8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الانتخابات والديمقراطية في الكويت ولبنان وفلسطين

الانتخابات التشريعية الكويتية نُقلت بتفاصيلها، ووقائعها، منذ فتح صناديق الاقتراع، وحتى إغلاقها، على العديد من الفضائيات العربية، تماماً كما حدث في الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة، بعد سقوط النظام الأمني المشترك. وبين عمليتي الانتخابات في الكويت ولبنان، تمت الانتخابات التشريعية في فلسطين المحتلة، وفازت حماس بمعظم المقاعد. إذاً ثلاثة انتخابات ديموقراطية وفي مساحات زمنية متقاربة أوصلت مَنْ صَوَّتَ له الناس، تمت في ثلاثة أقطار عربية.
في الكويت النكهة الطاغية كانت في مشاركة المرأة وللمرة الأولى وبكثافة نسبية، بعد نضال طويل ساهم فيه بعض القوى المجتمعية الحيّة، تأكيداً على ضرورة أن تنتخب الكويت كلها، وليس فقط الشريحة الذكورية. فالمرأة حضرت (وإن توقع بعضهم إقبالاً أكبر من قبل المنتخبات). وهو مفتتح. ودرب جديدة، قد تكون أيضاً شاقة، عبر اكتمال مشاركة المرأة، بترسيخ أكبر لدورها.
هذا الدور المنتظر، والمتوقع في عموم المجتمع المدني الكويتي، بفاعلياته المتعددة، وبنشاطاته المتنوعة، سواء في التربية، أو في الثقافة، أو في السياسة أو في الاقتصاد، وفي سائر الأطر المجتمعية الأخرى. وغني عن القول، ان هذا الانجاز، في بوادره الأولى، نتيجة تراكمات حققتها المرأة في مختلف الميادين. صحيح أنها المرة الأولى التي تذهب فيه المرأة الكويتية الى صناديق الاقتراع، ولكن المرأة الكويتية، ونسبياً طبعاً، لعبت أدواراً مهمة، وطليعية، ومتقدمة وإبداعية في الأدب والشعر والمسرح والصحافة والاعلام والتعليم. فهل اكتمل الدور الآن بهذا "الاقتحام" الشرعي عبر تشريع حرية الاقتراع؟ قلنا انه مفتتح. ولكن ولكي يتنامى هذا الانجاز فلا ينحصر في الأداء بالصوت النسائي للرجال، ومن دون تبادلية ندية، على المجتمع نفسه أن يحمي اكتماله. فالمسألة ليست مسألة "تشريع" فقط. وإنما أيضاً استجابة المجتمع لهذا التشريع، وتجسيده، بحماية المرأة أولاً، لأنها جزء أساسي منه، وحماية حضورها بتفعيله، واعتراف هذا المجتمع ككل بأهمية الجزء المكمل له. فالانتخابات التشريعية الكويتية (على ديموقراطية أدائها) كانت فيما مضى ناقصة. وعلى المجتمع المدني نفسه بفاعلياته، وقياداته، وظواهره، وأفكاره، ومثقفيه، ومفكريه، أن يعترف بأن كل العمليات الانتخابية التي تمت، كانت ناقصة، وان هذا النقصان قد لا يعوض، إذا بقيت ذهنية التهميش للمرأة سائدة عند بعضهم. بحيث لا يتحول هذا الانجاز التاريخي الى "حدث" عادي، أو الى ظاهرة فولكلورية موسمية. فالخطوة الأولى في رحلة الألف ميل قد خطاها المجتمع الكويتي بضم المرأة الى موكبه. ولكنها تبقى خطوة في رحلة من ألف ميل، شاقة ولكن أيضاً خلابة. شهدنا إذاً، وعلى الشاشات، انتخابات عربية، تمت بسلاسة، وهدوء، من دون "بلطجة"، أو مخابرات، أو فرض، أو عنف. ذلك أن المجتمع الكويتي توَّج "سلميته" و"مدنيته" بهذا الانجاز الذي نتمنى أن يكون أيضاً إضافة الى الديموقراطية، كمشروع مستقبلي لا ينتهي.
أما الانتخابات اللبنانية، فنكهتها أخرى. فقد كانت هي الأولى أيضاً ولكن بعد تداعي النظام الأمني الوصائي، وبعد انتفاضة الاستقلال. الأولى منذ ثلاثين عاماً، من دون إرادة أو إرادات خارجية، وتدخل وفرض ودائع وتهديد وتزوير. هي الانتخابات الاستقلالية الأولى بعد ثلاثة عقود من البدائل أي الانتخابات التي اختار فيها الشعب، وبحرية، وبديموقراطية، برلمانه، ومن ثم حكومته، يحكم فيها اللبنانيون، أخيراً، أنفسهم، بعد ثورة 14 آذار. ونظن، أن هذه الانتخابات، هي أيضاً مفتتح، تحاصرها عوامل ومعوّقات كثيرة، أفدحها، محاولة نظام الوصاية، وفلوله، وظواهره، المتبقية، عرقلة مفاعيل هذه الانتخابات التي أفرزت الأكثرية. بل ان بعض الأقلام الاعلامية، و"العقول" السياسية، والظواهر "المرضية" (الفاشية) تصور أن كل ما تم، إنما هو "انقلاب". يعني أن العملية الانتخابية الديموقراطية الشعبية تؤدي الى انقلاب، في الوقت الذي يعتبرون فيه أن المنحى الانقلابي العسكري في بعض النظام العربي... ديموقراطي ويؤدي الى ثورة، عندنا الشعب انتخب نوابه. والنواب سموا الحكومة. أي الشعب يختار الحاكم، في الوقت الذي يختار فيه الحكام "شعبهم"، وينتخبونهم. والبدعة التي يلجأ إليها المنهزمون (وغير المنهزمين) أن هذه الأكثرية "وهمية"، وأنهم أي الأقلية الأكثرية الحقيقية! إنها الفاشية الخالصة! وتكتمل الصورة عندما نعرف أن بعض النظام العربي الذي لم يعرف شعبه انتخابات ولا مَنْ يحزنون، ولا حرية ولا مَنْ يحزنون، ولا ديموقراطية ولا مَنْ يحزنون، ولا حتى أكثرية ولا أقلية ولا معارضة ولا موالاة، عندما نعرف أن هذا النظام وراء ترويج فكرة الأكثرية "الوهمية" في لبنان لتبرير محاولاته في تدمير الانجاز الديموقراطي، وروح الحرية التي انبثقت من 14 آذار. إذاً تشكيك من الخارج الاقليمي، بأي احتمال لقيام ديموقراطية شعبية مباشرة في بلاد الأرز. إذاً، عدم اعتراف من قبل نظام الوصاية بالشعب ككل، وبإرادته، وبوعيه، وبحسه المدني، وتراثه الحي، ودوره الطليعي. ذلك أن نظم القوة والطغيان لا يمكن أن تعترف بعدوها الأول أي الارادة الشعبية الحرة. عدوها القاتل!
فمن عدم اعتراف نظام الوصاية بشرعية الارادة المجتمعية المدنية اللبنانية، عبر ما تحقق من انتخابات وحكومة، وخطاب ديموقراطي وحالة سياسية مستعادة، ننتقل الى فلسطين، هناك تمت انتخابات صَوَّت فيها الفلسطينيون لحماس ففازت بأغلبية المقاعد. وكان لها أن تؤلف الحكومة من أعضائها. أي من ضمن الارادة الأكثرية التي أفرزتها نتائج التصويت. وهناك أيضاً مَنْ رأى أن هذه الأكثرية وهمية (نتذكر الانتخابات الجزائرية التي فاز فيها الاسلاميون). وعلى هذا الأساس، ومن ضمن هذه الذريعة، على هذه الأكثرية ألا تحكم. وعلى هذا الأساس، رفضت اسرائيل وأميركا وبعض الأطراف الاعتراف بشرعية الحكومة التي شكلتها حماس. وسواء كنا، مع حماس أم لم نكن معها، فالشعب الفلسطيني هو الذي انتخب... وليس نحن. والشعب الفلسطيني هو الذي اختار. وليس نحن. وبغض النظر، عما إذا أخطأ أو أصاب، فهو الذي قرر. وعدم الاعتراف هذا، الداخلي والخارجي، كان من الطبيعي أن يؤدي الى ما وصلت إليه الأمور الآن، من صراعات دموية فلسطينية داخلية، والى الاعتداءات التي يقوم بها العدو الصهيوني على الفلسطينيين، والمذابح التي يرتكبها بحق المدنيين. واللافت، أنه عندما كانت منظمة التحرير ممسكة بالسلطة عبر الانتخابات، كان التشكيك إياه. من قبل اسرائيل (لا تعترف بعرفات إلا إرهابياً وبعيداً عن الشراكة!)، ومن قبل بعض الشرائح ومنها حماس، عندما كان لها أن تنفرد خارج الأطر التشريعية الشعبية. اللعبة تتكرر. والأدوار تتبادل. والموقف الاسرائيلي واحد من "السلطتين"، ومن الحكومتين، ومن الشعب الفلسطيني الذي لا ترى في إرادته، ما يحملها على احترام خياراته. وهذا طبيعي. فكل القوى الاستبدادية، سواء كانت عدواً (الصهيونية) أم شقيقاً أو شقيقة... لا تعترف إلا بالقوة، مشككة بالمجتمعات المدنية كلها! وإذا كنا نفهم جيداً موقف العدو الصهيوني من كل سلطة فلسطينية، أو من الشعب الفلسطيني كله، وإذا كنا نفهم أن العدو الصهيوني بنى استراتيجيته العدوانية كلها على تعطيل أي إنجاز فلسطيني، ديموقراطي أو مدني، أو اجتماعي، أو سياسي، أو وطني، عبر تشكيكه بكل شرعية نضالية، وبكل شرعية شعبية، وعبر تعطيله بوسائله الفاشية المجرمة، كل محاولة لنهوض الدولة الفلسطينية، إذا كنا نفهم هذا الموقف المعادي عن عدو، فإننا لا نفهم، كيف يلعب الدور ذاته مَنْ يفترض أنه الأخ والقريب في لبنان: اسرائيل لا تريد انتخابات حرة في فلسطين لكي لا تبدد هذه الانتخابات الصورة المشوهة التي رسمتها عن الشعب الفلسطيني في داخلها وفي أرجاء العالم. هذا طبيعي! لكن ما هو غير طبيعي أن يعمد نظام الأخوة والأهل والقربى والقومية والعروبة، الى محاولة تشويه صورة الشعب اللبناني، في داخل بلاده، وفي أرجاء المعمورة، بتصويره شعباً "متوحشاً"، طائفياً، عاجزاً عن حكم ذاته، وعاجزاً عن اختيار حكومته، وعاجزاً عن تحمّل أعبائه... وعاجزاً عن "إنجاب" أكثرية ديموقراطية في انتخابات ديموقراطية! وإذا كانت اسرائيل لا تعترف بحدود دولة فلسطين ولا حتى بفلسطين كلها، وهذا مفهوم من دولة قامت على اغتصاب الأرض، والتاريخ، باعتبار حدودها مفتوحة عبر ايديولوجيتها التوراتية الداعية الى قيام اسرائيل الكبرى، ابتداء بفلسطين، (أُجهضت هذه "النبوءة التوراتية والحمدلله!)، إذا كانت اسرائيل على هذا الموقف الاغتصابي الصافي، فكيف نفسّر موقف الشقيق، والرفيق، والقريب، والحبيب من عدم "اعترافه" بحدود لبنان، وبرفضه ترسيم الحدود، وبنفيه "الضمني" الكيانية المستقلة المتجسدة بقيام دولة قوية تبسط نفوذها على كل الأراضي اللبنانية "المعترف بها" دولياً! وإذا عدنا الى الانتخابات وإفرازاتها، فمن الطبيعي ألا يعترف نظام لا يعترف بكيانية لبنان بنتائج ليست لمصلحته، أي تعبّر عن إرادة لبنانية استقلالية. الحس الديموقراطي، الاستقلالي، الوطني، هو الذي يغيظ ويزعج كل طرف خارجي، يريد أن يحافظ على نفوذه في أي بلد آخر. وهذا ما لمسناه، عندما أخافت الديموقراطية المستعادة في لبنان، والوطنية المستنهضة، والاستقلالية المظهرة، كل الذين يريدون أن يبقى هذا البلد سائباً مسيباً، ومقسماً، ومشطوراً، ليبرروا كل تدخل، أو وصاية، أو عملية "إنقاذ" مزعومة له. والمحزن أن هؤلاء الذين يرفضون الاعتراف بكيانية لبنان وبإرادة ناسه، وبحدوده، لم يعترفوا، أصلاً حتى بإرادة ناسهم... ولا حتى بحدودهم التاريخية.
ولكن برغم كل ما يشوب الوضع في فلسطين وفي لبنان، وبصرف النظر عن النتائج الانتخابية في الكويت، يبقى أن نقول ان التاريخ في هذه البلدان الثلاثة لن يعود الى الوراء. فلا لبنان سيعود مستتبعاً بنظام استبدادي مخابراتي ولا هو سيتخلى عن ديموقراطيته المستعادة، وعن حدوده كلها؛ ولا الكويت ستعود الى الوراء، لأن هذه الانتخابات الأخيرة تقوي المناحي الديموقراطية، في اتجاه تعزيز المشاركة المكتملة لكل مكوّنات المجتمع بما فيه المرأة، ولا فلسطين ستعود الى الوراء... وإذا كان الشعب الفلسطيني اختار بإرادته حماس، فهو، حتماً، سيقرر بنفسه إما أن يبقيها... أو يخلعها، أو يجدد ثقته بها، أو يخذلها... في انتخابات أو أداءات ديموقراطية مقبلة!
التاريخ العربي بدأ، بعد 50 عاماً من النظم الاستبدادية، يتقدم... ولو شاب تقدمه بطء، أو تعرجات. يتقدم باتجاه أن يختار الشعب مَنْ يمثله من الحكام، لا أن يختار الحكام الشعب ومنتدبيه!
وإذا كان لكل شيء ثمن في هذا العالم، فثمن الديموقراطية والحرية، والاستقلال أفدح الأثمان وأثمنها، وأبهظها... وأعظمها!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00