8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حكاية جيش يعود إلى أهله!

وأخيراً عاد الجيش اللبناني الى الحدود الجنوبية من لبنان، بعدما استمرت "رحلة" العودة أكثر من أربعة عقود. نعم! أربعة عقود كانت حدود لبنان مع العدو الصهيوني بأيدٍ غير أيدي جيشه. رحلة من العذاب، والقهر، كان على الأطراف الداخلية، بمؤازرة أطراف خارجية، أن تمنع عودة الجيش الى حدوده. وعلى امتداد أربعة قرون، كان على جهات وقوى "خاصة" أن تتسلم مقادير الأمن والمواجهة هناك. وإذا كان الجيش اللبناني العنصر الأساسي في بنية الدولة، فكان يعني في إبعاده، إبعاد الدولة اللبنانية عن جزء أساسي من الوطن. ونتذكر اتفاق القاهرة المشؤوم حيث كرّس جزء من الجنوب "فتح لاند". أي الأرض الخاصة بمنظمة فتح. هكذا أرض مقتطعة عن الدولة، وعن السلطة، وعن القرار اللبناني. وكان على هذا الجيش، بعد تهجيره من هناك، أن يُستفرس، بقوى الأمر الواقع، الموزعة ولاءاتها على مرجعيات خارجية، ويُقسّم وتتقاسمه وأسلحته وناسه تلك الميليشيات الطائفية، ليكون للحرب على لبنان، وبكل المشاريع التقسيمية، أن تأخذ مداها، في ضرب الدولة، ومؤسساتها، ووحدتها.
فتقسيم الجيش يعني تقسيم الأرض والناس، وتعطيل أي إرادة موحدة، وربط القرارات الأساسية (بما فيها الحروب) بجهات من وراء الحدود، صار لها الكلمة الفصل داخل الحدود وعبر "حلفائها ـ عملائها".
طُيّف الجيش وقضي عليه. واستبيحت حدود الوطن. وأرضه، وهُجّر أهلوه، وانتشرت الفوضى. فالعمود الفقري انكسر وتعطل جسم البلد كله. وشلّ، وهكذا تصنع الحروب. الحروب الداخلية ذات الامتدادات الخارجية، والحروب الخارجية ذات الامتدادات الداخلية. وصار لكل من هذه الأطراف الداخلية ـ الخارجية جيوشها البديلة. وجنرالاتها البديلة. وأبطالها الجدد. فكل الجيوش الخارجية المموّهة بالميليشيات الطائفية المحلية موجودة، والجيش الوطني غائب، ليغيب معه الوطن، بجغرافيته وتاريخه ودولته. إذ كيف تحكم دولة بحكومة أو بنواب أو بمؤسسات إذا كانت بلا جيش. إذاً يحكم لبنان آخرون، آتون بكل الشعارات والصراعات، وكل في منطقة أو زاروب أو ساحة أو جبهة. معظمهم، عملاء الجهات الأربع. بميليشياتهم وجنونهم كانوا هناك، فاستبدوا، وعاثوا فساداً، وعمالة وقتلاً، وتمزيقاً بهذا البلد يميناً ويساراً، شرقاً وغرباً، وأسسوا لدويلات تشبههم. دويلات طائفية ومذهبية هي في الواقع محميات خارجية؛ من محميات عروبية، الى "غربية" الى شرقية فالى "اسرائيلية". فكل شيء مباح للدفاع عن "المجتمعات" الخصوصية، وعن الخصوصية الحضارية (الموهومة والزائفة) لهذه المجتمعات الطائفية. فالميليشيات السائبة الموتورة، المرتهنة أن تؤسس لأوطانها الصغيرة، فمن حدودها الصغيرة، وضمن كانتوناتها الكارتونية، في جنون الحروب، والمذابح، والقتل والنهب. إذاً وجود الميليشيات الخاصة لحماية المجتمعات الخصوصية المقتلعة قسراً عن نسيج الوطن، كان انتهاكاً خارجياً فاق كل التصوّرات، بواجهات ميلشيوية محلية، لتسبغ على هذه الانتهاكات صفة "الحرب الأهلية". ويكفي، في هذا الاطار، أن تنشئ أي سلطة خارجية موجودة في لبنان "ميليشيا" لها باسم لبناني، لكي تبرر استباحة هذه الجهات الخارجية للبنان، ويكون أداة "مقسّمة" لأهدافها، وورقة في سياساتها، ومعاركها وصراعاتها. فالزمن الميليشيوي هو زمن أن يبقى لبنان لغير اللبنانيين، على وقع الأناشيد "العروبية" (عروبة لبنان) والوطنية والشعب العنيد والعنفوان والكرامة. (الكرامة رافقت كشعار كل الذين تآمروا على لبنان. والمفارقة أن الذين فقدوا كل حس للكرامة يرفعونها شعاراً... بلا كرامة بحمده تعالى! وحمد قديسيه وأوليائه الأبرار آمين!).
امتداد حروب الأنظمة العربية الفاشية ومنظماتها على لبنان، كان، ولكي تكتمل فصول المؤامرة أن يكون الجيش خارج المعادلة. أن لا يكون هناك جيش. وتالياً أن لا يكون هناك دولة. ولا استقلال. ولا سيادة. ولا انتماء جامع.
وكان اتفاق القاهرة هو المفتتح عام 1973. وكان أن تآمر وتواطأ عندها، تحت الضغط أو طوعاً، المجلس النيابي الذي شرعن هذا الاتفاق، ما عدا ريمون إده وحزبه. الوحيد الذي كان يعرف أن هذا الاتفاق يعني دق أول مسمار في نعش الدولة ولبنان المستقل والسيادة! ويبدو أن اتفاق القاهرة، الذي سلّم الجنوب وحدوده للقرار الفتحاوي، استمر بعد رحيل المنظمات الفلسطينية عن لبنان عام 1982 تحت ضغط الغزو الاسرائيلي، وضغط النظام السوري الذي أدخل "لبنان لهذه الغاية بموافقة أميركا وسواها"...
واذا كان للمقاومة الوطنية ان تنشأ لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، (طردته من بيروت وواجهته في الجنوب بأعمال بطولية)، فلأن الدولة كانت ما تزال غائبة، بادواتها، ومصادرة، من الأمر الواقع.
ما زال الجيش غائباً. رحلت منظمة التحرير، واستبدلت المقاومة الوطنية بمقاومة اسلامية بقرار سوري ـ ايراني، فكان للجيش ان يجدد غيابه من تجديد "دم" المقاومة، من العلمانية الى المؤمنة!
ما زال الجيش غائباً. الجنوب في ايدي المقاومة. لها قرار الحرب والسلم، كان الأمر مع فتح وعرفات والمنظمات الموالية له.
تمَّ اتفاق الطائف. وفيه ان يبنى للبنان جيش قادر على الدفاع عنه، وعن حدوده. جاءت حكومات الطائف في ظل الوصاية السورية وبني الجيش. وصُرفت عليه المليارات، لكن مع هذا بقي خارج معادلة الدفاع عن الحدود وعن السيادة. حُوِّل، من قبل اهل الوصاية وباستراتيجية دفاعية مثلى، لا سيما مَنْ عَيَّن "جنرالاً" له وقائداً، الى الهوامش الاجتماعية، والسياسية، في قبضة القرارات الخارجية، والمخابرات. جيش موجود ولكن في الوقت نفسه من دون دوره الأساسي. أي وكأنه غير موجود. "أُفلِتَ كاداة قمع أحياناً للمعارضة، وُرِّط في الصراعات الداخلية. استتبع باجهزة الوصاية. ومن جديد جيش برأس لحودي مرهون. وجيش لا يبارح ثكنه، وجيش يقوم بادوار الصليب الأحمر، والأمن الداخلي، والاطفائية... والمناسبات الوطنية الاستعراضية! ذلك أن أهل الوصاية، ارادوا ان يكون الجيش على هذه الشاكلة، ليكون قرار الحرب والسلم، والحدود، والصراع مع اسرائيل في ايديهم. ومن جديد كان للجنوب ان يدفع (كجيش بلاده) ثمن القرارات والحروب... تهجيراً وتدميراً وقتلاً! إذاً، المقاومة الاسلامية في الجنوب. والجيش اللبناني في المدن. والحجة ان هذا الجيش اولاً، غير قادر على مواجهة العدو. ونحن نفهم ان هذا اللغز هو نتيجة لا مجرد سبب. نتيجة سياسة الوصاية في ابقاء الجيش هو الحلقة الأضعف ازاء المقاومة، ليقال أنه غير قادر... وضعيف! وكان من الطبيعي أن يكون جيشنا اضعف من المقاومة لأنه حرم التسلح، وحرم التجهيز، وحرم الدور. فبقدر ما كانت المقاومة تُمدّ بالأسلحة الصواريخ وتعزز بالمساعدات السورية والايرانية... كانت تحبس عن الجيش الوسائل والادوات التي تجعل منه جيشاً يتمتع بقدرات دفاعية على حدوده في الحدود الدنيا.
ثانياً، قيل، (وهذا سيندرج في باب النكات والطرائف!) ان الجيش اذا انتشر على حدوده، فهو يخرج على دوره. اي أنه يحمي الحدود الاسرائيلية من الحدود اللبنانية! فكيف نسمح لهذا الجيش الذي أسبغ عليه أهل الوصاية وعملاؤهم كل الصفات الوطنية، أن يحمي الجيش الاسرائيلي. باعتبار ان كل الجيوش الموجودة على حدودها في العالم تحمي أعداءها. (اذا فلتغادر كل هذه الجيوش حدودها لكي تلعب دوراً دفاعياً بغيابها! شيء سوريالي، واهبل، ) وكان على كل الذين يطالبون بانتشار الجيش على الحدود الجنوبية أن يتهموا بالعمالة لاسرائيل! ودأبت زلاعيم عملاء الوصايتين الجديدتين على ترويج هذه "الحقائق" الوطنية الساطعة!
وهكذا كان لاتفاق قاهرة جديد ان يستمر. من اتفاق الى اتفاق. وحامي هذه الاتفاقات كان أهل الوصاية. نزع كل دور للجيش، لابقاء الدولة وقراراتها في ايديهم. ولابقاء قرار الحرب والسلم في ايديهم!
وبقي الجنوب بلا جيش. في حضن مقاومته، لها القرار، ولها السيادة، ولها السلطة، ولها الأرض، ولها الحدود مع العدو، وعندما تم التحرير، واجبار العدو على الانسحاب، بقي الجنوب ايضاً بلا جيشه، وفي حضن مقاومته، بقي كل شيء على حاله بعد التحرير، وبقي الجيش على دوره، وحتى بعد خروج الوصاية بقي كل شيء على حاله بعد التحرير. وبقي الجيش على دوره، وتصاعدت لغة التخوين، وأصابت المطالبين بالترسيم (من يطالب بترسيم حدوده، يا للعهر!) وكذلك المطالبين بتسلم الجيش حدوده بعدما قامت المقاومة بمهمتها التحريرية! لكن مزارع شبعا وجدت لكي تبقى! حائرة بين لبنانيتها الأصلية، وبين رفض النظام السوري ترسيم الحدود. اذاً، فلتبق مزارع شبعا مسمار جحا! ولتبق المقاومة، تحت هذه الذريعة، مقاومة كل أرض شبه محررة، (ويبقى الجولان المحتل من دون مقاومة! برافو).
وبقي القرار، قرار الحرب والسلم، بعيداً من يد الدولة الاستقلالية الجديدة. وظلت المخاوف تستبد... الى أن كان 12 تموز! وكان خطف الجنديين الاسرائيليين وكان العدوان البربري على لبنان، كله، لا على حزب الله وحده. وكان لأهل الجنوب خصوصاً، ولكل اللبنانيين عموماً التهجير والخراب والتدمير والشهداء! الحرب صمد فيها حزب الله وأصاب اسرائيل باضرار جسيمة، لكن العدوان فاق كل حدود. والحصار أحاط بجهات لبنان الأربع. وربح حزب الله بصموده إنما بثمن لبناني باهظ وعميم.
عندها كان للقرار 1701 أن يصدر. وفيه أن ينتشر الجيش على حدوده، مع قوات اليونيفيل المعززة. وفجأة صار الجيش وطنياً وضرورة، ومقبولاً به على حدوده. عاد الجيش بعد رحلة دامت أربعة عقود الى جنوبه والى شماله أيضاً. فالحدود حدود. وعاد الجنوب الى حضن الدولة. وصلت أخيراً الدولة الى دولة الجنوب غير المعلنة. ومن واكب انتشار الجيش في جنوبه، وعاين الترحيب الحار الذي استقبله به أهل الجنوب، وتلك اللهفة الحارة، وذلك الفرح العارم، عرف كم كان أهلنا هناك، متعطشين لوجود جيشهم بينهم، يُعيد إليهم دولتهم، وأمنهم، واطمئنانهم، ومجتمعهم المدني، وتنوّع خياراتهم، وتعدد انتماءاتهم. عاد الجيش الى الجنوب بعدما هُجر 40 عاماً، وترافقت عودته مع عودة المهجرين الذين اعتادوا التهجير على امتداد 40 عاماً. إنه لقاء المهجرين بامتياز: الجيش المهجر من جنوبه، وأهل الجنوب المهجرين من جنوبهم!
فيا للقاء التاريخي المنتظر!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00