وأخيراً وربما لا آخراً تمَّ الاعتراف بوجود الجيش اللبناني. وتمَّ الاعتراف ولو قسراً، بأنه يمكن أن يكون له دور على حدوده مع العدو. وكذلك تمَّ الاعتراف بأن وجوده يحمي الوطن لا العدو (نظرية متآمرة من أولها الى آخرها). إذاً، صار عندنا جيش يُسيِّج الوطن، بعدما أُدرج هذا الجيش في خانات وهمية أو رمزية أو صالونية، أو ضمن احتياطي النظام الأمني البائد لقمع الناس، أو أقله ليكون بمثابة شرطة سير، أو صليباً أحمر وفي أفضل الأحوال حامياً لجيوش الوصاية! منذ ثلاثين عاماً، كان جيشاً بلا جيش. عسكر ولا جيش. بدلات ولا جيش. هكذا شبيه بجيوش كثيرة من النظام العربي (الاستبدادي). كأنه جزء من حالة طوارئ. أو من حالات طارئة. جيشنا جعلوه طارئاً. زائراً ثقيلاً. شبحاً عابراً. منعوه من أن يكون جيشاً. صرفوا عليه المليارات لكي لا يكون جيشاً. أهانوه. ألحقوه بالأجهزة. رديفاً بلا رديف. منعوا عنه أن يتسلح. جيشنا عديد بلا عدة. أسلحة بلا ذخيرة. لا طائرات. لا دبابات. لكي يكون الأضعف. أضعف من كل الميليشيات (سابقاً)، وأضعف من أي مقاومة لاحقاً. لكي لا يكون له إلا أن يكون تابعاً للميليشيات، ومهمشاً إزاء أي مقاومة. فلغيره أن يحرر. فلغيره أن يتقدم وعليه أن يبقى في المؤخرة، هذا إذا أبقوه في المؤخرة. كل الجيوش التي اخترقت بلادنا من أهل الوصايات والاحتلالات كانت أقوى من جيشنا. فله أن يعد الموتى. ويعد المنازل المدمرة. ويوافق على استراتيجيات ليس له فيها، لا مشاركة، ولا حتى شهادة زور. فشهادة الزور تفترض وجود شاهد زور. وهو ليس موجوداً. خرقوه بالأجهزة. بالتدخلات. بالطائفية. وضعوه في الموقع المواجه للناس. هكذا. استكثروا عليه أن يدافع عن أرضه. باعتبار أن الدفاع عن الأرض من مهمات سواه. وكم خُوِّنَ ناس طالبوا بانتشار الجيش على الحدود الجنوبية. وكم اتهم ناس بالعمالة لاسرائيل لأنهم طالبوا بدور دفاعي لجيشهم. فالوطن لكي يكون قوياً (في رأيهم) يجب أن يكون عنده جيش ضعيف (فالجيش قوته في ضعفه). والجيش وجوده في عدم وجوده. تماماً كما فعلوا في الدولة. فالدولة لكي تكون قوية عليها أن تكون ضعيفة، دون أي دويلة داخلية من هنا وهناك. ودون أي دولة خارجية من هناك وهناك.
وهكذا فعلوا في الحكومة. فعلى الحكومة، لكي تكون قوية، ألا تحكم. إرهاب عليها يمطر من الأبطال والمحررين وبتوع الوصاية، تارة بالتخوين، وأخرى بالحروب الأهلية، وأخرى بالتكسير والتحطيم والتهديد بإحراق البلد. ولهذا، كان على الوطن، ولكي يكون معافى، أن يكون منفصلاً عن الحكومة، وعن الدولة، وعن الجيش، وأن ينسحب لمصلحة "وسيط" ما من هذه الطائفة الكريمة أو تلك، تحل محل الحكومة والجيش والدولة. ذلك أن كل الذين وفدوا الى لبنان (تحت شعار حمايته من نفسه) من أهل الوصايات والاحتلالات، كان لهم أن يبقوا التقسيمات عميقة، بين أركان الدولة والمجتمع: الناس، الشعب، المؤسسات، السلطة، النظام. كل عنصر من هذه العناصر عليه أن يبقى منفصلاً عن الآخر. وهكذا يتسنى لقوة داخلية مسلحة مرتبطة بأرسان الخارج أن تتفوق بفعل هذه التقسيمات. وهكذا يتسنى لكل وصاية أن تهيمن لأن كل هذه العناصر المقسَّمة، تصب في إرادتها العلية، السامية، الكريمة، والمناضلة، والمقاومة، في فضاء رحب من "الصمود والتصدي" عندنا بالطبع وليس حيث يجب أن يكون صمود وتصدٍ. ويكفي أن يكون هذا المهووس في القصر المهجور اميل لحود، من الذين أسسوا المرحلة الجديدة للجيش، في ظل الوصايات، ويكفي أن يكون أكمل المهمة أثناء توليه الرئاسة، لكي نتأكد من المؤامرة التي حيكت لمنع الجيش من أن يكون جيشاً، ويلعب دوره الأصلي والأصيل، في حماية الحدود، هذا "الإميل" الذي، وبإرادة وصائية صارمة، جعل الجيش عارياً، بلا سند، ولا أسلحة. ولا ذخيرة، لخشيته من أن يهدد وجود جيوش الوصاية، والجيوش الخاصة، إذا ما استعاد دوره. وهنا بالذات تلتقي الارادتان. "اللحودية" ـ الوصائية، مع الارادة الصهيونية، في منع الجيش من أن يكون جيشاً حتى في الحدود الدفاعية الدنيا. من أن يكون جيشاً مقاوماً: وكم مرة منعت اسرائيل الجيش من الانتشار على حدودها. تماماً كما منعت الوصايات المتتابعة هذا الجيش من القيام بأي مهمة أساسية. وهنا نتساءل: إذا كان الجيش (كما يقولون) ليس (أو لم يكن) قادراً على لعب دور الدفاع عن الحدود. فلماذا؟ من جعل هذا الجيش غير قادر؟ مَنْ حيَّد هذا الجيش (إلا من دوره الهامشي الداخلي). مَنْ منعه من التسلح الجيد؟ مَنْ جعله بلا غطاء سياسي ولا عسكري ولا دفاعي، لكي يجد نفسه محتاجاً الى مَنْ يحميه، لا أن يجد نفسه حاجة ملحة وأساسية لحماية الحدود والناس؟ كيف صار أن المقاومة (أي مقاومة) هي التي تحمي الجيش، لا الجيش هو الذي يحمي المقاومة؟ بل كيف صار أن يكون الجيش رديفاً للمقاومة، لا أن تكون المقاومة رديفاً للجيش؟
هذه الأسئلة معروفة أجوبتها. لكن المهم اليوم أننا نسمع اعترافاً "جديداً" وطازجاً بدور للجيش على الحدود. فهل نصدقهم؟ أنا شخصياً لا أصدقهم! لا أصدق العدو الصهيوني في ترحيبه "الشكلي" والمفخخ بانتشار الجيش على الحدود. ولا أصدق اميل لحود (أول مَنْ كان يشكك في قدرة الجيش الذي يدّعي أنه بناه)!
لكن المهم، برغم كل شيء، أن المسألة طرحت بالإجماع! (وكم مسألة أجمع عليها ثم انفرط الاجماع) وعلينا، جميعاً، أن نتشبث بهذا الاجماع، وندافع عنه، لا أن نبقى شهود زور... كما كنا على امتداد ثلاثة عقود!
المهم أن يكون الجيش، ومن ضمن السلطة السياسية، الدرع الأول للسيادة، والسياج الأول لحدودنا الجنوبية والشمالية أيضاً.
كفى للآخرين أن يبنوا قواهم وجيوشهم الخاصة على أنقاض جيشنا. وكفى للآخرين أن ينتهكوا السيادة باسم الدفاع عن السيادة وعن الاستقلال.
كفاهم كذباً! وتدجيلاً. ونفاقاً... وعمالة! فللعمالة أيضاً حدود... ولو جعلوها بلا حدود. تماماً كالوطن والأمكنة والناس... والتسلط.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.