ليت الرئيس بشار الأسد انتظر قليلاً ليلقي خطبته العصماء، حتى تجفّ دماء الشهداء اللبنانيين جرّاء العدوان الاسرائيلي، احتراماً لهؤلاء، ولأهلهم، ولكل اللبنانيين. لكنه استعجل. وليس في العجلة الندامة. لكنه قفز فوق الدماء والدموع والخراب والدمار... وكذلك الصمود، وكذلك احتضان اللبنانيين من كل الفئات والطوائف أهاليهم النازحين والمهجّرين بصدور عامرة، رحبة، تخفق بالحب، وتعبّر عن الأواصر والوشائح العميقة والعريقة... برغم الاختلافات السياسية بينهم.
إذاً، جمع الأسد رهطاً من "اتحاد" الصحافيين العرب (ومعظمهم يعمل في مؤسسات حزبية ورسمية لا مكان فيها لا للصحافة، ولا للحرية، ولا للقول المستقل)، وألقى خطابه، أو الأحرى مجموعة تعابيره القوية، الشديدة البأس، وقدمها هدية... رائعة للبنانيين احتفالاً بانتصارهم على العدو الصهيوني الغاشم الذي ما زال رابضاً بكل صلفه وطغيانه على أرض الجولان العربية العروبية حتى آخر ذرّة من ترابها.إذاً فعلها الرئيس بشار بسرعة، وكأنه يسابق أمراً ما، أو يستعجل أمراً... لم يتم بحمده تعالى.
نحن، العروبيين انتماء وفكراً وعرقاً ووجداناً، كنا ننتظر أن يكون خطاب الرئيس بشار الأسد، في مستوى الحدث الجلل، الكبير المتمثل بالانتصار الذي حققته المقاومة على العدو الصهيوني. هذا الحدث الذي لا يماثله سوى تحرير الجنوب من الاحتلال العبري، وثورة 14 آذار الاستقلالية. بل كأنه جاء ليتوّج هذين التحرير والاستقلال، لتستكمل ملامح السيادة على كل لبنان. هذا الحدث الذي يتضمن في تضاعيفه انتصارات عدة أولها انتصار المقاومة بالشعب اللبناني الذي حضنها من جهاته. وانتصار الشعب اللبناني بها. ونظن أن فضل هذه الانتصارات، ليس أكثر من محاولة تشويه الانجاز الكبير، بل ضرب من تحويل الأنظار عن هذا الانتصار، الى نقيضه.
ولكن للأسف، فقد كان خطاب الرئيس الأسد في أمكنة أخرى. ومن جغرافيات أخرى. ومن ذهنيات أخرى. حطّ على الحدث وكأنه مجرد لحظة سياسية عابرة. ولهذا جاء الخطاب، إما دون الحدث التاريخي المجلجل، وإما على هوامشه ومتروكاته.
كنّا ننتظر أن يكون خطاب الرئيس الأسد (الذي راهنّا عليه في بداية عهده كمفتتح جديد لإصلاح النظام السياسي) تاريخياً، يستلهم انتصار لبنان (كل لبنان) على العدوان الاسرائيلي ليوظفه في وضع استراتيجية مقاومة لتحرير الجولان من دنس الاحتلال. (وهذا أحد معاني الانتصار الاستراتيجي). لقد خِلتُ للحظة، عندما قال ان السبيل الوحيد هو المقاومة، أنه سيختار أخيراً المقاومة كطريق وحيد في الجولان. بعدما فشلت كل الوسائل الديبلوماسية والسياسية، ليعلن أمام اتحاد الصحافيين العرب الذي صفق أعضاؤه طويلاً له، تدشينه لهذه المقاومة، واستنفار الناس والعرب لمؤازرته والتضامن معه في هذا السبيل الحق. ولكن يا للأسف، لم يذكر الجولان ولو مرة واحدة لا من قريب ولا من بعيد في خطابه، فكأن هذه الفلذة العربية العزيزة على قلوبنا، انطوت من الذاكرة أو حتى من أجندة النظام العربي كله. فعلى الذي يحيي المقاومة في لبنان، عليه أيضاً أن يُفسح لنا في المجال، لرد التحية بأعطر منها، للمقاومة في الجولان. (وإن كنّا نحيي صمود شعبنا هناك في الجولان الذي ما زال يرفض ويقاوم تهويد أرضه، أعزل، ووحيداً، ومتروكاً لرحمة الاحتلال).
وكنّا ننتظر أن يدعو الأسد في هذه المناسبة الاستثنائية، كل اللبنانيين الى الالتفاف حول المقاومة، والى تعزيز الوحدة الوطنية، ودعم الدولة، والى مؤازرته الشعب الشقيق وحمايته، من الفتن والمؤامرات المحدقة به، من هنا وهناك، والى ترسيخ صموده الوطني، ودعم انتشار الجيش اللبناني على حدوده، عبر قبوله ترسيم الحدود مع لبنان لنزع الذرائع التي يستغلها العدو للبقاء في مزارع شبعا.
وكنّا ننتظر أن يتفوّق الرئيس بشار الأسد على نفسه، وأن يكون "عملاقاً" (كما هي مقاومتنا) في بث روح الألفة، والأمل، والتسامح، واحترام الآخر، والوحدة، ومساعدتنا على النهوض بعد كل ما عانيناه. لكن، وللأسف، فقد خاب فألنا. فالرئيس الأسد، حاول، أن يصادر سياسياً، وفي لحظة ملتبسة، ما حققته المقاومة عسكرياً، ناسباً الانتصار، العسكري إليه، ومحاولاً قطف موسمه، لاستعادة ما فقده في لبنان. وللأسف أيضاً، ما كان لنا أن ننتظر من الرئيس الأسد، أن يستغل دماء اللبنانيين (قبل جفافها) والشهداء (قل دفنهم) والخراب والدمار والمآسي والكوارث التي دفعت ثمناً لهذا الانتصار، من أجل استعادة "حضور" مفتقد، أو وصول فاتت قطاراته. ما كان لنا أن ننتظر من الرئيس الأسد، أن يبشرنا بالفتن، والحروب، والخراب، ويخوّن الشعب اللبناني عبر رموزه الاستقلالية. والتخوين سهل يا سيادة الرئيس، ويبدو أنه بات جزءاً من قاموسنا العربي: فأي نظام عربي لم يخوِّن نظاماً عربياً آخر. وأي زعيم عربي لم يخوِّن زعيماً عربياً آخر. فالرئيس حافظ الأسد خوَّن صدام حسين وياسر عرفات، وقاما بتخوينه. والنظام السوري خوَّن مراراً النظام الأردني والمصري والسعودي... وردت إليه التحية التخوينية بأعطر منها! وفي السابق، خوَّنت المقاومة الوطنية والحركة الوطنية من قبل النظام السوري، وقامتا وباللغة ذاتها، بتخوين المخونين في دمشق. الآن، تقوم يا سيادة الرئيس بتخوين رموز 14 آذار الذين يمثلون الأكثرية، وغالبية الشعب اللبناني... وها هم يخوّنونك ويعتبرونك، كما تعتبرهم، "منتجاً اسرائيلياً"، وحجتهم أن جيشك يحمي الجيش الاسرائيلي المحتل في الجولان. وأنك تمنع أن تطلق وردة على المحتل. بل وأكثر: أنك حيّدت نفسك عن الحرب التي خاضتها المقاومة، وحيّدت اسرائيل نفسها عنك، ضمن اتفاق سري بعدم اعتداء أي من الدولتين السورية والعبرية على بعضهما. ولهذا، يقولون، إنك تفرجت على الحرب مستظلاً بالدعم الكلامي واللفظي... وكان أحرى، كما يقولون، أن تفتح جبهة الجولان لتخفف الضغط على المقاومة...
إذاً التخوين وأسبابه ولغاته جاهزة، يصيب من يطلقه، ومن يتبناه. وهو ظاهرة عربية خطيرة تعبِّر عن الافلاس الفكري، وتشهد على اندثار الصراعات الفكرية والسياسية، والديموقراطية! فلماذا عليك أن تختار مثل هذه اللغة المرتدة أصلاً على أصحابها؛ بل ولماذا عليك أن تختار الموقع الذي من شأنه أن يعزلك عن "النصر" (وأنت تدّعي صنعه)، وتنغص على أهله ومحققيه فرحهم واحتفالهم به؟ بل أي مكسب لك في أن يكون قسم كبير جداً من اللبنانيين ضدك. ولماذا لا تمد جسوراً بينك وبينهم.
وماذا تربح سوريا من هذه "النزاعات" المضرة، بينك وبين أكثرية منتخبة، ورموز كان معظمها الى جانب سوريا في السراء والضراء، وفي صراعاتها المختلفة مع اسرائيل (ألم يكن وليد جنبلاط ونبيه بري وآخرون من أبطال إفشال 17 أيار؟).
ونقول أكثر ان كثيراً: "من حلفائك" اللبنانيين اليوم كانوا مع 17 أيار، وكانوا حلفاء لاسرائيل. وكذلك حلفاء لنظام صدام حسين، ولعرفات فلماذا تخلع عباءة الوطنية على هؤلاء "الاعداء" السابقين، وتعادي اليوم، من كانوا معك، ومن سيكونون معكم... اذا سويت الأمور، في اطار السيادة والاستقلال واحترام الآخر؟
كنّا ننتظر ان تعضد صمودنا، وتحيي وحدتنا التي تجلت في دعم المقاومة، وفي احتضان أهلنا النازحين، وان تدعم الدولة، ولكن للأسف، قدّمت إلينا سيلاً من التهديد، والتخويف والترهيب وانذارات بانقلاب (غير ديموقراطي) وبخراب لا يبقي ولا ولا يذر... فلماذا؟ وماذا ينفع سوريا إذا أعيد لبنان إلى الفتن"، وإلى القسمة، وإلى الفوضى؟ وهل تظن يا سيادة الرئيس ان خراب لبنان يفيد سوريا، ويفيد نظامها، وشعبها أم ان على العكس، هذه المرة ستمتد حرائقه (لا سمح الله) الى خارج حدوده، ولا سيما سوريا الشقيقة! وهل تظن ان هذا التحريض على الانقسام يُضر اسرائيل أم انه، على العكس، يفيدها، في محاولتها لاثارة الفتن، والنزاعات ليس عندنا فقط، بل في كل الأمة العربية؟ إذ كيف يستوي ان تؤدي توجهاتنا العروبية، أحياناً الى خدمة العدو المتربص بنا؟
انتظرناك في دمشق محتفلاً بالنصر لكن يبدو أنك ما زلت في لبنان. فمتى تصل إلى دمشق، وتعالج المشاكل الجمة التي يعانيها الشعب السوري الشقيق من أزمات اجتماعية واقتصادية وبطالة وفقر وحرمان وقهر؛ كم كنت اتمنى لو وقفت وقلت استلهاماً من روح المقاومة: ها أنا أفتح جبهة الجولان! واستلهاماً من الديموقراطية المستعادة في لبنان. ها أنا أستعيد مشاريعي الاصلاحية للنظام ولمؤسساته ولتوجهاته. واستلهاماً من روح الشهيد رفيق الحريري، تقف وتعلن: ها أنا ونظامي وحكومتي على استعداد لتسهيل مهمة المحكمة الدولية التي تحقق في اغتيال الحريري! وعندها، كنا، رفعنا كل القبعات تحية لك وقلنا: حقاً ان هذا الشاب الذي يتعامل مع الفكر والأفكار ما زال شاباً في طزاجة توقه الى العدالة، والأخوة والمقاومة (في الجولان) والديموقراطية والعروبة الحية والصمود والتصدي. لقلنا إن هذا الشاب الذي ورث نظاماً قديماً، سيجدده بروحه الفتية... ولكن يا للأسف، شعرت يا سيادة الرئيس انك اغرقت كل هذه الآمال والمشاريع المستقبلية والطموحات والأفكار بركام من لغة قديمة قديمة تجاوزها الزمن.
فكيف لقائد شاب مثلك، يفترض ان تشبهه أفكاره كيف لشاب مثلك قدم نفسه مفكراً ومصلحاً، ومجدداً وعصرياً ان يحتضن مثل هذا الخطاب الرميم الذي لا يتعدى ملمومات الكليشيات والشعارات التي صنعت هزائمنا (المظفرة بإذنه تعالى) على امتداد نصف قرن وأكثر!
وهل كان عليك أن يُقابل خطابك بإجماع لبناني، على استنكاره، وشجبه ورفضه... حتى من حزب الله، الذي قرر ان يهدي انتصاره لكل الشعب اللبناني، تعزيزاً للوحدة، ودعماً للدولة، وإكباراً للتضحيات التي قدمها اللبنانيون كلهم لا سيما المقاومة المنتصرة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.