8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لبنان لٍمَن؟

عندما يكون هناك بلد اسمه لبنان، معترف به إقليمياً ودولياً، وبوجوده وبحدوده وبتاريخه فمن الطبيعي أن يكون المقيمون فيه وساكنوه منتسبين إليه، أي أن يكونوا لبنانيين يقيمون في وطن اسمه لبنان. ومن المفترض، في هذه الحال الطبيعية، أن يكون هذا "اللبنان" للبنانيين. تماماً كما يفترض أن سوريا هي للسوريين، ومصر للمصريين والصومال للصوماليين وفرنسا للفرنسيين... فهذا حق طبيعي يسري أيضاً على الطبيعة، والاشجار والثمار والجبال. فنقول بما أن هذه الجبال موجودة في لبنان فهي لبنانية وللبنانيين.
وكذلك الأنهر... والينابيع والأشجار والحجارة وصولاً إلي البشر. ويعني ذلك، ومن باب الحق الطبيعي والتشريعي أن يكون اللبنانيون المنتسبون إلى لبنان، ينتمون اليه، ويحكمونه ويقررون مصيره من دون أن يتدخل غير اللبنانيين بقراره وبحكمه.
وهذا حق طبيعي مكرس، ومعترف به. اذ من غير الطبيعي أن يكون لبنان لغير اللبنانيين، وأن يكون اللبنانيون لغير لبنان. فهذا حق طبيعي مكرس، ومعترف به قانونياً ودستورياً وأممياً. إذ إنه من غير الطبيعي ان يكون اللبنانيون في لبنان ويحكمهم ناس من غير اللبنانيين، إذ يفترض أن عليهم أن يحكموا بلداً ينتسبون اليه، غير لبنان. اذاً، اللبنانيون يحكمون لبنان ويقررون مصيره، والسوريون يحكمون سوريا ويقررون مصيرها، والمصريون يحكمون مصر ويقررون مصيرها... وهذا لعمري حق طبيعي، اذا انتُزع، يعتبر إما اغتصاباً، او انتهاكاً واستباحاً، أو احتلالاً أو تزويراً، أو خيانة... الخ.
ذلك أن لبنان، منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيه لبنانيون، ينتسبون اليه، ولا يحكمونه ولا يقررون مصيره، غير اللبنانيين هم الذين يتولون هذه المهمة. وهذا يعني أن اللبنانيين "شرعاً" غير موجودين في لبنان، إلا بالقوة: يمكن أن يكونوا وُجدوا ذات يوم... مضى، ويمكن ان يكونوا سينوجدون في يوم... سيأتي، اما في الوقت المسترهن والوقت المسترهن عمره أكثر من ثلاثة عقود، فهو، في لبنان ولكن لغير اللبنانيين وهذا لعمري، (وبالإذن من المرحوم رشيد كرامي) مفارقة وأمر عجب. وهذا، وليت شعري، أمرٌ بات من شدة تكراره، وديمومته هو الأمر الطبيعي والمألوف والشرعي وعكسه هو الغريب، ابن الغربة والاغتراب والاستلاب.
ذلك أنه على امتداد المرحلة السابقة كان على أي طائفة (كريمة مستكرمة، وطوائفنا كلها كريمة مستكرمة مكرمة) ومن أجل أن تحافظ على امتيازاتها وتكتسب امتيازات أو تمايزات جديدة تجعل لبنان في خدمتها، بدلاً من أن تجعل نفسها في خدمة لبنان. وعلى هذا الاساس يكون من حقها المشروع، ومن أجل أهدافها الاستقلالية(!) بالطبع، وكرامتها! (التي من كرامة الشعب اللبناني) أن تستجلب، في صفقة مريبة، قوة خارجية تستقوي بها على الطوائف الأخرى. تدخل هذه القوة، وتحت شعار حماية هذه الطائفة وتتحكم بلبنان، فلا الطائفة الكريمة تحكم،. ولا تقرر. بل القوة الخارجية التي استجلبتها هي التي تحكم. وهكذا دواليك: الطائفة الأخرى تكتسب بحسها العميق أن حقوقها مهددة فتستجلب دولة أخرى تُعينها على الطوائف الأخرى... فتكون حرب وصراعات وتدمير وتهجير تحت شعار استعادة حقوق الطائفة الكريمة السليبة، على الوطن السليب. اذ لا يهم أن يُسلب الوطن بقدر ما يهم أن تسلب الطائفة في محاصصتها، وسلطتها ونفوذها... وهكذا. وبالتواتر، كان لأكثر من طائفة دولتها الخارجية داخل لبنان، تنتسب اليها وتفزع اليها، في مقارعتها الطوائف الأخرى. هكذا كان الأمر في السبعينات، عندما كان لكل العالم ان يكون في لبنان، تحت ستار حماية هذه الطائفة او تلك في وجه الطائفة الأخرى من ياسر عرفات ومنظماته، وحافظ الأسد ومنظماته وجيوشه، وكذلك لاسرائيل وأميركا وصدام حسين والقذافي ومرجعيات أخرى... اذاً، كان لكل الصراعات غير اللبنانية، أن تُلبنن على أرض لبنان، بفعل استعارة واجهات لبنانية لهذه الصراعات العربية والدولية.
وهكذا كان لاحزاب "مسيحية" مثلاً أن "تستسقي" مروءة حافظ الأسد (باتفاق الجميع مع الأميركان) لانقاذها من منظمة التحرير. فكان أن تعاضد السوريون وتلك الأحزاب لاسقاط تل الزعتر تحت شعار "لبنان الكرامة والشعب العنيد". وكان على الحركة الوطنية والأحزاب القومية، وجزء من المسلمين، ان يستسقوا منظمة التحرير التي بعدما صفيت في أيلول الأسود قدمت الى ظهرانينا لتحرير فلسطين باسم المسلمين والوطنيين اللبنانيين. وعبر مقاومة السوريين، في معارك وحروب عديدة. وكان للبنانيين في كل هذه الأمور والأحوال "الاستسقاء" و"الاستصراخ" وللآخرين السلطة وقرارات الحروب، نحن ستار كاذب اسمه "الحرب الأهلية" وكان ومن هذا القبيل ومن باب كما تراني يا جميل أراك أن تتحول التحالفات وتتغير: فيمضي بعض الأحزاب "المسيحية" الى اسرائيل لتنجدهم على السوريين (الذين دخلوا بقرار أميركي) وعلى الفلسطينيين الذين ينتهكون "الكرامة" و"السيادة" ليدخل عندها "جيش الخلاص" الاسرائيلي العدو لانقاذ لبنان من الارهاب الفلسطيني و"يستعيد" باحتلاله كرامتنا ويصل الى بيروت. واحتل جزءاً من الجنوب والبقاع الغربي . سوريا فوجئت بتخطي اسرائيل الـ 40 كلم من الحدود اللبنانية... وصولاً الى العاصمة (لماذا) يا للهول! (هذا خرق للمواثيق وللعهود وشارون لا يعرف لا المواثيق ولا العهود... ولو سرية إلى ابعد حدود السرية. عندها ، كان على المقاومة الوطنية ان تبدأ وتطرد العدو من بيروت، وكان لبشير الجميل أن يأتي رئيساً... ثم يُقتل ثم كان ان قامت الثورة الايرانية في بلاد بني ساسان. فاذا بضيف جديد يزورنا ويدخل في المعادلة. فهو يريد ايضا وما حدا أحسن من حدا، وبما أن المسألة طائفية، ولكل طائفة رسنها البراني، فلماذا لا يكون الضيف الساساني هو الحريص الجديد. وهكذا كان لبعض الفئات الشيعية ان ترى في هذه الثورة المتشيعة، ما يرفدها، ويعززها بعدما حُرمت طويلاً من رديف قريب، او بعيد. وكان عليها أن ترى في الشقيقة سوريا، المتكأ "العربي" الصميم، ليكون المعبر إلى البلد الشقيق حديثاً اذ عندنا مولود شقيق جديد في إيران. فأهلاً به، وعندها، كان لهما أن يقلبا الموازين: فبدلاً من مقاومة علمانية تحارب اسرائيل، فلتحتل محلها مقاومة اسلامية تقوم بالمهمة، على انقاض الحركة الوطنية (الموالية لعرفات) والمقاومة الوطنية. فالمقاومة أولى بالمؤمنين. ومن سواهم يقاوم اسرائيل بالايمان والتقوى والجنة... والاستشهاد، وكان للثنائي السوري ـ الايراني ان يحاول تصفية الارث العروبي، من ناصرية وقومية، والارث اليساري (من شيوعيين ومنظمة عمل شيوعي) لكي يصفو "عرق" المقاومة، وتالياً لكي يصفو الصراع الطائفي في لبنان، ويتصفى من كل شائبة سياسية او ايديولوجية او علمانية او ديموقراطية... فيكون للبنان صراعه الطائفي الخالص ولتوضع الطوائف كلها في مواجهة بعضها أمام المنقذ السوري من الضلال والخراب والتقاتل... وليكون الفصل حاسماً بين المسلمين والمسيحيين، على غير تقاطع أو تلاق إلا بإذن "المنقذ" والمخلّص السوري، وبحسب رغباته وحساباته ومصالحه، وما يخدم بقاءه "الأبدي" على أرض الارز والزيتون..
اذاً، عندنا اسرائيل في الجنوب والبقاع، وما تستدعيه من مقاومة اسلامية. وعندنا في الداخل طوائف مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة. اما بسوريا أو بسواها كالعراق، من خلال الصراع البعثي المظفر على لبنان.
وعندنا ارض بلا هُوية. وشعب بلا قرار. وتهديد بحروب أهلية. واستباحة وعندنا وصاية ولا كالوصايات تعززها قوة من 40 ألف جندي، وتعززها مقاومة باسلة في الجنوب يتبادلان الدعم بعيداً من ارض المعركة الأخرى: الجولان. فالوصاية لا تنسحب، لكي تمنع هجوم الطوائف كل الطوائف. والمقاومة مستمرة لاخراج اسرائيل، سوريا تمسك بالزمام بعدما صفت أو أضعفت الأحزاب والقيادات المارونية والسنية واليسارية. والمقاومة صافية في جهادها الصافي، وكان على الشهيد رفيق الحريري ان يأتي إلى هذه المعمعة. وكان له أن يُعمر ويبني في ظل الوصاية وكان عليه أن يتعامل مع الدولة، انطلاقاً من اتفاق الطائف. وكان على أهل الوصاية، الذين تظاهروا بقبول الطائف، ان يخونوا سراً (وعلناً) من يطالب بتطبيقه، وأن ينتهكوا الدستور والقضاء والعدالة والاقتصاد، ويقيموا لبنة لبنة. حكماً مخابراتياً، (عضومياً)، استخدموا لارسائه المؤسسات الأمنية كلها. وكان للجيش أن يستعيد رمقه ويبنى، ولكن بشرط أن يبقى الأضعف بين المقاومة وجيش الوصاية، بحيث أما أن يكون وسيلة قمعية في الداخل أو كشافة يمنع عنه الانتشار على حدوده. فهناك الأرض المحظورة، وهناك، اذا انتشر يحمي جيوش العدو. فكيف تسمح العروبة ويسمح الايمان بأن يحمي جيش عروبي جيشا عدواً!
اذاً جيش بلا جيش وعسكر بلا عسكر. فلنقل جيشاً جميلاً للاحتفالات وللصالونات. (انه الجيش كما رآه الوصائيون والمقاومون... واميل لحود). فالساحة اذاً للجيش الآخر. والمقاومة في الجنوب تجاهد بقوة وببسالة، لتواجه اسرائيل، مما ادى الى اخراجها من جنوبنا. وكان الحدث المجلجل الذي افرح اللبنانيين واربك الوصاية. اذ، بدأت تطرح علامات استفهام حول جدوى وجودها... بعدما فاح فسادها وشاعت شرورها في الأمكنة والقطاعات. وبدلاً من أن تنسحب الوصاية بعد اخراج اسرائيل، شددت من قمعها... ونزقها، ومددت لاميل لحود (حامي الحمى، ودمية الدمى). وعندها كان للكيل أن يفيض، وعندها كان، ان تكسر الطوائف الحواجز التي رفعتها الوصاية بينها. وكان للعالم أن يلتفت اخيراً الى البلد الصغير... وكان القرار 1559.
ثم كانت الجريمة المروعة التي ارتكبتها الوصاية باغتيال الشهيد رفيق الحريري... ليكون دمه اعلاناً لقيام ثورة الاستقلال.
هنا، وللمرة الثانية (بعد معركة الاستقلال الأولى) صار للطوائف أن تقدم مشروعاً وطنياً: الاستقلال، والمطالبة بخروج الوصاية. فخرجت كما كان عليها أن تخرج تحت ضغط المظاهرات المليونية، وللمرة الأولى منذ عقود بدا واضحاً أن لبنان محكوم بسكانه اللبنانيين، بعد التحرير الأول في الجنوب، والتحرير الثاني الذي أنجزته ثورة الأرز. وهكذا، كان لمشروع الدولة أن يبحث من جديد. وكان أيضاً لمشروع الانتماء أن يثار من جديد. وكان أيضاً، للحكومة التي عيّنها الشعب عبر مجلس النواب الجديد بأكثريته المنتخبة ديموقراطياً أن تسوس البلاد. ولكن، بدا أن الفرحة منغصة، وأن المتضررين من "الاستقلال الآخر" لا سيما الأخت الكبرى سوريا، ومن يحالفها من بقايا النظام الأمني ورديفهم حزب الله، المشرش إيمانياً، وسياسياً وجهادياً في إيران وصولاً الى الأخت الكبرى، والمرتبط مصلحياً بسوريا وصولاً إلى الشقيقة المكتشفة حديثاً إيران. إذاً، فليُرِدْ من يريد الاستقلال والسيادة. فهذا شأنه: فالمعركة مع العدو الصهيوني مستمرة رغم انسحابه "من الأبد الى الأبد"، وهي معركة "الأمة" جمعاء، أي أمة؟ فقط على أرض لبنان، وتحديداً في الجنوب. وكان على المقاومة أن تبقى على أهبتها. وكان لمزارع شبعا "المبتكرة من الأجهزة" الأمنية السابقة، لتبقى "معبراً" للشقيقة التاريخية، وكذلك للشقيقة الايمانية المكتشفة حديثاً بعد انهيار نظام الشاه. وعلى هذا الأساس بقي القرار اللبناني المتصل باللبنانيين ناقصاً. وكان على قرار الحرب والسلم أن يكون "خارجياً" في "أيدي سبأ" وفي هذا الاطار الشيق، كان لشريحة، حماية لنفسها، واستقلالها، أن تحصن وجوداً ما ضمن حدود ما، تيمناً بطوائف أخرى سبق أن حصنت وجودها في ما يشبه الغيتو أو الكانتون. إذ إن سيادة الدولة بدت منتقصة خارجياً. وداخلياً: جزر أمنية هنا وهناك معززة بشعارات النضال والجهاد ومواجهة العدو (في الرميلي مثلاً!)، وجزر طائفية، تنأى بنفسها عن الانضمام الى مشروع "السيادة" الكاملة، والدولة، والانصهار، كما حدث مع الذين تمردوا في السبعينات، وخرجوا على كل الناس في كانتوناتهم المؤمنة أيضاً. وكما كانت كانتونات الأمس محميات للخارج (العربي حتى الاسرائيلي)، ها هي سلاح الكانتونات المتراكمة في البقع المتراكمة تصير نوعاً من محميات لبعض قوى الداخل. إذاً، اللبنانيون، الذين تحكمهم أكثرية منتخبة، لا يحكمون تماماً، هناك سلطة مقسّمة "بالتراضي" يتسرب منه من يريد إعادة البلد الى زمن الوصايات، وتحويله كرة بين الأرجل، أو ورقة في الجيوب. إذ كيف يمكن أن يقبل بعضهم بترسيم الحدود مع الشقيقة سوريا، وهل من عاقل أو وطني يقبل أن يرسم الحدود مع شقيقته العفيفة سوريا التي رسمت حدودها مع كل الأشقاء والشقيقات وأبناء العم والأخوال؟ إذاً، المطالبة بالترسيم خيانة. الترسيم يخدم العدو! بمعنى آخر: كل ترسيم للحدود في العالم لا بد من أن يخدم عدواً ما لأهل الترسيم! براو! (إرهاب فكري). وعليه، فلن يمضي الجيش الى الجنوب لكي لا يحمي جيش العدو. بمعنى آخر كل جيوش العالم الموجودة على حدود بلدانها تخدم عدواً ما. براو! (إرهاب فكري آخر). ومن يطالب الجيش بالانتشار على حدوده... هو خائن وعميل (إرهاب آخر).
وعلى هذا الأساس، كان للجنوب أن يبقى نقطة ملتبسة، قابلة للتفجر. أو للحرب. في أي لحظة، وبقرار لا علاقة للدولة وللحكومة والناس ومجلس النواب به. قرار يقذف كالنور الذي قذفه الله في صدر ابن سينا من عليائه تعالى، وبإذنه تعالى. ثم كانت الحرب الجديدة. وكانت المقاومة الشجاعة. وكان الخراب. والتهجير (والقرار لم تعرف به الحكومة ولا الشعب اللبناني، ولا مجلسه ولا ناسه ولا أحد. فالهبوط من فوق لا يعرفه إلا أهل، العلم والحلم معاً)، وكانت عودة جيش الاحتلال الصهيوني الى الداخل بعد انسحابه. وكان الدمار الذي أعادنا الى التسعينات. ثم كان النصر المظفر. ونحن من الذين احتفلوا بالنصر المظفر. وكل نصر عربي اليوم هو مظفر، إذاً صمدنا في وجه العدو، ولقناه درساً. هذا مما لا شك فيه. لكن ماذا نفعل بهذا النصر. المكلف والغالي والثمين والنفيس الذي استشهد من أجله أكثر من 1000 لبناني وهجر أكثر من مليون. فالنصر الثمين لا بد أن يرسي سلماً ثميناً أيضاً. فما هو هذا السلم؟ مَنْ يحقق السلم؟ ومَنْ يحقق الحرب؟ ومَنْ يحقق الدولة؟ جاءت القرارات الأممية بانتشار الجيش فانتشر وصار عند "المخونين السابقين" جيشاً وطنياً وإنما غير قادر على الردع (ومن قَدِر على ردع اسرائيل من تدمير لبنان، أخبرونا مَنْ؟). ولماذا غير قادر؟ لماذا حُرم الجيش من التسلح، في الوقت الذي تدفقت الأسلحة على المقاومة من الغيورتين: سوريا وإيران؟ لماذا كان على الجيش أن يبقى أضعف من كل القوى المسلحة على أرضنا: من جيش الوصاية ومن المقاومة؟ إذاً، إزاء "نظرية" قوة الجيش في ضعفه، فيكون رديفاً لا مردوفاً، كان على المقاومة، بعد كل ما جرى، أن تبقى في الجنوب مقابل الجيش ولكن تحت الأرض هذه المرة. هو فوق الأرض (في الهواء الطلق) وهي في الأنفاق. هي أمامه أقوى منه عدة وتدريباً وإيماناً، والجيش الاسرائيلي وراءه (وحوله) أقوى منه عدة وتدريباً وعدواناً، ليبقى هكذا قرار الحرب والسلم إما في يد المقاومة المشرشة هنا وهناك، وإما في يد العدو الصهيوني، ليكون الجيش رهينة! بين فكي كماشة. وعلى فوهة جحيم لا حول له ولا قوة. ولتكون الدولة مرة أخرى لبنانية وغير لبنانية. وشعبها غير قادر على الحسم. وغير محسوب في القرارات. فهو "شاء أم أبى" سيلقى قدره المصنوع في أقبية المخابرات الخارجية. وكان للحكومة أن تعالج الأمور بما تيسر لها. وبما يؤرقها من مخاوف حول افتعال أحداث أو حروب داخلية (تهددنا بها الشقيقة الطاهرة المناضلة، العفيفة العروبية بلا عرب، والمقاومة بلا مقاومة، والصامدة بلا صمود). وضمن هذا الالتباس (المنتصر) كان على القوات الدولية المفترض أن تنتشر مع الجيش اللبناني أن تتريث وأن يتردد كثير من دولها بإرسالها. (بعد تهديدات الشقيقتين العتيقة المعتقة والطازجة والخلنج).
نحن هنا في النقطة الحاسمة؟ خراب عميم نتج عن العدوان الصهيوني. عودة العدو الصهيوني الى الداخل الحدودي. هيمنته وحصاره على الأجواء اللبنانية والبحرية. الدولة اللبنانية تسعى الى جمع "الأضداد" في خطواتها. عملاء الوصاية يبشروننا بحروب أهلية، ويكملون معزوفة التخوين (ما أجمل الخائن عندما يخوِّن الآخرين!)، حزب الله الذي استشعر فداحة الخسارة، ووسع من رحابة النصر، ها هو أيضاً في مناطق الالتباس، لكي لا نقول في مناطق التأزيم. من جهة لا يريد أن يتخلى عن سلاحه، ومن جهة أخرى يعد بعدم استعماله. من جهة يتفرد بتوزيع المساعدات على المتضررين من شريحته بنفسه، ومن جهة أخرى ينتقد الدولة على "تقصيرها"، من جهة يريد أن يستمر في مقاومته ضد العدو (الذي عاد محتلاً الى الجنوب)، ومن جهة أخري، عقبات أمام هذا الاستمرار. الحل؟ لا نعرف... الحزب هو جزء من الحل. لكن الحل ليس بكليته جزءاً منه. ما المطلوب: لا أعرف! ولكن نكرر ما قلناه: عندما يكون هناك بلد اسمه لبنان، (كأنها حكاية للأطفال، فهل بتنا كلنا أطفالاً، وهل تجعل الطائفية، والانعزالية، والتعصب، من الناس الحكماء وحتى من المثقفين والمفكرين أطفالاً...؟)، فمن الطبيعي أن يكون أهله منتسبين إليه. أي أن يكونوا لبنانيين يقيمون في وطن اسمه لبنان. ومن المفترض أن يكون هذا "اللبنان" للبنانيين... لا أن يكون وهو وأهلوه لغير اللبنانيين. ونضيف: الطائفية يا اخوان صناعة. تُصنع كالأحذية والفساتين والملابس الداخلية والقنابل والسيارات... ولهذا فهي عابرة، وصناعتها مهما كانت ماهرة ودقيقة ستكسد. والدليل: إن الكانتونات الطائفية السالفة الذكر التي أقيمت في السبعينات انفجرت من الداخل وانتهت. وان أي كانتون حديث، مهما حُصِّن، وعزز، بالمال والايمان والصمود... والانعزال... مصيره التفجر أيضاً إما من الداخل أو من الداخل! وقد بدأ هذا التفجر.
فلبنان الكانتونات هو لبنان الآخرين وللآخرين. ولبنان الناس، المتمازجين، المتماسكين، على أفكار، ومصير، وقرارات مشتركة، هو لبنان اللبنانيين... الذي لا بد أن ترعاه دولة قوية، بسيادة شاملة على حدودها ومرافقها... فالدولة للجميع! والكانتونات ليست لأحد. الدولة حقيقة... والكانتونات الطائفية (أو حتى الايديولوجية) وهم! لكن وهم يقتل أصحابه ويقتل الآخرين!
وأخيراً نقول: كل كانتونية عندنا ليست سوى ظاهرة صهيونية بامتياز! هذا ما أثبته الماضي القريب، وما سيثبته الحاضر والمستقبل القريبان والبعيدان. وأخيراً أيضاً: كل كانتون هو فعل انتحاري بامتياز! فعل انتحاري جَماعيّ وفرديّ لا يودي بأهله وبعقوله المستعارة المريضة سوى الى الخراب العميم.
...والسلام على مَنْ اتبع الهدى!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00