8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ديموقراطيو الأمر اليومي

كلٌّ يعرف أن الديموقراطية فعل تراكم وتجارب ووعي وممارسة وأخطاء وإفادة من الأخطاء وتعثُّر ووقوف، هذا معروف. وانها لا تتحقق بمعجزة "إلهية"، ولا تتحقق بمجرد إرادة فجائية عجائبية، ولا تكتمل في المجتمعات، بكبسة زر، أو بحدث لو فتح لها الدرب، وأمَّن لها السير والحركة. كل هذا مفهوم. والمفهوم أيضاً أن مجتمعاً كمجتمعنا عانى عقدين من الحروب، ومن القوى الخارجية، والميليشيات، والعنف، وأشكال التقسيم، والطائفية والمذهبية والعشيرية، والاحتلال (الاسرائيلي)، وأنواع "الوجود" العربي في صراعاته، وعدوانيته على البلد، ومصادرته إرادة الناس، وسعيه الى تخريب المقوّمات والثوابت، والدولة، والدستور، والقضاء، ان مجتمعاً، كمجتمعنا، عانى ما عاناه من ظلم العدو والصديق والرفيق والشقيق، ليس من السهل أن يسلك، ومن دون عقبات، ووعورة، وأثمان (الشهداء) نحو الديموقراطية، والسيادة، والاستقلال، واستعادة بناه المدنية، وأدواته السياسية والنقابية والاقتصادية. ولكن، ما ليس مفهوماً، أن يقرر بعضهم، ومن داخل البلد، "مكافحة" الديموقراطية الطالعة. أن يحاربها. أن يرفضها. والأخطر، أن يفيد من مناخاتها ليقضي عليها. أن يستخدم شعاراتها ليُعدم جوهرها. أن يجوّفها، ويشوّهها، ويُسفهها، ليبرهن، أن أهل هذا البلد ليسوا جديرين بها؟ وليسوا أهلاً لها، ولا يستحقونها، متبنياً "الخطاب" الاستيصائي (وقبله الاحتلالي الصهيوني) من أننا مجموعة شعوب أو طوائف أو قبائل متوحشة، ليس لها، أن تفكر في الحرية (وهي لغيرها!)، ولا في الديموقراطية ولا حتى في المدنية. فمعظم هؤلاء وجلهم من مخلفات الوصاية، (وبعضهم ومن ضمن الخط اليوم كان من مخلفات الاحتلال الصهيوني وانخرط أو "أُخرِطَ" في موكب العروبة يا عين! أقصد عروبة الاستبداد والقتل والعمالة) فهؤلاء يشعرون، في أعماقهم، ويَعُون أيضاً (طبقاً لمصالحهم الخاصة) أن الديموقراطية هي عدوهم الأول، وعليهم محاربتها. ذلك لأنها تعيد الى المجتمع سجاله الفكري والسياسي، والى حيوياته معانيها ومقاصدها وقنواتها، والى علاقاته وشائجها، وأواصرها، تحت عنوان "وحدة وطنية"، ليس عن طريق "الكتل التاريخية" ولا عن طريق الاستبدادية التي تحكي عن هذه الوحدة، كإطار لفرض أحاديتها، وصوتها الأحادي، خارج أي تعددية، أو تنوع، أو معارضة. فهؤلاء، (مخلفات الوصاية)، يخافون الديموقراطية لأنها تضع وحدة المجتمع، في تناقضاته الخصبة، وفي قوله الكثير، وفي مقارعته الحرة، وفي مقاومته أشكال القمع، والمصادرة، وأشكال النفوذ الخارجي، والطغيان. فالديموقراطية في معناها العميق أيضاً انها تواجه كل مصادرة لها، ولا سيما من الوصايات الخارجية، لا سيما من القوى المحسوبة على الداخل، وهي جزء من محميات الخارج. إذاً، يخافون الديموقراطية (أقصد مخلفات الوصاية) لأنها تعري دورهم المرتهن، ولأنها في علاقتها بالمجتمع (صانعها، ومجسدها ومطوّرها)، قادرة على عزلهم. لأن ما من ديموقراطية ولو في حدودها المبتدئة، أو النسبية، أو حتى الناقصة، تقبل أن يبقى في صفوف المجتمع المدني مَنْ هم ضد المجتمع، ومَنْ هم في عِداد العملاء، والمرتهنين، والعبيد، ونظن أن ما نشهده اليوم منذ قيام ثورة الاستقلال، يصب في هذا الاتجاه. فهناك مَنْ يعمل على استرجاع الديموقراطية كصنو للسيادة ورديف لها، وهناك مَنْ يعمل على تدمير هذه الديموقراطية، (باسمها) باعتبار أن الخراب الاجتماعي، من خلال الفوضى، هو صنو الوصاية. بمعنى آخر، يقوم خطاب المندثرين من أهل الوصاية على استخدام هذه الديموقراطية التي تَوَفَّرَ منها الكثير بعد 14 آذار (وكانت مصادرة من الوصاية عبر عملاء الوصاية وعلى رأسهم الرئيس المعروض للبيع والشراء والمقايضة لحد القصر المهجور الملحود) لتدميرها. ويعمدون الى الديماغوجية الرخيصة، ليخلطوا بينها وبين التعبير الحر. إذ كيف يمكن لحاقد على الديموقراطية أن يمارسها. وكيف يمكن لعبد، تربى وترعرع في أروقة المخابرات وأقبيتها، وفي ظل أهل الوصايات، أن يرتاح لهذه الديموقراطية التي كلما تعززت ضؤل وجوده. بل وكيف يمكن لمريض بالارتهان ومتيّم به، ومجنونه، ومعبوده، ألا يستنفر كل الغرائز، والشعبوية، والكذب، والنفاق، والفساد، والتضليل، ليبرهن أن الحل في هذا البلد لا يكون في مجتمع ديموقراطي، ولا في أهله، بقدر ما يكمن في عودة الوصاية ومن النوع المستبد "الفاخر" في استبداده. هؤلاء هم صنائع الوصايات المتعددة وزبدتها. والمفطور على الوصاية، والمصنوع بها، لا يقبل أي شكل آخر، يسترجع بها البلد آلياته الديموقراطية، ودولته العادلة. فهو يُحس بغربة وبوحدة بعيداً من الوصايات الخارجية. بل يشعر وكأن وجوده مُسَّ إذا مسّه شيء من الاستقلال، والحرية. فهناك أجسام عادت لا تستطيع أن تتنفس بلا أرسان ولا قيود. فجماليات جلودها، ولذاذاتها، ومتعها، وحتى حرياتها، لا تستشعرها إلا بثقل القيود، ولسع السياط، وركل الأحذية الضخمة! وقد عرفنا عبيداً، (في التاريخ) رفضوا حريتهم. وهؤلاء، بتوعنا، يكونون أو لا يكونون (بالاذن من هملت) بالعبودية. إنها شرط وجودهم الأول والأخير، لأنها مصدر إراداتهم، ومهوى عقولهم، وقلوبهم، ومرفأ أحلامهم. فمن الطبيعي، أن يحاولوا، وبالتكافل والتضامن والخضوع والخنوع للوصاية، ولأي وصاية! أن ينزلوا الخطاب السياسي الى الأسافل. أي أن يلغوا الخطاب السياسي بخطاب ديماغوجي. وهذا يعيدنا الى المرحلة التي سادت عقوداً، وكان الخطاب السياسي ممنوعاً، لأن الحياة السياسية ممنوعة. لأن كل شيء كان يجب أن يمر بمطهر الوصاية أو "الوصايات"، لكي يُصفَّى من كل أثر لحيوية فكرية أو لتعدد، أو حتى لبقايا أو أضغاث أحلام بالسيادة، وبقرار حر. إذاً، مخلفات الوصاية، يعمدون، وكل بحسب الأمر اليومي، والدور الموكول إليه، الى تدمير الحالة السياسية، التي بدأت تنشأ بعد 14 آذار، وتسفيه رموزها، من الشهداء منهم. فمهمة هؤلاء، لا تقتصر على تخريب الديموقراطية وتعطيل الحياة السياسية. ورش وجوه الاستقلاليين الأحياء بالنار والقطران، وإنما أيضاً الشهداء منهم، وأهل "المقامات" العالية بإيمانها بالسيادة، والحرية. فهم يشوّهون الشهداء في قبورهم. والموتى في قبورهم، لتكتمل صورة التشويه. أوليس هذا ما نشهده مع بعض مخلفات روث الوصاية، من "زعامات" مندثرة في لجوئها الى هذا الاسفاف، والوضاعة، والنتن، والتجريح، والقدح والذم، في كل الاتجاهات.
إذاً، تسفيه الخطاب السياسي يُعمل من خلاله على تسفيه الديموقراطية. وتالياً تسفيه الاستقلال. ومن ثم تسفيه "وعي الناس"، والضرب على أوتارهم "الغريزية"، لإبقاء حالة التقسيم "الطائفي" القطيعي بدلاً من التنوّع، والشرذمة المذهبية بديلاً من الصراع السياسي. إنها محاولة انقلابية على روح 14 آذار، ونظن أن الديموقراطية التي تمتن وشائج المجتمع والدولة... هي قاعدة "الصمود والتصدي" (بت أخجل من استخدام هذه العبارة) التي تعزز قوة المجتمع، وتجعله قادراً على مواجهة المحاولات الانقلابية للعودة به الى زمن المصادرة: ولهذا فالانقلابيون الجدد هم أيضاً الانقلابيون السابقون. فالعميل لا يمكن أن يكون سوى انقلابي. كل عمالة للخارج هي ظاهرة انقلابية في الداخل تهمش الناس، وتسعى الى مصادرة القرار الوطني، وتحويل البلاد والعباد الى قطعان في حظائر أهل الوصاية، يجعلون منهم "أوراقاً" يتلاعبون بها، و"هشيماً"، يشعلونه متى شاؤوا، ومطيات يركبونها، ورؤوساً يفرغونها، ونفوساً يستعبدونها! فالخطاب السياسي الانقلابي هو ذاته مع الظواهر ذاتها، أثناء عقود الوصايات. وكل وصاية، تدخل، أياً تكن، هي مشروع انقلابي "لمصلحتها" تطيح من تطيح، وتفرض مَنْ تفرض، تقوّي مَنْ تقوّي، وتضعف مَنْ تضعف، بحسب أهدافها، وسعيها الى التمكن والهيمنة حتى احتلال الأرض والارادة والقرار... والثروات!
فالانقلابيون القدامى، صاروا الانقلابيين الجدد، تخرّجوا من المدارس الانقلابية العربية، التي أتحفتنا بهزائمها "المظفرة!" طبعاً، وبإنجازاتها الديموقراطية التي تفتح السجون، والمدنية التي تمكن العسكر من عسكرة المجتمع! هؤلاء الانقلابيون لا يؤمنون بأي حوار، ولو في نبراته المتواضعة، لأن كل حوار بين أهل البيت، وبين الأطراف، يهدد "فاعليتهم"، ويخرب "استراتيجياتهم" الدفاعية عن الخراب، والفتنة. ولهذا، شهدنا في الأيام الأخيرة، أن بعض هؤلاء "المُنقلبانيين" راحوا يوجهون سهامهم "المسمومة" الى مؤتمر الحوار نفسه. (وكان كل حوار في السابق ممنوعاً. بل وكان "التخاطب الروحاني" بين اللبنانيين ممنوعاً إلا عبر "فارضي القطيعة، وصانعي التقاطع بين الشعب الواحد). ونظن أن محاولة شل مؤتمر الحوار، أو تدميره، تهدف في العمق الى إسقاط البلاد في التشنج، وفي التعصب، والحروب الكلامية... والانقسامات التي قد تؤدي الى إسقاط "أول حكومة استقلالية"... قبل المحكمة الدولية. ونظن أنه يُهيأ في أقبية المخابرات، وعبر العملاء المشهود لهم بعمالتهم، والذين يحاولون زرع الفتنة المتنقلة، مناخات ما يعملون على إشاعتها؛ مناخات من نوع تخريبي: عنف. أحداث. اغتيالات. فوضى. سيارات مفخخة! أي استخدام كل عدة النظام الاستبدادي التي عرفناها وخبرناها على امتداد "إنجازاته" في بلاد الأرز!
وهذا يعني، على المدى القريب والبعيد، إبقاء الهشاشة سيدة الحالة في الدولة، ولدى الناس، والأحزاب، والسلطة والمؤسسات، لمنعها من العمل والممارسة... وتحفير فراغات تنفيذية فيها. ويكفي أن نعرف أن "إبقاء" عبد بعبدا، لحد بعبدا الملحود اللحود، بين الجدران هناك، ما هو إلا الاستمرار في سياسة ضرب الدولة ومؤسساتها والحالة السياسية، ليبقى البلد "ورقة" أو "لعبة" أو كرة... في أقدام الوصاية، تتقاذفها، يميناً وشمالاً، وترسلها كإشارات الى هذه الجهة الخارجية (أو الداخلية) أو تلك!
إنها "ديموقراطية" المستوصى عليهم؛ ديموقراطية الأمر اليومي الصادر عن أقبية الأجهزة والرجال الجوف.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00