8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

وداعاً سمير سرحان

فاجأني موت سمير سرحان. مع أنني كنت أعرف مدى خطورة مرضه. والعلاجات التي يواظب عليها، بين فرنسا والقاهرة. والمكان الذي أصابه المرض الخبيث. مع هذا فوجئت. والموت مفاجأة دائمة، على يومياته. وبرغم أننا، كلما تقدمنا في السن، يصبح الموت من "أمتعتنا" اليومية. ومن هواجسنا. ومن الأشياء والناس التي تحيط بنا. كلما تقدمنا في السن كَثُر الأموات حولنا، وكبر الموت فينا. ومع هذا نُفاجأ ونصدم وكأن هذا الموت ما زال يأتي من الأمكنة البعيدة، هذا ما حصل عندما رحل سعدالله ونوس، وممدوح عدوان وعصام محفوظ والفريد فرج ومحمد الماغوط وعوني الكرومي... واخرون. إنهم من الأصدقاء والرفاق، كانوا جزءاً من حياتك. من كلامك. ومشاعرك. وأفكارك. أجزاء حية سقطت منك، وبقيت فيك. لعبة الرحيل والبقاء. الموت والحياة. العدم والوجود.
سمير سرحان، رحل، بعد معاناة طويلة وشاقة. وعلاجات مؤلمة. لكن كلما كنت أتصل به تلفونياً، في الفترة الأخيرة، كان يطمئنني "أنا كويس يا بول. إزايك أنت. إزاي بيروت. أيمتى حَ تجي القاهرة"... هكذا كان يتكلم. يطمئنني بقدر ما يطمئن نفسه، هذا إذا كان مطمئناً فعلاً.
في أيلول الماضي التقينا ككل عام في مهرجان القاهرة المسرحي التجريبي. على هامش المهرجان وبعيداً منه، في منزله. وأصر ذلك العام، برغم مرضه، على أن يحتفل بعيد ميلاده ربما في 15 أيلول... أو ما يقاربه. ولبينا الدعوة. وكنا من عدة بلدان عربية. وكعادته، كرّمنا في بيته، وكعادته، تكلم في المسرح، وفي الحياة. وفي أمور أخرى. وكان كلامه حياً. ومؤثراً. ذلك أنك عندما تكون أمام شخص يهدده المرض الخبيث، تحس وكأن كلامه، بمثابة الوداع. ربما لن نلقاه (أو لا يلقانا مَنْ يعرف، في العام المقبل. ربما سيكون احتفاله الأخير بعيد ميلاده. ربما ستكون مشاركته في الندوة الفكرية من ضمن مهرجان القاهرة المسرحي مشاركته الأخيرة. ربما ستراه للمرة الأخيرة. ربما ستسمعه للمرة الأخيرة. ذلك أن الحياة أحياناً نوع من الاحتضار. والمحتضر يحتفل بموته بقدر ما يحتفل بحياته، خصوصاً بين أصحابه. ورفاقه. وزملائه. وكان أيضاً أن اشتركت معه في ندوة على التلفزيون المصري حول المسرح في اليوم التالي. وتكلم. وشرح. وأسهب. لم يرد أن يوجز لكي يفسر إيجازه بأنه وهن أو ضعف. وهذا ما فعله عندما تقاعد من مناصبه الرفيعة. بقي في المعترك. وبرغم مرضه. تقاعد من العمل يعادل أحياناً تقاعداً من الحياة. فهو كان مسؤولاً عن معرض الكتاب العربي في القاهرة. معرض كبير. عربي. مكان للحوار، واثارة المسائل الحساسة التي ربما لا تقال خارج "حرم" المعرض. ترك المعرض. وكان مسؤولاً عن "هيئة الكتاب"، الانجاز المهم على صعيد إصدار الكتب والسلاسل. ترك الهيئة. إذاً كان سمير سلطة. وسلطة فاعلة على الساحة المصرية. سلطة ثقافية على قدر ما هي سلطة سياسية بالمعنى العمومي. وفي الموازاة كان يكتب. ويصدر مسرحاً ودراسات وترجمات. حاول أن يجمع بين الوظيفة والكتابة. بين المسؤولية ومعادلة المساهمة في الحياة الثقافية. كان في كل هذا، وأحياناً كثيرة، مثاراً للجدل. بين خصومه وبين أصدقائه. دائماً كان ثمة إشكالية في سياسته سواء المتعلقة بمعرض الكتاب (لم يسمح بمشاركة اسرائيل في المعرض. وهذا يحسب له)، أو بهيئة الكتاب والسلاسل... لكن، برغم ذلك، فقد نجح في جعل المعرض ذا موقع، والهيئة ذات تأثير ودور، وإزاء هذه الاشكاليات، والمناحي النقدية القاسية اتجاهه. كان يرد بالحوار. كان يرد بامتصاص ما يُثار ضده حتى الشخصي منه. كان سمير إذاً في قلب الثقافة المصرية، ومن مهندسيها، وأهل القرار فيها. ومن الطبيعي، أن يكون الشخص الذي يتولى هذه المسؤوليات الكبيرة، من ضمن النظام. وهذه حال كل المسؤولين الثقافيين الأساسيين في الأنظمة العربية وغير العربية. التميّز هنا، في مدى خدمة المسؤول الثقافة والمثقفين. وهذا ما فعله سمير، مع ذكر كل الاشكاليات التي أثيرت حول خططه وسياساته وممارساته، سلباً وإيجاباً. لكن، الى كل هذا، لا يمكن أن تنسى سمير الانسان. حيويته، حبه للحياة، صداقاته، علاقاتها، كان شخصاً مفعماً بحبه لأصدقائه. وفياً لهم بكل ما تعني العبارة. يعشق الليل. وصخبه وحميميته وسهره. يعرف كيف يعيش. ويعمل. وكيف يوازي بينهما. يشتغل على عدة أمور معاً. كيف يرصد لخصوصيته حيزها الخاص، وللعلاقات المهنية والثقافية والوظيفية حيزها العمومي أيضاً. فهو خاص جداً، حميم جداً، وعمومي جداً. يعرف كيف يُفرد لكتاباته المسرحية أو النقدية أو الترجمات مساحتها، وكيف يواصل نشاطاته في الهيئة العامة، على امتداد بعد الظهر. وإذا زرته هناك، حملك المنشورات، على قدر ما تستطيع حمله. من إصدارات الهيئة، ومن دون تمنين. وهذه الناحية تعكس في شخصه صفة واضحة للمقربين منه وأقصد الكرم. الكرم المعنوي. والكرم في الصداقة. والضيافة.
رحل سمير سرحان، وما زالت في ذاكرتي اللقاء الأخير معه: في المقهى الموجود في مبنى المجلس الوطني للثقافة الذي يرئسه الصديق الدكتور جابر عصفور. هناك التقينا: سمير، ويوسف العاني، ووليد إخلاصي، وسعد اردش وجواد الاسدي... وكذلك الصديق الكبير الراحل منذ أسابيع، المخرج العراقي عوني كرومي. ولكم تأثرت وأنا أقلب بعض الصور، لأكتشف أن الراحلين سمير سرحان وعوني كرومي، جلسا الى جوار بعضهما، في الصورة، وكأنهما يستعدان للرحيل تقريباً متجاورين. سمير أول من أمس، وعوني من بضعة أسابيع. صورة مؤثرة. صورة وداع لصديقين عزيزين. في تلك الجلسة التي انضم إليها كذلك محمود أمين العالم ود. أحمد سخسوخ، كانت صباحية، سبقت إحدى الندوات التي شاركت فيها سمير. صورة. وندوة. وجلسة. وأصدقاء. واثنان بقيا في الصورة... وغادرا الكادر الآخر. كادر الحياة.
لقد غادرنا سمير. وقبله عوني. وقبلهما محمد الماغوط وعصام محفوظ، والفريد فرج، وممدوح عدوان... غادروا المسرح، وهم من أهله. غادروا المنصة والكواليس والصالة... ليمضوا ربما الى ما هو المسرح الدائم... مسرح العدم، والموت والعبث. لكن كلهم، تركوا فينا من إيماءاتهم، ومن كلماتهم. ومن نصوصهم (وحتى من صمتهم) ومن صداقاتهم، ما يجعلهم باقين في كل مسرح عربي، وفي كل نص مسرحي، وفي كل عبارة شعرية، وفي كل ما يشعرنا بأنهم كانوا موجودين فينا...
ودائماً يا صديقي سمير. كنت أنتظر، أن ألقاك، ككل عام، في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، وفي احتفال عيد ميلادك، في بيتك، وفي المقهى، وفي الندوات... فيا للأسف، سأبحث عنك في المهرجان ولن ألقاك. وفي الندوات ولن أصغي الى مقدماتك وآرائك، وحضورك.
ودائماً، ومن خلال وداعك، نودع من جديد كل أصدقائنا الذين رحلوا... مبكراً ومبكراً جداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00