8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الندوة الفكرية على هامش مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (3)

أقيمت على هامش الندوة الفكرية في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الثامن عشر، ندوة حول المسرح العربي ولبنان، كمبادرة استثنائية من المهرجان لتحية لبنان الخارج من المأساة بعد الحرب العدوانية التي شنت عليه.
الندوة حول "المسرح ولبنان" جاءت في ثلاثة محاور الاول حول الدور التأسيسي للمسرح العربي في لبنان ومصر، والثاني حول "بلاغ المسرح اللبناني المعاصر"، والثالث حول المسرح الرحباني.
نختار هنا بعض ابرز المداخلات في هذا المحور وننشرها تباعاً.
* * *
في نهاية الخمسينات لم يكن تبلور في لبنان مسرح لبناني ذو تجارب مغايرة أو ذو تراكم يكرّسه. كانت بدايات مسرحية تخلو من الكاتب وتكاد تخلو من المخرج وتكاد تخلو من الممثل. كان المجال الأوسع لمسرحيات إذاعية يؤلفها أو يترجمها الأدباء والكتّاب والشعراء. والأغنية اللبنانية لم تكن في تلك المرحلة ذات خصوصية، أو ذات حضور. ربما الشعر في لبنان كان وحده يتقدّم، سواء الفصيح منه والمكتوب، أم العامي أو المحكي. هذه الحركة الشعرية المزدوجة، كانت تتحاور، وتتطوّر على تأسيس إرث طويل جمع شعراء كباراً كالأخطل الصغير وأمين نخلة وسعيد عقل وصلاح لبكي والياس أبي شبكة. لكن هذه المرحلة كانت تنبئ من ضمن الظروف الاجتماعية مسافة والسياسة والاقتصادية، بنهضة ثقافية شاملة (في هذا المناخ بدأ الرحبانيات عملهما في المسرح وفي الأغنية وفي الشعر). دخلا الى مجالات تكاد تكون شاغرة خصوصاً كما قلنا في المسرح. ولهذا كان عليهما أن يبحثا عن شكل يستوعب تدفقهما الموسيقي والشعري، خارج إطار الأغنية. وقد جاءت مهرجانات بعلبك الفرصة الذهبية لبداية تحقيق هذه التجارب لكن كيف يبدآن، ومن أين والى أين؟ وتالياً. ماذا يحققان: إنجازات موسيقية غنائية، أم إنجازات شعرية، أم إنجازات مسرحية. والسؤال يتكثف عندما نعرف أنهما حاولا تحقيق كل هذه الأمور مجتمعة في إطار المسرح. لكن أوجد هذا نوعاً من الصراع الذي لم يحسم بين الرحبانيين كشاعرين يريدان أن يساهما في حركة التجديد الشعرية خصوصاً في مستوى الأغنية. والرحبانيين كموسيقيين يريدان أن يحققا ثورة في مستوى الموسيقى العربية والأغنية العربية والرحبانيين كمسرحيين يريدان أن يؤسسا لشكل مسرحي يكون قادراً على احتواء هذه الانجازات. وإذا عرفنا أن الفولكلور الشعبي جزء من هذه اللعبة، نعرف أنه دخل أيضاً ضمن هذا الصراع. ليجعل النتاج الرحباني المسرحي يتأرجح بين السعي الى العرض المسرحي والاسترسال في ما هو استعراضي، في مستويات الديكور والملابس والرقص بشقيه الفولكلوري وغير الفولكلوري.
هذا الصراع بين عناصر التجربة الرحبانية يخفي في الواقع، صراعاً حاداً (لم يحسم أيضاً) بين محاولة المسرحة الى التوصل الى مسرح غنائي شامل وبين العناصر اللامسرحية التي تهدد هذه المسرحة في صميمها. لكن هذا الصراع يصل الى ذروته عندما يتقدم النجم أو المغني عنصراً أساسياً في العمل، كوديع الصافي ـ وصباح ـ ونصري شمس الدين ـ وجوزيف عازار ـ وملحم بركات ـ وخصوصاً نجمة التجربة الرحبانية الكبيرة فيروز فكيف كانت ملامح هذا الصراع وما هي الصيغة المسرحية التي توصل إليها الرحبانيان والتي أصبحت، كما سنرى، صيغة نموذجية ليس للمسرح الغنائي العربي فقط وإنما للمسرح الشعبي عموماً بذرواته وحضيضه.
على امتداد ربع قرن (أول عمل لهما أيام الحصاد 1957 ـ وآخر عمل مشترك وقّع باسمهما "الربيع السابع" 1982) قدّم الرحبانيان نحو خمس وعشرين مسرحية، أي مسرحية كل سنة تقريباً. هذه الكثافة في التقديم جعلتهما من ناحية يجدان في البحث عن "صيغتهما" لكنها من ناحية أخرى راكمت تجارب متشابهة خصوصاً في البدايات مما حال أحياناً كثيرة دون إيجاد مسافة لإجراء مراجعة نقدية مطهرة، لهذا النتاج الضخم. (أحياناً كانا يصنعان مسرحيتين في العام الواحد).
ضمن هذا النتاج المتراكم المنوّع، لكن ذو الوحدة العضوية من الصعب الكلام على مراحل حاسمة تشكل كسراً في ما بينها، أو ثورة على بعضها. يمكن الكلام على تهيؤات أو على محطات تأسيس ويمكن اعتبارها منطلقات بحث للرحبانيين عن لغتهما الموسيقية من ناحية وعن "صيغتهما" المسرحية من ناحية أخرى، ضمن اقتراب أكثر فأكثر من التناقضات السياسية والاجتماعية وامتداداً للتاريخية التي كانت تميّز الواقع اللبناني بعد مرحلة الاستقلال.
لكن إذا كان من الصعب الكلام على مراحل فاصلة في بنية العمل الرحباني، إلا أننا، يمكن، ربما اصطلاحاً مقاربة مرحلة أولى متكاملة الأجزاء والهواجس وهي الممتدة من "أيام الحصاد" الى "دواليب الهواء" (1965) مرحلة عشر سنوات تقريباً حاول فيها الرحبانيان تأسيس ثورتهما الموسيقية أولاً. والشعرية (على صعيد الأغنية) ثانياً، عبر ما يمكن أن نسميه جماليات المكان. هذه الفترة تشمل "أيام الحصاد" (1957) "موسم العز" (1960). "البعلبكية" (1961) "جسر القمر" (1962) و"دواليب الهواء" (1965) هذه المرحلة المهيئة كأنها محاولة لمسرحة المكان، اكتشاف جمالياته، غسل ذاكرته، تمجيدها. إنها الاقتراب من المكان وهي القرية اللبنانية والريف اللبناني، اقتراباً ملحمياً. بل ويمكن القول حاول فيها الرحبانيان تأسيسها لمسرحة هذا المكان. مسرحة فولكلوره. مسرحة حكاياته. الغرف من معجمه ومن أطره. وكأنه كتلة واحدة متموجة. لا شقوق فيها، والتناقضات "شكلية" إنه المكان السعيد بحصاده وشوكه ووعره وبنفسجه وعليقه وجباله وقمره وغيومه وثماره وزهره وحكاياته، وناسه الذين يشبهون مكانهم. مرحلة رومانسية، على مرحلة حنين وإحياء للمكان الذي بدا وكأنه مهدد بالتطوّر والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة الوافدة.
الرحبانيان في هذه المرحلة، كانا يحاولان اختراق أشكال جديدة في الكلمة الشعرية المغناة، تترافق مع أشكال وإيقاعات موسيقية جديدة. هكذا كانت أعمالهما في هذه الفترة ذريعة لتقديم هذه الانجازات في إطار مسرح غنائي، تنصهر فيه الجماليات الشعرية والموسيقية والفولكلورية على المسرحية، أي على البنية الشاملة التي تتمسرح فيها كل هذه العناصر. وإذا عرفنا أن مهرجانات بعلبك، قبل الرحبانيين كانت تقدّم "منوعات" لبنانية، أي عبارة عن لوحات فولكلورية غنائية راقصة، نفهم، كيف دمج الرحبانيان هذه المنوعات في أعمالهما اللاحقة، في مسرحهما أو إذا عرفنا أن مهرجانات بعلبك اكتسبت شعبية كبيرة، يمكن أن نفهم أبعاد هذا الدمج، والخلط، بين منوعات تبدأ بأغنيات أو برقصات وتنتهي باسكتش مروراً بالملابس الجميلة الفولكلورية وغير الفولكلورية هذه العناصر، أي الأغنية التي تأتي من خارج النص، والموسيقى القائمة بذاتها، والاسكتش المجاني، والرقصة التي لا تندمج بالمناخ الدرامي والملابس التي تخدم الاستعراضية بأناقتها وطرافتها وجماليتها إضافة بالطبع الى ما تمثل من لون محلي فولكلوري، جعلت المناخ الشعري الموسيقي الجمالي. والايقاع الراقص والملوّن تنتصر في مجموع هذه الأعمال. بمعنى آخر ان الانجاز الموسيقي الفذ الذي قدّمه الرحبانيان والتمثل وبالأغنية معاً، لم يكن دائماً أو غالباً إنجازاً موسيقياً درامياً. فالأغنية على روعتها بالأصوات المهمة التي قدمتها "كفيروز ـ وصباح ـ ووديع الصافي ـ ونصري شمس الدين ـ وجوزيف عازار" كانت، كأنها تسعى الى نفسها كبنية مستقلة، أي كجسم يلمع وحده، وسط التنويعات المقدمة كانت أغنية جديدة ساطعة، لكن ليس داخل السياق دائماً، تؤدى وتسمع خارجاً لنفسها جوهرة ثمينة خارج العقد. ونظن أن التحدي الذي واجهه الرحبانيان في تلك المرحلة كان تحدياً موسيقياً بالدرجة الأولى، ثم كان تحدياً شعرياً، فاللحن الرحباني، قد يكون درامياً في هذه الأغنية، لكن ليس من الضروري أن تكون هذه الدرامية ضمن السياق الخاص الذي تخضع له المسرحية، وهكذا بالنسبة الى الشعر سواء جاء في حوارية أو في قصيدة مغناة، يأتي أيضاً من خارج المناخ المطلوب، وهذا يتم في مستويات عدة:
1 ـ كانت الجمالية تميّز الشعر العامي أو المحكي اللبناني في تلك الفترة جمالية تقوم على الاهتمام بالشكل وبالايقاعات المرهفة. وباللقيات الشعرية الطريفة. وإن تم ذلك أحياناً على حساب المضمون. أو فلنقل ان هذه الجمالية كانت في بعض جوانبها شكلية. كأن نقول ان الشكل هو المضمون. هذا الاتجاه الصافي للجمالية الشعرية كان من رواده ميشال طراد ـ وسعيد عقل. وقد تأثر بهما الرحبانيان عميقاً. على أن هذه الجمالية كانت تصطدم أحياناً كثيراً بالسياق، أو بالبنية العامة للعمل أو بالدرامية، فتنفر لقوتها، وتعصى لجماليتها. الجمالية في الشعر أحياناً هي اللادرامية، خصوصاً عندما تخدم أغنية مطلقة، أو إيقاعاً مطلقاً، أو شكلية مطلقة، مثلاً، سعيد عقل في مسرحيتي "قدموس" وفي "بنت يفتاح" لحق أحياناً القصيدة كشاعر، ولم يلحق دائماً متطلبات العمل المسرحي ككاتب مسرحي أو كشاعر مسرحي. قد يكون كتب قصيدة حوارية بأصوات متعددة تقترب في سياقها من الدرامية، لكن هذه الحوارية بقيت الاطار الجمالي ـ الشعري، أكثر مما بقيت في الاطار المسرحي. أحمد شوقي لحق كذلك، وإن أقل من سعيد عقل، التدفق الغنائي الذي جرف المنحى المسرحي، وهدد البناء الدرامي واللغة الدرامية، والأمر ذاته بالنسبة الى عبد الرحمن الشرقاوي ـ وصلاح عبد الصبور وكثير من الشعراء الذين ظلوا في كتاباتهم ينتمون للشعر أكثر مما ينتمون للمسرح. وقد تكون مواصفات المسرح الشعري عموماً حتى اليوم.
2 ـ اتصال القصيدة أو المقطوعة بالعنصر الموسيقي. كان غالب الأحيان أقوى منه بالنسيج المسرحي. وهذا طبيعي بالنسبة الى فنانين يعلنان انتماءهما الأول للموسيقى وللشعر.
3 ـ هذه العلاقة كانت تجعل الرحبانيين أحياناً يلحقان كلمات الأغنية بإطار موسيقي سابق لها. أي أنهما كانا يتوصلان الى لحن ومن ثم يبحثان له عن كلمات، سواء في لحن موضوع أم في لحن مقتبس وهذا يتم بالطبع خارج البناء الدرامي المقترح. لهذا قد تأتي أغنية أو أغنيات عدة، في هذه المسرحية وتلك، مصادفة. وكان يمكن أن تتقدم في عمل آخر.
4 ـ كان الرحبانيان، من ضمن الهاجس التجديدي للتراث الشعري أو الموسيقي يضعان أغاني فولكلورية لبنانية، أو أخرى تراثية عربية، وكان عليهما أن ينوّعا بها عملهما المسرحي الموسمي، خصوصاً في هذه المرحلة التي اقتربت فيه أعمالهما من البيئة القروية أو الجبلية أو عموماً الفولكلورية.
5 ـ حتى كتابة الأغنية الدرامية (المختلفة الى حد في جوهرها عن كتابة الأغنية الجمالية وإن لم تنفصلا عندهما)، كانت دراميتها لذاتها، أحياناً كثيرة، تماماً كما هي الموسيقى التعبيرية التي تؤلف لأعمالهما والتي تحشر حشراً أحياناً في هذه المسرحية أو تلك أو تشطح لقوتها الخاصة.
6 ـ اشتراك ملحنين وشعراء في وضع أغان في هذه الأعمال "كفيلمون وهبة" و"سعيد عقل" كان يخدم الأغنية فنياً. والأغاني التي لحنها فيلمون لقيت شعبية واسعة، لكن هذا النجاح الشعبي لا يعني بالضرورة توظيفاً داخل منطق العمل ومتطلباته.
(لكن هذه المرحلة التأسيسية، رغم طابعها البحثي عن شكل أو عن صيغة لها حملت، في العمق ملامح المسرحية الرحبانية وقدمت أعمالاً، ورغم مجمل الملاحظات التي أشرنا إليها) تتسم بحس درامي عميق ذي بنية درامية عامة، تحاول، أن تلف مجمل هذه والسياق الواحد المبني على تتابع اللوحات أو المشاهد، وهناك نوع من الوحدة التأليفية الكتابية والموسيقية، وبشخصيات لها ملامح واضحة تحمل تناقضاتها وصراعاتها. كما نجد في "البعلبكية" (رغم أسطوريتها)، وفي "الليل والقنديل" وخصوصاً في "بياع الخواتم" التي كانت، في رأينا تتويجاً لهذه المرحلة التأسيسية على هذا الأساس ويمكن أن نجد في هذه المرحلة التأسيسية كل مكونات الصيغة الرحبانية، هذه المكوّنات التي ستبقى عناصر ثابتة في مسرحهما، رغم التطور الدرامي الذي سنشهده في الأعمال اللاحقة. ويمكن تلخيص هذه المكونات:
1 ـ الأغنية بوجهها الجمالي.
2 ـ الشعر بوجهيه الجمالي والدرامي.
3 ـ اعتماد اللوحات والمشاهد المتتابعة كمكونات للسياق.
4 ـ الاسكتش الذي لا يندرج دوماً في إطار العمل.
5 ـ العنصر الفولكلوري الذي يلازم عن ضرورة أو غير ضرورة تركيب العمل.
6 ـ عنصر التأليف الدرامي وإن مخترقاً بهذه العناصر.
7 ـ ديكورات جميلة تستخدم كمجرد ديكورات، ولا تكون دوماً، جزءا من الكتابة الدرامية.
8 ـ الرقص الفولكلوري يأتي عادة منفصلاً عن هذه الكتابة.
9 ـ الملابس، رغم اشارتها الى تعريف الشخصيات والى البيئة المحلية إلا أنها تقدم كأزياء جميلة، لا تنسجم بالضرورة، لا مع الديكورات ولا مع المناخ العام، أي أنها تبقى بعيداً من الايحاء الدرامي والدلالي.
10 ـ عنصر المغني الذي يتقدم بصفته الغنائية للجمهور "كصباح" و"وديع ا لصافي" و"نصري شمس الدين" وخصوصاً "فيروز" يبقى أحياناً عنصراً غنائياً فحسب.
11 ـ الاسقاطات السياسية وغيرالسياسية.
12 ـ المباشرة، والخطابية والوعظية أحياناً.
13 ـ الشغل على الممثلين لم يكن أساسياً.
إن مجمل هذه العناصر المكونة للشغل الرحباني تكررت في نتاجهما اللاحق كله، سواء جاء بعضها من داخل المسرحة، أم بقي خارجها. لكن هذه العناصر التي تشكل بنى، حاول الرحبانيان صهرها ودفعها، في اتجاهات أكثر درامية، و"أكثر التصاقاً بالنسيج المسرحي العام. واذا كانت تلك الفترة تمثل ما أسمينا محاولة مسرحة المكان. فإن فخر الدين (1966) تمثل إحدى الذروات المسرحية التي حملت معها كل هذه العناصر، ولكن تجاوزتها في بناء مسرحي ـ موسيقي غنائي يكاد يكون النموذج الأبرز للصيغة الرحبانية. بهذه المسرحية افتتح الرحبانيان أفقاً جديداً هو التاريخ. أي من محاولة مسرحة المكان "الفردوس الجميل ـ الشعرية" والخيبات والصراعات. بهذه المسرحية دخل الحس الفاجع (التراجيدي) المسرح الرحباني، ودخلت معه البنية المركبة للعمل في مستويات الشخصيات والسياق، التأليف الموسيقي الدرامي، حيث بلغ فيها الرحبانيان ملحمية عالية. ومن خلال هذه "الملحمية" التي تتضمن في ما تتضمن، أشكال الاسقاط على الواقع (وإن من موقع تمجيدي للتاريخ الخاص) واجه الرحبانيان قسوة الواقع وقدريته الطاغية. القدرية التي تجعل ارادات الناس والأبطال تصطدم بالحلم و"هالة والملك" (1967) و"جبال الصوان" و"بترا" وأخيراً "صيف 840" تندرج ضمن هذا الاطار التاريخي الذي يطل باسقاطاته على الواقع.
من الانفتاح على التاريخي هبط الرحبانيان الى المسرحة السياسية من مسرحة المكان السحري. الى مسرحة التاريخ الفاجع، الى مسرحة الواقع السياسي. وإذا عرفنا أن المرحلة التي خاض فيه الرحبانيان هذا النوع أي في بداية السبعينيات مرحلة من أخصب المراحل وأخطرها في لبنان وهي التي كانت تمهد للحرب، نعرف كم كان العبء ثقيلاً. في هذه المرحلة تقدم الرحبانيان بحس سياسي مرهف عبر أعمال كان أولها "الشخص" ومن ثم تتالت في "يعيش يعيش" و"لولو" و"المؤامرة مستمرة" و"الربيع السابع".
وإذا كانت المرحلة الأولى الممتدة من "أيام الحصاد" الى "دواليب الهوا" مرحلة منسجمة الى حد كبير من حيث مناخاتها وإيقاعاتها فهذه المرحلة الثانية الممتدة من "فخر الدين" الى "الربيع السابع" كانت متواترة فيها المواضيع وأشكال التناول، ارتباطاً بمتطلبات الواقع من جهة والحاحات التجديد في المستويات المسرحية والغنائية المختلفة. فمن المسرح التاريخي الى المسرح السياسي الى المسرح النقدي الى المسرح الجمالي، كان ثمة تواتر لا تتابع.
نتوقف عند هذه المرحلة من خلال ملاحظات عدة منها:
أ ـ احتفظ الرحبانيان بمجمل العناصر التي كونت أعمالهما في المرحلة الأولى. وهي عناصر أشرنا اليها سابقاً.
ب ـ الى الاحتفاظ بهذه العناصر كان ثمة تطهير لكثير من الاضافات غير المسرحية.
ج ـ بروز الاتجاه الملحمي في مسرحهما التاريخي خصوصاً في "فخر الدين" و"جبال الصوان".
د ـ بروز الاتجاه النقدي المباشر وغير المباشر ليصل في "لولو" الى حد الهجاء وإبراز الوجه المعتم (على حد تعبيرهما) في المجتمع في "لولو" إدانة شاملة للمجتمع. وهي المسرحة الأكثر سواداً.
هـ "تقدم المنحى الدرامي الشامل في أعمالها، ونضج الصيغة الرحبانية واهتمام أكبر بمحاولة المسرحة.
و ـ الأغنية والشعر والموسيقى باتت أكثر التصاقاً بمتطلبات العمل، لكنها لم تتخل عن منحاها الجمالي، واختباريتها الفنية. اللذين ميزا المرحلة الأولى.
ز ـ بقيت التجريبية مرتبطة بالأغنية والقصيدة، وبالموسيقى، ولم تطل الى الشكل المسرحي والعناصر المسرحية. وكأن المسرح بقي المكان الأمين لممارسة أو لتقديم هذه التجريبية في الموسيقى اللبنانية والعربية. ولهذا بقي المسرح ذريعة لتقديم هذه الاكتشافات الموسيقية والصوتية أكثر مما كان مجالاً لاكتشافات مسرحية أو أدائية. ولهذا ربما بقي المسرح الرحباني على هامش التجريبيات الطليعية التي عرفها المسرح اللبناني في بداية السبعينات مع مسرحيين تجريبيين كأنطوان ملتقى ومنير أبو دبس وريمون جبارة ويعقوب الشدراوي ونضال الأشقر وروجيه عساف. نقول هذا من دون أن نغفل أن تطور الهاجس المسرحي عند الرحبانيين من الصعب أن نفصله عن المناخ الطليعي الذي ساد المسرح اللبناني في تلك المرحلة فالمسرح الرحباني (ذو الصيغة الرحبانية). لم ينتم يوماً لا الى المسرح البرشتي ولا الى المسرح الغروتوفسكي ولا الى ستانسلافسكي ولا الى بيتر فايس ولا الى يونسكو ولا الى بيكيت... بالرغم من انفتاحه على تجارب مسرحية جديدة عديدة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00