انتصر نجيب محفوظ على الموت مرات وانتصر عليه الموتُ مرة واحدة، وأخيرة. وهكذا كانت حياته انتصاراً على الواقع: الاجتماعي في بدايات القرن وأربعيناته وخمسيناته، بما حمل من تناقضات وجمود وتقاليد على النظام السياسي الناصري، بما حمل، في تضاعيفه، الكثير من الأخطاء والشعارات والعسكرة والقمع والأحادية والشمولية. فمحفوظ إبن حزب الوفد الليبرالي، ابن التعددية السياسية والثقافية وابن الأحلام الديموقراطية، التي كان يرى أنها تُؤسس ببطء ومن داخل إرادة الناس، ومن داخل صياغة التاريخ.
انتصر حتى عندما وجد نفسه في خانة "المهزومين" المفجوعين في أحلامهم، وفي النكسات التي عرفتها مصر والأمة العربية. كأنه، ومن باب المعايشة ومن الداخل كان في قلب الأحداث والتداعيات والظواهر، وعلى هامشها. عايشها، بصيرة تُسائل، وبعقلانية تنتقد، وبشفافية تنفذ إلى عمق المعضلات والأسئلة الكبرى والوقائع المتعاقبة. كل هذا رآه في رواياته وقصصه وكتاباته. رآه في الزقاق، وفي "الحتة" وفي المدينة وفي الحارة وفي الأمكنة. رآه واختزنه لأنه عايشه وجربه وخبره وعلمه واستوعبه في تاريخ طويل من التحولات والتبدلات. ارتد في بداياته الى التاريخ القديم فرواه كحكواتي مشوق وحيّ، وكمتدارك فذ. ثم ومن التاريخ الفرعوني وسواه إلى الخلفية غير المنظورة، وراء النوافذ والستر والعائلات والأحداث والشخصيات السائدة والهامشية. هذا ما وجدناه بكل عنفه ورغباته، في معماريته الروائية، التي اخترق بها مجاهل المجتمع المصري، (الأبوي آنئذٍ) ثم، و"بمكر" الكبار و(الرواية فن المكر الإبداعي)، تأمل، وتأمل وانتهك المحرمات والأسئلة المحظورة في "أولاد حارتنا" ثم توجه إلى ما قبل النكسة وما بعدها، بتداعياتها ومسبباتها وظواهرها "في حب تحت المطر" و"اللص والكلاب" و"ثرثرة فوق النيل" وبين هذه وما قبلها تفرع الى حكايات الأمكنة والناس "خان الخليلي" و"زقاق المدق" وهواجسهم وتلاوينهم وشخصياتهم وفجائعهم..
كل ذلك بحنو ما بعده حنو، وبإلفة الناظر أحياناً إلى غير المألوف. وبحدة الناظر بجوارحه وبعقله وبمبضعه وانقشاعه من دون الوقوع في ثنائية الشعارات أو الموروثات الميتافيزيقية والأيديولوجية التي تقسم العالم إلى أبيض وأسود.
رعى شخصياته، حتى الأقسى منها، برحابة رابطاً شروطها بشروط المجتمع، وآلياته وإلزاماته. وتخطى بذلك الزمن "المحافظ" التقليدي المتردد بين مفاهيمه الثنائية، وكذلك الزمن الأيديولوجي (ثورة يوليو) بشعاراته الثنائية الموزعة بين المخلص والخائن، بين الوطني والعميل، كذرائع لإلغاء الصوت الآخر. ومحفوظ كان الصوت الآخر بكل تشعباته. كان على الضفة الأخرى ينظر ويرى ويتكهن، ولا مباشرة ولا وعظ ولا إملاءات. فليتكلم الواقع كله في رواياته وقصصه، فليصعد هذا الواقع السفلي بكل جذوره، ومآلاته وبواطنه وتشعباته وغضاضاته وفجاجاته وتناكراته إلى السطح. فالرواية هي الجذر الذي يستمر في الضوء. روائي المرايا والنوافذ نجيب محفوظ. روائي الواقع وما بعده وما إليه. روائي الزمن بكل أضلاعه وزواياه، روائي الأمكنة بكل أزقتها، ومقاهيها، وحواريها، وأحيائها، وهامشيتها. هكذا، كان محفوظ، شاعر الرواية العربية في خلفية كتاباته. شاعر المكان، شاعر التحولات، مواظب، وبذلك "الهدوء العاصف"، وبذلك الصمت المكتنز، على مقارعة الواقع بأدواته، بجدرانه، وببلاطه، وشوارعه، وتقاليده، وأمراضه، واظب، وكأنه يعيش دائماً على حافة الأشياء، على حافة الأحداث، لذا فهو روائي على حد اللحظات الحاسمة. رواها، واستنبط منها ما استنبط، بلغة مفخخة، "ماكرة" تبدو كسطح البحيرات، وهي تعصف من الداخل، تعصف بقوة معطياتها. وبقوة هدوئها، وبقوة نفادها. كأن النفاد الى الواقع، وروايته بأدواته، يُعوّض كل أشكال الغموض، وكل الفصاحات، والبلاغيات، بل كأنه رَفَضَ أن تحل اللغة (باجتراحاتها الشكلانية) محل الواقع، وأن تحل الكتابة محل الشخصيات، والأسلوب محل الأمكنة، مع هذا كان عليه أن ينقل الواقع بروائحه، وبعبقه، الواقع الذي يتضمن لغته. وبها، يطل على ما فوقه، أو على ما تحته، بلا زخرفة، ولا سهولة، ولا ادعاء لا "طليعية" ولا "تقدمية". وهكذا بقي محفوظ خارج كل التصنيفات، والمدارس، والنظريات، إذ أن "نظرياته" في نصوصه، لا قبلها، وفي سياق لغته، لا بعدها، من دون أن يقع لا في التبسيط، ولا في التيسير، ولهذا، بدا محفوظ، روائي "المجاز" المخفي؛ ذلك المجاز الذي به، يواجه العالم بعقل نافذ، وببصيرة تنويرية "لاذعة"، وبحرية شاسعة. فلينظِّروا للرواية ما شاؤوا، فالنظرية قيد. وليقننوا ما شاؤوا، فالتقنين قتل لطزاجة المقاربة. وليجربوا بحسب الأفكار الجاهزة، فالتجريب يأتي من داخل الحالة والظرف والتاريخ، من داخل التجربة.
ذلك أن محفوظ، وبهذا الحس الروائي المفتوح، والحر، رصف معمارية روائية، ما بعدها معمارية في أدبنا. ويكاد يكون الوحيد الذي عرف كيف تطلع الرواية من الرواية، والقصة من القصة، والحكاية من الحكاية، لتشكل هرماً معمارياً، متماسكاً، وحياً، وراسخاً.
رحل محفوظ. ترك أمكنته. ومقاهيه. ومشواره اليومي، وسيجارته، وحرافيشه، وصعاليكه، وناسه، و"حتته"، ولقاءاته.. غادر ذلك الحضور اليومي الذي كان يشع على امتداد ما يقارب القرن على كل مكان ألفه... وعلى القاهرة التي عشقها، وعلى مصر التي لم يغادرها سوى مرة واحدة... وعلى كل العالم العربي والعالم.
كم هو غريب، وقاسٍ، أن تكون مصر، اليوم، من دون نجيب محفوظ.
أن نكون كلنا من دون نجيب محفوظ.
أن يكون العالم كله من دون نجيب محفوظ.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.