيمان العميق (يا ساتر)!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.