8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

30 عاماً على رحيل الشاعر اللبناني الكبير أمين نخلة

غاب أمين نخلة في العام 1976 في بدايات الحرب.وفي تلاويح خرابها وجنونها، رحل وحيداً. ليغيب وحيداً أيضاً. هذا الشاعر الكبير، والناثر الكبير، واللغوي الكبير، الذي كتب القصيدة "الأنيقة"، ذات "الديباجة" المتجددة، والنثر الذي افتتح أفقاً جديداً، هذا الكبير لا يجد من يتذكره اليوم. ولا من يجمع كتبه ومؤلفاته. وإذا عرفنا أن مكتبته الغنية قد أتلفت، وأن مخطوطات له عديدة، قد فقدت، وأن مؤلفاته، لا أحد يعرف أين صارت، يكتمل المشهد الدرامي، القاسي، لأحد شعرائنا الكبار. ذلك، ولأنه، ليس من عشيرة تتبناه، ولا في دولة تقدر ما أنجز، ولا من طائفة تحتضنه، فقد ذهب وحيداً، إلاّ مع شعره، ومع عزلته. أوليست جريمة لا تغتفر أن تندثر أعمال أمين نخلة في اللغة، والنثر، والثقافة، والشعر، وكأنها بلا أثر؛ أين المثقفون والدولة، ووزارة الثقافة، والمؤسسات؟ كيف يمكن أن يهدر نتاج كنتاج أمين نخلة أحد المؤسسين الكبار للقصيدة الحديثة، وللنثر الحديث. كيف تمضي أعوام ثلاثون على رحيله ولا من يفكر، ولا من يخطر له، أن يبحث عن إنجازات هذا الكبير. إنها صرخة وأكثر نطلقها، ونوجهها الى المعنيين من أهل الثقافة، لأخذ مبادرة "البحث عن أمين نخلة" هذا الذي تربينا على شعريته، وعلى نثره، وعلى قامته العالية؟
أمين نخلة، في الحركة الأدبية اللبنانية والعربية، له موقعه المتفرد، ووقعه الخاص، وعالمه تتنسمه ولو من بعيد، وتستشفه من فضاء "صاح"، ومن ذهن منقشع، ومن لغة صافية مصفّاة مطهرة مقطّرة كأنما من انبيق هنا. منحوتة كأنما بإزميل خفي، دقيق هناك. يعرف كيف يحذف بقدر ما يعرف كيف يقطف، ويختار، بإرهاف شعري قلما وقعنا على مثيله في الموزون العربي، وربما في غير الموزون.
إنه وارث اللحظات "اللغوية" العالية في الشعر. وارث مخزون "عبيد الشعر"، في التراث العربي، من أيام زهير المتأمل في اللغة وفي العالم، ولبيد ذي المناخات المظللة في المجاز، وأبي تمام ذي الضربة المغردة، والصيغ المفاجئة، والمتنبي ذي القصيدة المنسوجة، المركبة، المجدولة بوشائجها الداخلية، وإيحاءاتها الخفية؛ وهو وارث النثر العربي في قطوفه الأبهى والأصعب منذ "نهج البلاغة" الى عبدالحميد الكاتب والجاحظ.. وعبدالله بن المقفع.
فهو من إلفة ذلك الخزين، ومن وريفه، يستل "ديباجته"، وينحت حجارته من مقالعه، ويصوغ جواهره من ذهبه وفضته.
على أن "الأمين" وبقدرة الشاعر على تفتحات أوسع، وعلى مهارات وتجارب أعم، عرف كيف يفتح عينيه وقلبه وذهنه على الخزين الغربي ولا سيما الفرنسي، فأصابه منه هبوب ولفح من بودلير (القصيدة السوداء)، الى ألفونس دوديه (المفكرة الريفية)، وإلى البرناسيين أمثال لوكونت دي ليل وهيريديا وفرانسوا كوبي، من دون أن ننسى بعض الرومانطيقيين والرمزيين.
لكن أمين نخلة، على الرغم من أن البعض ومنه صلاح لبكي وأنطون قازان رأيا أنه متأثر بالبرناسية، والبعض الآخر أنه متأثر بالمسحة البودليرية (وإن ملتبسة)، فإنه، في العمق، بقي خارج المدارس المقننة ذات المواصفات والقوانين والتحديات المرسومة، حتى عندما احتدمت "المعارك" بين ذوي الاتجاهات الرومانطيقية كالياس أبو شبكة والرمزية متمثلة بأديب مظهر (كرائد لها قصفه الموت قبل إتمام تجربته) ويوسف غصوب وخصوصاً سعيد عقل، بقي هو على الهامش. فهؤلاء وهم من كبار الرواد، حاولوا تبنّي بعض المناخات والتنظيرات المتصلة بمفاهيم الشعر الرومانطيقي والرمزي، فصنف بعضهم في الخانتين: سعيد عقل في الرمزية وإن كانت نسبته الى الرمزية في حاجة الى مراجعة، وأبو شبكة في الرومانطيقية. وهنا برزت الاختلافات في النظر الى القصيدة، لتعكس الاختلافات الفرنسية والأوروبية حولها، فالرومانطيقيون (وخصوصاً أبو شبكة) يرون أن الشاعر مجرد وسيط يتلقى القصيدة (بالوحي) كاملة ناجزة تماماً كما يخرج الوليد من أحشاء أمه، وليس على الشاعر أن يتدخل في عملية "الخلق" التامة هذه. "فالوحي" الآتي من "ربات الشعر" ومن ملائكته ومن "شياطينه" أيضاً، لا يحتاج الى "أي" اعتداء يقوم به الشاعر عبر الصنعة أو الشغل أو التعديل أو التغيير، وكلنا يعرف أن الياس أبو شبكة هاجم بول فاليري واتهم بعض الرمزيين وكان يقصد تحديداً سعيد عقل، بالتقليد وباستيراد الأفكار والتجارب، وفي هذا الإطار وصف سعيد عقل، ومن يسعى الى صناعة القصيدة أو صوغها أو نحتها.. بالنجارين.
الرمزيون
الرمزيون، في المقابل، أطلوا من الضفة الأخرى، أي من ضفة فاليري وفرلين مع سعيد عقل ومن ضفة ألبير سان وبودلير مع أديب مظهر ويوسف غصوب.. ومارسوا عملية "ذهنية" أو فكرية، أو واعية على القصيدة، باعتبار أن "العفوية" غير موجودة، وأن على الشاعر أن يزيل عامل الصدفة (ولو موضوعية)، فتكون القصيدة منتوجاً مادياً أو نحيتة أو "جوهرة" تلمع في كل أطرافها؛ أما الناحية الأخرى المهمة التي اكتسبها رمزيونا من الفرنسيين فهي التعبير بالإيحاء، وبخلق مناخات دالة وموحية تشير الى الحالات التي تكوّنها كيمياء اللغة بطريقة غير مباشرة. وهنا إحالة على رامبو حيث الإيحاء عنده بالصورة، وكذلك الى مالارمه حيث الإيحاء يتم عبر صهر الصورة بكيميائية لغوية مكثفة، وإلى فاليري حيث يتم ذلك عبر "اللغة داخل اللغة"، خصوصاً أن شاعر الفرنسيين استفاد من مختلف التجاربالمذكورة ولا سيما من مالارمه وفرلين.
فأين نضع أمين نخلة من هذه المعمعة، وهذا التصادم بين المفاهيم واللغات، وهذه الخصومات "الجمالية" في التعاطي مع القصيدة؟ إن وضع البعض أمين نخلة في لائحة البرناسيين غير دقيق، ومن دون أي انتماء البرناسيين في بعض جوانب التعاطي مع لغة مشغولة، مادية (وهذا من ارث الكلاسيكيين الفرنسيين)، موضوعية، واضحة، إلا إنه يختلف معهم عميقاً من حيث غنائيته العالية والحميمة معاً. ومن حيث تجاوز اللغة الدقيقة عنده إلى ما يشبه كيميائية مظللة مفتوحة على دلالات نفسية وشعورية وكذلك ذهنية غير محددة. وهنا بالذات يلتقي "رمزية" بودلير الموشحة بمناخات ووريف، ورمزية فرلين "المائية" الملتبسة، لكن من دون التوصل الى مجاراة مالارمه في لعبته "الصعبة" والمركبة، ولا فاليري في ملحميته الداخلية التراجيدية.
فأمين نخلة قابل هذه التجارب الغربية (الفرنسية) بانفتاح محسوب، معتدل، كمن يقطف من الحديقة من خارج سياجها، أو كمن يتنشق عبقها من بعيد، فلهذا نجد عنده التماعات من بودلير، وأجواء من فرلين، وآثاراً من البرناسيين، لكن من دون أن يشكل أي منها في شاعرنا "نصاً" كاملاً، أو نموذجاً يحتذيه، او فكرة جاهزة يحاول أن يجسدها في القصيدة.
الموروث
لهذا قال عنه صلاح لبكي في كتابه المهم "لبنان الشاعر" في سياق كلامه على شعراء تلك الاتجاهات، انه "على حدة".
ونعتقد ان تشرب أمين نخلة من الموروث العربي القديم، وعلاقته العضوية به، وقراءاته الواعية المختزلة لمتونه، جعلت شاعرنا يميل الى ذلك الموروث ميلاناً راجحاً من دون أن يفقد صلاته "بالجديد" الفرنسي (الذي كان في الاربعينات من قديمه خصوصاً عندما نعرف أن السوريالية وقبلها الدادائية كانتا سلمتا كل مفاتيحهما وشحبتا...) في نهاية العشرينات، فجديدنا في تلك المرحلة كان من قديم الفرنسيين أو على الأقل من متاعهم "المضبوب" في الخزائن امام هجمة الدادائية والسوريالية.
وعلينا هنا الا نعتبر هذا الميلان الى الماضي وكأنه انتساب كلي اليه، او تماه عمومي به، فأمين نخلة يبقى من كبار المجددين في القصيدة العربية الحديثة، ومن كبار صائغي مقولة "الفن الصعب" و"الغموض الضروري في الشعر".
واعادة قراءته بتأن تكشف الى أي مدى نفخ في "الديباجة" القديمة روحاً جديدة، مطلة على اللغة كمعطى اولي لا بد للشاعر من أن يعجنه من جديد، ويصوغ علاقات غير مألوفة في نسائجه وعلاقاته، ولهذا يمكن التمييز بوضوح مثلاً بين لعبة البحتري الجمالية وبين ضربة أمين نخلة، لا للمفاضلة ولكن للتمييز، تماماً كما يمكن التمييز بوضوح بين لعبة أبي تمام وضربة سعيد عقل. اذاً هناك مسافة ما بين القديم كمخزون، هي مقطوف وبين الجديد كصائغ لهذا المخزون صوغاً "مختلفاً" ومضيفاً اليه شيئاً من إرهاف آخر هو في النهاية ارهاف الشاعر الثري والشفيف.
من هذه الشفافية المتعددة صاغ أمين نخلة شعره ونثره معاً اللذين منحاه صفة "الجوهرجي" والصائغ، الذي ينحت المفردة ويُطرب الايقاع، ويشرع المتن على التباس حي، وأحياناً على غموض غير مركب أو معقد أو لغوي بارد، أو تجريدي "عقلاني". كما نجد أحياناً كثيرة عند سعيد عقل.
هذا الجوهرجي البارع، والماهر، مروض اللغة، يعرف كيف يشتغل في دقائق العلاقات، "بصحو لامع":
كأن الصحو يلمع في ظنوني ويخفق في ضلوعي الف غصن. ومن هذا "الصحو" يدقق في تتبع التفاصيل لكن على اقتصاد في العناصر:
"آمنت بالتدقيق والضبط
يا واضع الخط على الخط.
وهي تفاصيل يومية معيشة، ولعله بحق شاعر تفاصيل اتبعه نزار قباني ولكن على غير لغة وعلى غير معدن. ومن "عناوين قصائده "العقد الطويل"، "المشط"، "الأظافر" "المناديل"، "الشفة".
لكن هذه التفاصيل كسواها، تكتنز تلك الكيميائية التي توحي بها كحالات او كأجواء:
وعلى مسقط القميص الى الخصر
وعند انفلاته جهد مجهد
او
الف غصن في الف غصة غصن
وقيام مع الغصون ومعقد.
من هنا يمكن القول ان التعبير المادي الموروث عن (البرناسيين) يتجاوز ماديته الى اشارات تثير مكامن او ايماءات. وأحيانا يطل على التجريدي:
ان الظلام المرتمي لجة
اعمق غورا من ضمير الفناء
وأحيانا يكون طقسا خاصا من الحالات:
ما أكثر الدمع والعويل
في دوحة خلفها الهديل
يا امة الشوق: اي فقد
قام به حزنك الطويل.
كأن هذه القصيدة من احزان فرلين
على ان أمين نخلة الذي لا يغرق لا في الرمزية ولا يبالغ في التأويل، يعتمد البوحية احيانا ولكن برشاقة واناقة وجمالية.
قريبة: اي بوحية بلا تبسيط:
كأن في دله ومشيته
غصنين جاءا وثالثا قصر
أو
في شفتيه من وهم عضهما
ورد يعرى وفستق يقشر
أو
أمشي وتمشي جدتي
في ثقل، ومهلة
أنا أجاري ضعفها
وهي تجاري قوتي
من هذه البوحية القريبة يمكن ان نقارب عدداً لا بأس به من قصائد المناسبات عنده وهي موفورة بالنسبة الى مجموع قصائده التي جمعها في "الديوان الجديد" (صادر عن منشورات الكتاب اللبناني في بيروت العام 1962). وفي هذه القصائد المناسبية تزدوج لغة أمين نخلة بين خضوع لمتطلبات هذا النوع، وبين تفرد خاص به، اذ ينزع عنها المواصفات الخطابية الفضفاضة، ويمتهن في صوغها براعة مبتكرة.
وكما برز نخلة في القصيدة الموزونة برز في نثره العالي، المتجدد، الذي يعتبره البعض افضل ناثري العربية منذ الجاحظ، بل ويرى البعض ان شعرية أمين نخلة مكتنزة ومعبرة في نثره اكثر مما هي في موزونه (تماما كما قيل عن جبران مثلا). فمن "المفكرة الريفية" الى "في الهواء الطلق" الى "ذات العماد".. تطلع كتابة نثرية لا تختلف كثيرا في تقنياتها عن قصائده، من حيث التطرف اللغوي، والصفاء، والتقطير، والنحت، والجمالية التي تدهش. فكأن أمين نخلة واحد في شعره وفي نثره وفي مقالاته، صائغ واحد يصوغ باصابع مرهفة ودقيقة وحية وانيقة.
انه من كبار شعرائنا.. ومن أكثر المغبونين.

من شعره


الحبيب الأول
أحبك في القنوط، وفي التمني،
كأني منك صرت، وصرت مني!
أحبك فوق ما وسعت ضلوعي،
وفوق مدى يدي، وبلوغ ظني.
هوى مترنح الأعطاف، طلق،
على سهل الشباب المطمئن.
* * *
أبوح إذن، فكل هبوب ريح
حديث عنك في الدنيا، وعني.
سينشرنا الصباح على الروابي،
على الوادي، على الشجر الأغن.
أبوح إذن، فهل تدري الدوالي
بأنك أنت أقداحي، ودني؟!
أتمتم باسم ثغرك فوق كأسي،
وأرشفها، كأنك، أو كأني...
* * *
نعيم حبنا، فانظر بعيني،
وعرس للمنى، فاسمع بأذني،
كأن الصحو يلمع في ظنوني،
ويخفق في ضلوعي ألف غصن.
على الوتر الحنون خلعت شوقي،
وماج هواي في آه المغني.
ففي النغم العميق إليك أمشي،
وأسلك جانب الوتر المرن...
القصيدة السوداء
شُهرت هذه القصيدة بهذا اللقب، فأبقي لها هنا.
لا تعجل، فالليل أندى وأبرد،
يا بياض الصباح، والحسن أسود!
ليلتي ليتان في الحلك الرطـ
ب، فجنح مضى، وجنح كأن قد...
وكأني على الغصون، من الليـ
ن، وهز الثمار، ما تتأود.
في النسيم العبيق، في النفس الحلـ
و، فيا طيب مسكة تتنهد!
ست: نحن العبيد، في مجدك الأسـ
ود، أهل البياض، نشقى ونسعد.
من حوالي فرقيك، في مسحة الطر
ة، شيء كأنه يتوعد.
وعلى مسقط القميص، الى الخصـ
ر، وعند انفلاته جهد مجهد.
يشهد اللين، والملاسة، والزلـ
ق باني في غيرما متوسد.
ألف غصن في ألف هزة غصن،
وقيام مع الغصون ومقعد.
كان أولى لو كنت آخذ بالخصـ
ر، ولكن يكاد بالكف يعقد!
سلم الخصر، فهو ينحط بالحمـ
ل، وينآد حيثما يتأيد،
طولي، ليلتي، على المرمر الرخـ
ص، وفي اللمح من سواد الزبرجد،
وانزلي الآبنوس، في موسم العو
د، على مترع المناعم، أرغد.
مهرجان لنا، ونهزة سعد،
تحت ستر الدجى، وزاد مزود...

إلى بودلير
(عاش بودلير عليلاً، بائساً، وبقي شعره
خامل الذكر حتى قضى أجله، فأخرجوا،
يومئذ، ديوانه (أزهار الأذى)، فملأ اسمه
الدنيا...).
برد الفيء المندى شفتيك!
ولوى بالرفق، واللين، عليك!
أنت أشقى الخلق بالعيش، فخذ
راحة الموت بكلتا راحتيك.
مت مشتاقاً، كظيماً، ساهداً،
فأرح صدرك، واملأ مقلتيك...
أسرعت "أزهارك" اليوم، وقد
حمدوا الجني، وقد فآؤا إليك!
يا لها في الزهر من ريانة!
فكأن لم تسقها من مدمعيك...
أنظر الدنيا، تجدها أقبلت
تتمنى نفحة عن جانبيك.
ليت شعري، أي خزي يعتري
شعراء الأرض إن قاموا لديك!
أنا، لو بلغت، جئت القبر في
حرمة الموت، وقبلت يديك...
فم
أنا لا أصدق أن هذا
الأحمر المشقوق فم:
بل وردة مبتلة،
حمراء، من لحم، ودم.
أكمامها شفتان، خذ
روحي، وعللني بشم.
إن الشفاه أحبها،
كم مرة قالت: نعم...

مأتم الورد
فقدت الجنى، لم يسلني العطر بعده،
فها أنا أقضي العمر في مأتم الورد!
بنيت وأحبابي بناء مودة،
فيا حر صدري! كيف أسكنه وحدي...
فمن يبكي لنا...
نحن، أهل الود، من أهل الأسى.
أرضنا الشوق، ووادينا الضنى.
وجد الأحباب من يبكي لهم،
وغداً نمضي، فمن يبكي لنا...
الدوحة الباكية
ما أكثر الدمع والعويل،
في دوحة خلفها الهديل!
يا أمة الشوق: أي فقد
قام له حزنك الطويل؟
قد أثقل الغصن منك شجو
كاد به الغصن أن يسيل.
هذا ربيع أتى، بهيج،
فذا يغني، وذا يميل.
في كل فج، وكل واد،
ظل على أهله ظليل.
فشاطرينا، ولا تنوحي،
سرور أيامنا قليل.
هيهات إن صاح عندليب
يمهله الصبح أن يطيل...

الشلال
يراد بالشلال هنا: الموضع العالي في مجرى النهر، ينحدر منه الماء (ولا حرج في أن يقال شل السيل، أو النهر، ماءه، فهو شلال، وإن لم يرد في متن اللغة. فان العرب تقول: شلت العين دمعها، أرسلته. والعربية يقع فيها النقل لأدنى ملابسة).
طاول الهضب، يا عمود الماء،
وتمايل بالقامة الهيفاء.
يا أبا الأخضر المخطط في السهل،
كتخطيط معطف الحسناء!
يا أبا الأزرق المصفق في النهر،
لرقص الشعاع في الأفياء!
منة أنت من حياة، وخصب،
سقطت من عل على الأوداء.
تنسج الخصب للمروج وداء،
ليت لي منك فضل ذاك الرداء...
وأنا ابن الغمام، مخضوضر الذهن،
وإن كنت ساكن الصحراء!
(مقطع)
تذكار سيد درويش
في شاطئ البحر، في بعض الأطراف اللبنانية والوقت صيف، والشمس قد هبطت، كان صوت سيد يردد على الاسطوانة في "الدور" الشهير "أنا هويت وانتهيت". ذلك، وكان سيد قد قضى أجله قريباً، فقيلت هذه القصيدة:
يا واحد الفن، والآفاق مصغية،
حرى العشية، حمراء الأسارير:
اهتف، تجد شفقاً يمشي الى شفق،
معجل الخطو بين الوهج، والنور!
في الغيب منك جناحا طائر غرد،
مغلغل الصوت، خلف الحجب، مأسور.
أدرت عيني، فما زفا، ولا خفقا،
لما انطلقت، فأذني في فم الزور...
من لي بشدو سحيق، أنت مرسله
على ذرى غرف الولدان، والحور!
***
عاشت أغانيك كهفاً يستعاذ به
من الحياة، ومن صم المقادير،
وروضة غضة، خضراء، قد سقطت
ظمأى القلوب عليها كالعصافير.
يا ليت صيحة "آه" منك طوع يدي،
حتى أقول لها: طيري بنا، طيري...
(مقطع)

أعماله


في الأدب:
1 ـ كتاب المئة".
وهو مئة كلمة، اختارها المؤلف من "النهج" وعلق على الكلمة المختارة ما تحتاج اليه من شرح الامام السيد محمد عبده. في "مطبعة العرفان"، في صيدا، سنة 1931.
2 ـ "المفكرة الريفية".
الطبعة الأولى، معها "قصة الفردوس الأرضي". في "مطبعة الكشاف"، في بيروت، سنة 1942.
الطبعة الثانية، معها "المراسلة ا لمطرانية"، و"مناظرة لغوية في حرفين من المفكرة". في "دار الطباعة والنشر الشرقية"، في بيروت، سنة 1945.
الطبعة الثالثة، معها "قصة الفردوس الأرضي"، و"المراسلة المطرانية"، و"مناظرة لغوية في حرفين من (المفكرة)". في "المطبعة العصرية"، في صيدا، سنة 1954.
الطبعة الرابعة، معها "قصة الفردوس الأرضي"، و"المراسلة المطرانية"، و"مناظرة لغوية في حرفين من (المفكرة)"، و"أقوال الكتاب في (المفكرة)". في "مطبعة المطبعة"، في جونية (لبنان)، سنة 1961.
3 ـ دفتر الغزل".
الطبعة الأولى، معها "الخصوصيات"، و"الأخوانيات". في "المطبعة العصرية"، في صيدا، سنة 1952.
4 ـ "تحت قناطر أرسطو".
الطبعة الأولى، معها "حول القناطر"، و"بين الكرة والطست"، و"ملحق". في "مطبعة الجريدة"، في بيروت، سنة 1954.
5 ـ "كتاب الملوك".
معه "وجوه غائبة"، و"في سبيل الصواب". الطبعة الأولى، في "مطبعة دار الكتب"، في بيروت، سنة 1954.
6 ـ "ذات العماد".
الطبعة الأولى، في "مطبعة دار الكتب"، في بيروت، سنة 1957.
7 ـ "الديوان الجديد".
الطبعة الأولى (وهي هذه التي بين يدي القارئ)، في "مطبعة المطبعة"، في جونية، سنة 1962.
في اللغة:
1 ـ "كتاب الدقائق".
نقود وإصلاحات، وقد نشر أول مرة في مجلة "المشرق". في "المطبعة الكاثوليكية"، في بيروت، سنة 1944.
2 ـ "الحركة اللغوية في لبنان" في الصدر الأول من القرن العشرين. نشر أول مرة في نشرة "محاضرات الندوة". في "المطبعة الكاثوليكية"، في بيروت، سنة 1947.
الطبعة الثانية، معها "عصر الطآء". في "مطبعة دار الكتب"، في بيروت، سنة 1958.
في القانون:
1 ـ "أحكام الوقف" في الفقه والقانون.
(في ستة أجزاء) يحتوي المذاهب المعمول عليها، والفتاوى المعمول بها، والشرائع والاجتهادات العثمانية واللبنانية والسورية المحدثة. الجزء الأول، في "المطبعة المخلصية" (صيدا)، سنة 1938.
2 ـ "الصلح الباطل ورد بدله" على الشرع الإسلامي، والقانونين اللبناني والفرنسي. في "مطبعة الكشاف" في بيروت، سنة 1941.
3 ـ "مجموعة القوانين الطارئة".
عليها تعاليف للمؤلف، مهبة. في "مطبعة الكشاف"، في بيروت، سنة 1939.
في التأريخ:
"الأثارة التأريخية".
يدور على مخطوط "للأدهمي"، وعلى حوادث ونوازل لبنانية. وقد نشر أول مرة في مجلة "المشرق". في "المطبعة الكاثوليكية"، في بيروت، سنة 1945.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00