كأنما كان ممنوعاً أن تقوم عندنا دولة. على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، دأب كلُّ مَنْ كان له أن يطمح الى احتلال نفوذ، أو حضور، أو هيمنة خارجية، على محاولة تدمير بنية الدولة الجامعة، بمؤسساتها وأدواتها وتعابيرها. فقيام الدولة كان العدو الأول لكل ذوي الأطماع عندنا. وعليهم، إزاحة هذا العدو. وهكذا كان. وعندها، جاؤوا كلهم، لاستباحة ما بعد سقوط الدولة، في حروب ظاهرها طائفي، وباطنها الاستيلاء على لبنان، واستباحته، وتفتيته، وتحطيمه، وتحويله كرة بين الأقدام، وورقة بين الأصابع، وممراً دموياً لكل مَنْ يريد العبور. وعبروا كلهم على أنقاض الدولة. من أنظمة عربية الى غير عربية فالى اسرائيل... عبروا كلهم على حطام الدولة. إذ أن الدولة، بمفهومها الجمهوري، وبمؤسساتها المتعددة، إذا قامت، على الأصول الديموقراطية، فيعني انتفاء الحاجة الى ممرات عبور لأحد، وانتفاء الحاجة، الى مَنْ يأتي لكي يستقر تحت شعارات وتمويهات، وترهات.وعندما نقول جمهورية ديموقراطية، نعني أولاً وأخيراً، أن يكون كل شيء في مكانه. كل مكوّن من مكوّنات الدولة يقوم بوظيفته الجمهورية. وكل مؤسسة تدير شؤونها بحسب منطقها المؤسساتي، بحيث يكون استقلال بينها، تحت ناظم شامل هو الدستور المدني الذي يجدد الوظائف والحيثيات. وعندما ينتفي الدستور تنتفي الجمهورية، وتنتفي بذلك الدولة، لا سيما عندما تختلط المهمات وتتمازج الأمكنة، وتتبادل الدوائر والبنى الأدوار بطرق عشوائية فوضوية. وكان على النظام الأمني المشترك، (وبعد الطائف أي بعد انتهاء دور الميليشيات) أن يحاول الايهام ببناء الدولة، واستعادتها: أن تكون واجهة لسواها. أي أن تكون الدولة واجهة "للادولة". والمؤسسات أداة تدمير للمؤسسات. والجمهورية تمنع قيام الجمهورية الواحدة. لكي يظل البلد مجموعة هشة من الواجهات، قابلة في أي لحظة للانهيار، بحسب متطلبات ومصالح هذا النظام الأمني المشترك وسواه بالطبع. وعندما نقول "النظام الأمني" كما خبرناه وعانيناه وعرفناه، فيعني أنه يجب، وباستمرار، أن تكون الأشياء من ضمن مخططه الواعي والحاد والعنيف في غير أمكنتها. فالقضاء يجب أن يكون قضاءً بقدر ما ينتفي أن يكون قضاء مستقلاً عن السياسة، وعن الأوامر الخارجية. وعندها ينتقل القضاء بقوانينه وميزانه وقضاته ومحاميه من دوائر العدل وقصوره الى أقبية المخابرات، فهناك تسن القوانين، وهناك تصدر الأحكام. إذاً، القضاء لكي يكون قضاء، في الأنظمة الأمنية (الاستبدادية) عليه أن يكون تابعاً بهذا الجهاز، أو بهذا "القائد" أو بذاك المرجع. ويكفي أن نتذكر التمييزي المميز عضوم الراسم شارة الميزان العادل على عينيه وأضراسه، لكي نتذكر مرحلة طويلة، كان فيها القضاء مقضياً عليه، وخطراً على الحرية، والناس، وأداة في أيدي العملاء والمجرمين، وشذاذ "الأنظمة" ولصوص الأوطان.
وعلى هذا الأساس، ومن باب جعل الأمور في غير أمكنتها ونصابها، كان على الجيش اللبناني أيضاً ليكون جيشاً "وطنياً"، ألا يكون جيشاً أولاً. أن يكون مؤسسة مرعية الاجراء والأُجراء، على هامش الأجهزة الأمنية، وعلى هامش وظيفته وواجبه: حماية المجتمع، الابتعاد عن التسييس، والدفاع عن الحدود. كل الحدود. سواء كان على هذه الحدود عدو (كإسرائيل)، أو شقيقة كسوريا أو أي آخر. هذا الجيش بني بناء "جيداً"، وصرفت عليه المليارات، لكي لا "يُجَيَّش"، لكي يكون إما جيشاً "صالونياً" براقاً، أو جيشاً خاصاً (حرساً خاصاً، أو حرساً جمهورياً) يحمي كل شيء: النظام، والوصاية، والاستبداد، ما عدا المجتمع والحدود. تأملوا: كان (وما زال) ممنوعاً على الجيش أن يرتقي الى مستوى المواجهة. أو حتى الى مستوى ميليشيا أو مقاومة. فليكن احتياطياً. أو رديفاً. أو في المواقع الخلفية مع المصفقين، وعندها بالذات يكون جيشاً كامل الأوصاف الوطنية، والعروبية، والتقدمية، تماماً كما هي حال بعض الجيوش العربية، التي لزّمت بعيداً عن دورها الأساسي: حماية الحدود (لا العدو) والدفاع عن "سياج" الوطن. إذاً، ولكي يحتفظ الجيش بسماته المثالية وفضائله العسكرية، (على الطريقة العروبية الآنفة الذكر) عليه أن يكون طرفاً سياسياً في الداخل، وطرفاً حيادياً على الحدود، باعتبار، أن هناك إما ربّاً يحمي الحدود، أو قوة "استثنائية" وخاصة، وعجائبية تجترح معجزات ليس للجيش أن يجترحها، وتسلح بعقيدة قتال ليس للجيش أن يتسلح بها، وتتمنطق بوطنية ليس للجيش أن يتمنطق بها أو يمنطقها. وعلى امتداد عقود، ما كان للجيش أن يكون جيشاً لا في نظر الميليشيات أو محميات الخارج في الداخل من قبل، ولا في نظر النظام الأمني فيما بعد. وهكذا كانت المؤسسات الأمنية الأخرى: فالأمن العام الذي يفترض أن يحمي "المجتمع المدني"، و"يحمي الدولة"، تنكَّب مهمة ضرب المجتمع المدني ومطاردة رموزه والتجسس على المواطنين، وضرب مؤسساته (نقابات وأحزاب...)، بالتعاضد مع رؤوس النظام الأمني وعلى رأسه "المخ" المليء باللُّحود اميل لحود. وهكذا ازدهر الأمن العام، لكي لا يكون أمناً عاماً، وإنما أمن "خاص" مرتبط بأجهزة خاصة، وبمرجعيات سياسية خاصة، وببرمجة "أمنية" منفصلة تماماً عن منطق الجمهورية المدنية. وفي السياق نفسه يمكن القول: ان المجلس التشريعي (البرلمان) شرعي، بقدر ما يكون غير برلماني، وغير تشريعي، وغير منتخب. فمجلس النواب، لكي يحترمه ويجله أهل "الاستيصاء" واستتباعاتهم، وأبواقهم الاعلامية، عليه أن يكون مجلس "مخبرين". فمجلس "أعيان" مُعَيّن من قبل الأعيان "المعينين" معنيين بشؤونا، ويمكن في هذا الاطار أن يكون أي نفر من أنفار الأجهزة، أو أي "قائد" مخابرات، أو أي ضابط من ضباط الحرس الجمهوري، أو أي عميل، أو أي مرتهن، عالماً من أعلام القانون. عالماً يوازي دالوز وأكثر. فيحل محل المشرعين، ويحل محل رئيس مجلس النواب، والدستور... وكل شيء. فالنظام الأمني يعين نواب الأمة. وهو "ينتخبهم"، ثم ينتخبهم لكي ينتخب نفسه. في النظام الأمني القائد أو البطل أو الطفل ـ الكهل المعجزة هو الذي ينتخب الشعب، وليس الشعب هو الذي ينتخبه. وهكذا، وبما أن النظام الأمني، وبكل الأساليب غير الشرعية من تزوير، واختراع قوانين انتخاب، وضغط، ورشوة، ووعود ووعيد، هو الذي "يُوجد" اللاموجود الذي "وُجد" من مولوداته ومن مبتكراته، ومن ملكياته الحصرية، ومن علمائه وجواريه. وهكذا تكون لنا "دولة" برلمانية من دون برلمان. ودولة تشريعية من دون تشريع. وانتخابات ديموقراطية تتم من دون انتخابات ديموقراطية. وهذا يؤدي بالطبع الى انتخاب رئيس بلاد من برلمان وُجد لكي لا يقوم بالانتخاب، ليقوم بالموافقة على رئيس بلاد ليس رئيس بلادنا. بل رئيس بلاد غير موجود، من برلمان غير موجود، ومن نواب مسوقين بقوة ظهورهم من اللاوجود الى الوجود. وحال رئيس البرلمان، كحال رئيس الجمهورية: نداً بند. نداً مندود بندّ "مندود". وهم هنا. وهم هناك. بيدق هنا. بيدق هناك. بحيث تظن أن هذه البيادق المزروعة بسماد مسموم إنما هي ودائع... من ذهب مضروب بالفضة والبلاتين وكل أنواع الجواهر الثمينة. فإذا كان لبنان كله "وديعة" عند الآخرين، فهل نستغرب أن تكون إرادة اللبنانيين، والنواب، والوزراء ودائع عند رئيس النظام الأمني الوصائي!
كأن كل شيء كان مستعاراً، دولة مستعارة. جيشاً مستعاراً. أمن عام مستعاراً. برلماناً مستعاراً . حكومات مستعارة. جماهير مستعارة. وشعباً أيضاً مستعاراً عليه أن يقبل أن يكون "مستعاراً"، لكي لا تصدر بحقه مذكرة جلب "الى الأبدية"! وكل ما هو مستعار لا يخدم إلا "المستعار": أي "الدولة" الأمنية، التي وحتى فرط انتمائها الى ذاتها، تهمل كل "أمن" ما عدا أمنها، أو "الأمن الذي يهددها" (يصبح الكتاب مسألة أمنية. والمسرحية مسألة أمنية. والمقالة مسألة أمنية. والبرامج التلفزيونية مسألة أمنية. والتربية والجامعات والمدارس مسائل أمنية!). أما ما يتحرك من شبكات أمنية تهدد البلد (ولا تهددها) من هنا وهناك: ابتداء باسرائيل والموساد وانتهاء بأي مخابرات عربية أو أعجمية)، فهذا من شأن آخرين. وهكذا كان، على شبكات التخريب، والموساديات (العبرية والمتعربنة) أن تنمو نمواً طبيعياً في ظل دولة غير طبيعية. وفي ظل جيش بلا دور. وفي ظل مخابرات جيش وجهت ضد الناس وضد المجتمع بدلاً من أن توجه ضد كل مَنْ يهدد (من الخارج) البلاد، والناس).
ومن هنا، يمكننا أن نطل على اكتشاف أجهزة مخابرات الجيش خلايا وشبكات موسادية. ذلك، أن هذه المخابرات أرادت أن تكون في المكان الذي يجب أن تكون فيه وأقصيت عنه. وذلك أن الجيش اللبناني، أراد، أن يكون في المكان الذي يجب أن يكون فيه. (حتى إشعار آخر ما زال ممنوعاً على الجيش الللبناني أن يتواجد على حدوده الجنوبية والشمالية وفاءً لإرادة الوصاية الراحلة عبر بعض منفذي خططها السوداء الذكر). وما كان لمخابراته أن تقوم بواجبها "المحتوم"، لو لم تتحرر من قيود النظام الأمني المشترك، وتالياً لولا قيام انتفاضة 14 آذار. إذاً هذه الخلايا الموسادية، تكوّنت، على امتداد عقود النظام الأمني، بحرية. (ربما لم يكن من تناقض جوهري بينها وبين هذا النظام ككل بامتداداته وتوسلاته ومرجعياته)، وها هي تنهار بعد انهيار ذلك النظام المشؤوم إثر الانتفاضة. أي إثر استرجاع الدولة من ممتهنيها. إنها ضربة توجه الى الموساد وكذلك لنظام بائد أتاح لهذا الموساد أن يتحرك ويقتل ويخرب ويفتن. وهي في الوقت ذاته إنجاز. أو فلنقل بداية انجازات لنظام 14 آذار، الذي عليه أن يسعى الى إعادة الأمور الى نصابها. وهكذا كان: تمت انتخابات نيابية حرة فاز بها "الآذاريون" بالأكثرية البرلمانية. تألفت حكومة من صنع الناس، ومن صنع المجتمع المدني. وتحررت الارادة اللبنانية في صنع قراراتها الداخلية والخارجية. فتألفت لجنة التحقيق، واليوم مجلس القضاء الأعلى، وها هو لبنان يطالب، من هاجس عميق بالسيادة، بترسيم حدوده مع سوريا (تأملوا: قال بعضهم أقصد بعض رواسب النظام الأمني المشترك أن المطالبة بترسيم حدود بلاده خيانة! فيا للخونة! ويا للصوص! ويا للعملاء! وبهذا المعنى يكون ترسيم حدود البلاد العربية خيانة بخيانة. هذا منطق الخيانة. وها هو المنطق الصهيوني المنطوق الذي يخدم "اسرائيل الكبرى" العابثة بالخرائط من مستنداتها التوراتية الوهمية). وها هي الحالة السياسية تعود: هناك معارضة وموالاة. وحرية تعبير. وقول. وحركة، ومقال. (تأملوا بعض الاعلاميين يسوؤه أن تكون حرية قول لأن قوله ما زال مغمساً بحبر الأجهزة! تأملوا: هناك بعضهم من يرفض أن يستقل. تأملوا أن هناك مَنْ ما زال يطالب بالوصاية. فيا للعروبة المخزية! ويا للتقدمية "الخلفانية").
إذاً من إنجازات 14 آذار (لا 8 آذار التصحيحية بامتياز!) أنه يحاول أن يعيد الأشياء والأمور الى أمكنتها: الدولة الى الدولة. المجتمع الى دوره. الديموقراطية الى تعدديتها. الحرية الى الألسن والعقول. الجيش الى موقعه الأصيل كحام لسياج الوطن وحدوده. والمخابرات الى دورها في كشف العملاء والأعداء وأدوات التخريب. وعلى هذا الأساس ننتظر أن توسع الأجهزة الأمنية بركارها الى كل "الموسادات" الأخرى، ووسائل التخريب، ورموز القتل، ومافيات العمالة، أي أن تعتبر أن كل مَنْ يسعى الى تخريب لبنان، وتفجيره، وزرع الفتن الطائفية، وتخريب الاقتصاد، والاغتيال، وتحطيم بنية الدولة، والتآمر على المجتمع المدني وتشويهه، لتكشفها سواء كانت شبكات أو أفراداً أو أنظمة أو عصابات. لأن الموساد الصهيوني إذا كان هدفه اغتيال المناضلين، وبث التفرقة، وإثارة النعرات الطائفية، فعلى الدولة أن تكافح وعلى قدم المساواة، كل موساد آخر يخطط لمثل هذه الجرائم والخيانات.
فالموساد واحد. سواء رطن بالعبرية أو بالأعجمية... أو بالعربانية!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.