8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مؤتمر التشاور إلى أين؟

أن يكون حوار خارج المؤسسات بين أناس يمثلون المؤسسات، فهذا شيء غير مألوف. قد يكون "عظيماً" و"نبيلاً" و"زيادة الخير خير"، لكنه غير مألوف. فالمؤسسات التمثيلية (من برلمان الى حكومة الى لجان...) هي أقصى درجات الحوار الديموقراطي المباشر المنبثق من نظام برلماني صيغ بقوانين اتفق عليها الجميع. مع هذا فاللامألوف، وفي ظروف ما، ندرجه في باب المألوف.
أن يكون حوار وطويل ومفيد أثمر اتفاقات تمت بالإجماع بين أفرقاء الحوار، شيء جيد، يمكن اعتباره صحياً الى درجة الترف (في بلدان العالم الثالث)، والتخمة. لكن أن يتم الاتفاق الى طاولة الحوار، ومن ثم يُنقض الاتفاق الإجماعي من قبل بعض الموافقين، خارج الحوار، فهذا أمر غير مألوف، لا في الأعراف "الدنيوية"، ولا الالهية (ما دام الزمن الذي نعيش فيه بات زمناً إلهياً يجسده آلهة أولمبيون من درجات فاخرة)، ولا السياسية، ولا الخُلقية، ولا التكتيكية، ولا الاستراتيجية. فَلَحْسُ التواقيع والمواثيق، في عاداتنا وشيمنا شيء يفترض أنه دليل عدم ثقة...أن يكون حوار يعني أن أفرقاءه اجتمعوا بملء إراداتهم، من ضمن برنامج عمل أو نقاش، متفق عليه، ومن خلال ذهنية منفتحة، تؤمن بالاختلاف وحتى بالخلاف، وبالجدل وحتى بالجدلية، وبالمواقع وحتى التناقض. فأن يقوم حوار يعني بين أناس غير متفقين حول نقاط محددة، ويريدون أن يتفقوا بتسوية (السياسة فن التسوية).
عُقِد مؤتمر الحوار بين الأطراف المعلومة (ولا أقول مجهولة المصدر والهوية). وكان شيئاً رائعاً. معسولاً. طيباً. رحنا، وبرغم كل شيء، نكيل لأهله المديح، لطيبة سرائرهم، وعفويتهم، وصراحتهم، وجديتهم، وارتفاع منسوب المسؤولية لديهم، وانخفاض منسوب الازدواج والباطنية والنيات المفوفة. فما أحلاهم! اجتمعوا. وتدارسوا. وتجاوروا. وتضادوا. وصرّحوا. وتمادحوا. وتمالحوا. وكان كما نذكر (والذكرى جرح أحياناً) اتفاق على إنشاء المحكمة الدولية والقرار 1701,. وأمور أخرى لسنا نذكرها (احتراماً لذكراها). لقاءات متتابعة انعقدت بروح إيجابية ومن دون ضغوط مادية، أو "إشكالات". قلنا هذه هي "الوحدة الوطنية" فأبشروا. وحدة وطنية داخل حوار الذين يمثلون المواقع، تضاف الى وحدة وطنية تجسدت في الحكومة تضاف الى حوار في مجلس النواب، من دون أن ننسى وسائل الاعلام، والمنابر، والمجالس (بالأمانات). براو! ماذا نريد أكثر، بل هذا كثير على شعب خاض أكثر من عشر حروب في ظرف خمسة عشر عاماً. وها هو ينهض من الركام، ويحطم المتاريس، ويلتقي. فحزب الله يلتقي القوات. والقوات تلتقي ميشال عون. والكتائب تلتقي تيار المستقبل. وتيار المستقبل يلتقي أمل... رائع! هذه هي واحدة من الديموقراطيات المباشرة!
هذا كان يا ما كان. خطف حزب الله الجنديين الاسرائيليين وكان العدوان على لبنان. وكان ما كان من تدمير وتهجير وخراب وعودة العدو الصهيوني الى الجنوب مباشرة، والى حصار لبنان كله! كان النصر إذاً برغم كل هذه الكوارث مبيناً وساطعاً. فالهزيمة يمكن أن تكون نصراً دنيوياً وكذلك نصراً إلهياً. لكن، وفي هذه العاصفة الحربية، ونتائجها (15 مليار دولار من الخسائر في البنى التحتية وأكثر في الثقة بلبنان وأكثر في موجة الهجرة بين الشباب الى الخارج)، كان لأهل النصر، أن ينتصروا أولاً على اسرائيل. (ما زالت مزارع شبعا تحت الاحتلال!) بصمودهم، وكان أن يقاوموا ببسالة، والنتيجة (انتشار الجيش على الحدود ليحمي أرضه لا العدو) وانتشار اليونيفيل لتدعم الجيش. (وهذا لم يكن ضمن أجندة أهل النصر والظفر وعلى امتداد العقدين الأخيرين). قلنا عال! فأهل "النصر" لا بد أن يتصرفوا بشيم أهل النصر. والمروءة. والايمان. لا سيما وأن الشعب كل الشعب شكل الداعم لهم على امتداد الوطن، حاضناً المهجرين، مؤجلاً المساءلة والمناقشة وأسباب ارتجال الحروب واللماذا؟ والكيف. والمن. ومصادر قرار الحرب والتفرد. كل هذا أجَّله الناس المنكوبون وغير المنكوبين. وكان علينا أن ننتظر من أهل النصر والايمان أن يحييوا الشعب على الوحدة التي جسدها أثناء سعيهم الى النصر المبين والى الصمود والتصدي وتعزيز استراتيجية "الرعب المتوازن" الذي يمنع اسرائيل من الاعتداء على لبنان. ثم اعتدت، ثم دمرت. ثم جاءت واحتلت أجزاء كبيرة من الجنوب. وهذا مهم لأن الصمود كان بالمرصاد. صمود المقاومة. هناك. وهنا بالذات يمكن الكلام على ظفر عالٍ! فالحروب بنتائجها في الميادين. وليس فقط في الشجاعة والتشجيع والحمية. وكان علينا أن ننتظر إعلان الشعب كله النصر الذي منع العدو "من تحقيق أغراضه الدنيئة"، لكن فوجئنا بأن النصر يبشرنا به هذا الطرف العربي لينسبه الى نفسه وقد كان متفرجاً بنظارات مزدوجة، أو ذلك الطرف الأعجمي الذي لم يتورع عن مصادرة هذا النصر وقد كان متفرجاً بصراخه وجعجعته وتهديده (العدو). وطلعنا صفر الأيدي! فالنصر من الخارج وعاد الى الخارج. تمتع به أهل الصمود من خارج الحدودين. ونحن حرمنا من الاستمتاع به. إذ لا يحق لنا أن ننتصر. بل قدرنا العظيم أن نتلقى نتائج الهزائم. وأن نكون في خانة الخاسرين أو أقله في خانة المصفقين لبطولات الغير على أرضنا لكن عبرنا. براو! قلنا. معليش! فقد يساعد هذا النصر الذي حرم اسرائيل من الدخول الى الجنوب وحال دون تدميرها البنى التحتية، وحصارها الشامل علينا، قد يساعد على لم الشمل الذي التمَّ أثناء الحرب. أي يساعد على تأكيد الوحدة الوطنية التي جاءت هذه المرة من الشرائح الشعبية المختلفة. ومن احتضان اللبنانيين أهلهم المهجرين. (انها المرة السادسة التي يهجر فيها أهل الجنوب بسبب حروب النصر الخارجي المبين على امتداد الوصايات المتنوعة). وتالياً، يساعد على استعادة الحوار الذي استُعيد أصلاً أثناء العدوان من خلال تضامن كل الأطراف مع المقاومة والتضامن في الأيام الصعبة أليس هو أرقى أنواع الحوار؟ لكن يبدو أن النصر كان أكبر من أن يستوعبه عقل بشري لشدة ما في خرابه. وأكبر من أن يحمل أهليه على التواضع، وعلى الاعتراف بدور الآخرين، وما كابدوا. وما عانوا. وما تحمّلوا. (فالمنتصر العظيم ينسى آلام من تعاطفوا معه، ويتناسى دورهم!). مع هذا قلنا لا بد من أن يصحو المنتصر من نشوته (خصوصاً بعد استعادة مزارع شبعا... وربما الجولان مَنْ يدري)، ويلتفت الى الناس، الى الدولة، الى الحوار، والى الانخراط في المجتمع (فالحروب أحياناً تمنع أصحابها من الانخراط في المجتمع لانشغالها الدؤوب إما في التحرير أو في التصدي. عال!). وهنا بالذات كان علينا أن نزيح من بالنا أو بلبالنا أي شك في أن هذه الحرب كانت موجهة الى العدو بقدر ما كانت موجهة الى الداخل. بحيث تكون، ومن ثم النصر (كإعلان تسويقي) ذريعة لقلب الموازين السياسية والانقلاب على الديموقراطية، وخلخلة أسس الدولة، ودك ركائز الطائف! قلنا لا! لا يمكن لمنتصر جدي أن يستعمل الانتصار في غير سبيله. أو لاعتباره بطاقة للاستيلاء على السلطة، لكن يبدو أن شكوكنا كانت في "أماكنها" الصحيحة. فقرار الحرب كان من أهدافه، الانقلاب على الحكومة وتطييرها، لتعطيل انشاء المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري. قلنا كيف لمنتصر على عدو في مستوى العدو الصهيوني أن يتنازل إلى مستوى استغلال نصره (المبين والمستبين) لتغطية الجرائم. وقلنا أتكون الحرب الأخيرة وجهاً من وجوه هذا التواطؤ! وقلنا: ايدفع الشعب اللبناني ثمن كل هذه الحروب ليعرف انها قامت من أجل سواه. وبقرار من سواه. أيكون الشعب اللبناني مخدوعاً إلى هذه الدرجة. أسئلة ارتسمت في العيون وعلى الشفاه ثم في الأصوات. وكان على "المستنصر" المبين وفي موقعه كمستنصر مبين مع المستنصرين المبينين في نظام الوصاية الشقيق وفي نظام الوصاية غير الشقيق. ان يهددوا الشعب بمصيره اذا لم يخضع لمشيئتهم. الرئيس السوري هدد. وخامنئي هدد وصنف اللبنانيين (باعتباره لبنانياً صميماً من أيام أجدادنا الفينقيين!) بين مرشدين سمويين وبين عملاء وخونة للخارج باعتباره ليس من الخارج بل من صميم الداخل. على هؤلاء "المستنصرين" أن يقفوا في أعلى قمة من انتصارهم، وينقضوا كالكواسر على الحكومة! فجأة ارادوا تغييرها. انها المكان الوحيد الذي لم تصل اليه لا أيديهم ولا ارجلهم.
فعنده رئيس جمهورية طهور حتى العمالة، وعندهم باختيارهم رئيس مجلس نواب وبقي الحكومة، وعندها يكتمل عقد التسلط المثلث على الدولة، وعلى لبنان، ولو أدى ذلك إلى تقسيمه أو الى تفتيته. نحن المنتصرين على جثث الشعب اللبناني نريد السلطة كلها باسم الوحدة الوطنية. واذا لم تقبلوا ايها اللبنانيون فالويل لكم سنحطم انجازاتكم. وندمر اسواقكم. ونشردكم ونبددكم ونحرق محاصيلكم ونهجم بالخناجر والأسلحة على بيوتكم. ونفجّر مدارسكم ونشيع "أجمل" انواع الارهاب في صفوفكم! فانتظرونا بعد العيد! ونحن ننتظركم!
فتهيأوا لحربنا الالهية (من أجل الحكومة يا عين!) وانسوا الحوار، اي حوار ، فلا حوار، بيننا وبينكم ما دامت هذه الحكومة موجودة ومصممة على انشاء المحكمة الدولية.
فإما الحكومة واما المحكمة الدولية وإما لبنانكم. وهذا لن يضيرنا بشيء. فرموز اكثريتكم ايها اللبنانيون والذين يمثلون ثلثيكم هم خونة ومأجورون (ونحن اطهار أبرار).
فمن النصر الالهي الى هذا الاستنصار الدنيوي. من مقاومة العدو إلى مقاومة الدولة من اعتبار الصهاينة اعداء إلى اعتبار اللبنانيين اعداء، اذ لا بد من عدو ما لكي يستمر الجهاد، فما بالك اذا نجحت الحكومة في ارغام اسرائيل على الانسحاب بعدما اعادها النصر إلى داخل الحدود! والعدو بات بعيداً. اسرائيل تقريباً في اسرائيل. وازاء هذا "الواقع المريب" لا بد من استبدال عدو بعدو كشرط اساسي من شروط الوجود والاقامة والايمان ايضاً. فكيف يستقيم مثل هذا الايمان الصميم اذا لم يتوفر له عدو ولو من الأهل. ولو طال معظم الشعب اللبناني!
وكان على الرئيس بري، وبحسه الوطني التوحيدي، ولمحاولة لجم جنون الايمان المطعم بالتدمير والتخريب أن يعدنا "بعيدية" بعد العيد. وقلنا عال! فنبيه بري ربما قدر على إقناع المؤمنين باليوم والآخرة وبالشقيق القريب وبالآخر البعيد، ان يعودوا الى رشدهم! لكن بدا ان القرار الآتي من بلاد الشامين: الشام العربية، والشام الأعجمية حاسم ونافذ ولا سبيل الى رده: نريد حكومة وحدة وطنية بالقوة! نريد رأس السنيورة (ونبارك رأس أو مخيخ او ممخاخ اميل لحود الشاغر في كرسيه الشاغر).
وكان على الرئيس بري أن بجترح صيغة التشاور بدل الحوار (أين مقررات الحوار يا أهل الهوى والتقوى والور ع والصدق الالهي) ليحاول ما أمكنه بعد تصديهم لنداءاته بين الأفرقاء والتشاور هنا محدود يتجاوز الأمور الأساسية: المحكمة الدولية التي تم الاتفاق عليها، القرار 1701 ، رئاسة الجمهورية... أي البدء (وما اجمل العودة الدائمة إلى الصفر. فالصفر) من أمكنة أخرى: حكومة الوحدة الوطنية للاستيلاء على السلطة، وقانون الانتخابات.
قلنا عال! باركنا موافقتهم المباركة باذنه تعالى! وليذهب الحوار إلى الجحيم، (قلت الجحيم!) ومقرراته الاجماعية إلى الجحيم. وسياسة التوافق إلى الجحيم (هل تم اتخاذ قرار الحرب بالتوافق، براو!) فليؤجل على الأقل ما خططوا لتنفيذه لقلب الأوضاع بالقوة. فليؤجل قليلاً تفجيرهم الوضع، ومحاولتهم اشاعة الفوضى في البلاد (وكأنها ليست بلادهم!) عال! فليتشاوروا!
واذا كان مؤتمر حوار بكامله وببنوده "إنْلَحَس" أولن "يَنْلحس" لقاء التشاور.... بين فريق عيَّن اللبنانيين عدواً له... وآخر يحاول قدر الامكان تدارك الأمور.... باعتباره حقاً "ام الصبي"... لا قتلته! المهم أن يلتقوا.
وربما في اللقاء ما يبشر، ولو كنا على شبه يقين بأن القرار الذي اتخذ في الخارج قد اتخذ. وان الخطة الترويعية... آتية على أجنحة الملائكة... والأولياء والقديسين!
إذاً وداعاً يا مؤتمر الحوار. وداعاً يا حكومة. وداعاً يا مجلس النواب. وداعاً للديموقراطية... وأهلاً أهلاً بالحرية الوافدة من طلقات الانيرغا، والقنابل الصوتية، كمؤشرات ترويعية، وانذارات، من قبل أهل الصدق الايماني (!)، وأهل الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، في انتظار تنفيذ ما خططوا له في الخارج، ويحقق بحس وطني مسؤول.
مؤتمر التشاور، أهلاً.
مؤتمر التشاور، وداعاً!
لكن هذه المرة، والمؤمن لن يلدغ من الحجر مرتين، سيكون المنقلب (بإذنه تعالى) عليهم، اذا انقلبوا، وأي منقلب سينقلبون!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00