8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في أَنَّ لبنان بلدٌ موجودٌ لكي يُنتهك...

الأيام الأخيرة كانت نموذجاً "رائعاً" ومعبراً عن استمرار الذهنية بوجوب الاستمرار في اعتبار لبنان أرضاً لا تصلح إلا للانتهاك، وشعباً لا يصلح إلا للاستباحة.
فالنظام السوري، ومن وراء الحدود، هذه المرة، وإنجازاته داخل حدودنا لا تقدر بثمن! أصدر قضاؤه (تعرفون ماذا يعني القضاء بالنسبة لذلك النظام) مذكرات جلب (ليس الى الأبدية كما حدث مع العديد من زعمائنا ومثقفينا) للزعيم الوطني الكبير وليد جنبلاط، والقامة الديموقراطية والاستقلالية الشاهقة مروان حمادة، وللزميل المناضل فارس خشان... هذا عدا "مذكرات الجلب" الى الدار الباقية المرشحة للمجيء بحق آخرين "معروفين" بوسائل الاغتيال الديموقراطية، وبوسائل القتل الاشتراكية، وبالسيادات المفخخة العروبية. مذكرات الجلب هذه أبطلها المجلس النيابي بشبه إجماع رائع.
بتوع "أبو موسى" (وتعرفون من هو أبو موسى وإنجازاته بحق الفلسطينيين من أهله ودمه)، وبتوع أحمد جبريل وتعرفون نضاله من سوريا، موصولاً بلبنان لتحرير فلسطين. هؤلاء "الفلسطينيون" (المقنعون بهويتهم الفلسطينية)، باتوا يرون أن انتهاك لبنان وتخريبه أسهل من مواجهة العدو الصهيوني الذي يقتل شعبهم ويحتل أرضهم، ويقيم المستوطنات، ويدمر الهوية الفلسطينية كل يوم باعتداءاته، ووحشيته. فالعدو بالنسبة الى هؤلاء بات بعيداً. إذاً فليكن لديهم "عدو" شقيق يرتجلون عداوته وهو لبنان، ويخططون لتخريبه ويحاولون إعادته الى مناخات الحروب "الأهلية" (عبارة ممجوجة استخدمها كل الذين انتهكوا هذا البلد من خارجه ليلقوا المسؤولية فقط على شعبه)، والدمار. وعلاقة هؤلاء بفلسطين كعلاقة "عملائنا" بلبنان. مسألة عمالة بعمالة للنظام السوري، بشعارات "تعبوية" عروبية وتحريرية فهؤلاء "أصلاً" مُنتهَكون بعمالتهم، وبذلهم، وبتواطؤاتهم، فلماذا لا يَنتَهِك "المُنتَهَك" أقرب الناس إليه وهو لبنان الشقيق (أرجوكم لا تنسوا كلمة الشقيق، أرجوكم. فأهل الشقاق يحبون الشقيق!).
فقد أقام "الأشقاء" المفجوعون بهزيمتهم وبعزلتهم، الدشم والمواقع على الحدود السورية ـ اللبنانية. فهناك أرض النضال الجديدة. لِمَ لا؟ وهنا مكمن العدو. ولِمَ لا. فالأرض هناك أرض الأعداء. فأهل البقاع وناسه هم الذين اغتصبوا "الجولان" و"فلسطين" فلِمَ لا تغتصب أرضهم وتسترد أرضنا وكرامتنا. (آه! الكرامة لا يبحثون عنها إلا في لبنان الذي كرّمهم، وليس في القدس ولا في لواء اسكندرون!). ولكي يوسعوا "دائرة" الصمود والتصدي، ها هم يطلقون الصواريخ على اسرائيل. براو! (السوريون أمروا هؤلاء بإطلاق الصواريخ. براو! أما لماذا لا يأمرونهم بإطلاق الصواريخ على جيش الاحتلال في الجولان، فهذا لغز لا يفكه إلا رؤية أهل النظام الاستراتيجية بتحرير الجولان من بيروت والجنوب والحمرا وعنجر والبوريفاج! فيا للاستراتيجية المناضلة، ويا للرؤيوية العبقرية! أما لماذا أقاموا الدشم في الشمال، ولماذا أطلقوا الصواريخ من الجنوب، ولماذا يقيمون الانفاق في الناعمة، فهذه أمور تتصل بخطط عسكرية دقيقة ومخفية وتكتيكية (أين أنت يا رومل ويا نابليون ويا هنيبعل!). إذا كانوا نصبوا المواقع في الشمال قرب الحدود السورية فيعني أنهم يريدون أن يردوا العدوان. أي عدوان؟ لمن؟ أمن داخل الأراضي السورية؟ معاذ الله! أمن داخل الأراضي اللبنانية؟ فممن؟ أمن الجيش اللبنانيئوهو الذي صنفوه "وطنياً" وعروبياً. أمن أهل البقاع وزحلة وبعلبك؟ فهؤلاء، ليسوا، على حد علمي لا اسرائيليون ولا صهاينة. هم بكل بساطة لبنانيون يحبون الشعب السوري ولا يكنون له أي عداء. إذاً، ضد الاستكبار الأميركي. براو! ولكن الاستكبار الأميركي ليس له "وجود" لا حربي ولا أمني هناك! أترى يحاول هؤلاء "المدشمون" (بتوع الدشم)، أن يخترعوا عدواً وهمياً، أو ذريعة وهمية ليخربوا. ليكون أداة في التخريب تحركها يد النظام السوري! براو! فالنظام السوري قوي! جداً. وهذا يفرحنا! لكنه لا يعرض قوته حيث الأعداء "الأقوياء" (اسرائيل) أو "المحتلون" الأقوياء (تركيا)، وإنما يفلش كرامته، وعنفوانه، وتفوقه (العسكري طبعاً) علينا نحن. براو! بهذا المعنى تصبح قوة النظام السوري عبئاً علينا وتالياً تصبح عبئاً على الشعب السوري أيضاً. فلا تظن أن هذا الشعب الرائع (الصبور الى متى؟) يدفع الضرائب ويقدم التضحيات لبناء قوة عسكرية يستخدمها نظامه في المكان الخطأ: أي في لبنان، وليس لاستعادة الجولان أو إعادة البحث في ترسيم الحدود مع تركيا (لعله يسترجع أرضاً عربية سليبة هي لواء اسكندرون)، فهذا السلاح السوري المموّه (بأقنعة فلسطينية) ينتهك أيضاً نفسه عندما ينتهك أهله لا أعداءه. وينتهك شعبه (بالقدر الذي ينتهك الشعب اللبناني) المرتبط بشقيقه الأصغر ارتباط التوأم بالتوأم. أهو انتحار؟ نعم! النظام السوري ينتحر بمحاولة نحره لبنان. وينتحر بمحاولة نحره القضية الفلسطينية في تحويل صراعها من صراع مع العدو الصهيوني الى صراع مع الحليف والأخ أي لبنان!
ونظن أنه كلما انتهك النظام البعثي لبنان، ينتهك نفسه، وكذلك "بعثيته" ذات الأفكار والشعارات الكبيرة: الحرية، العروبة، الاشتراكية، الوحدة، التكامل، استرجاع الأرض السليبة. فالبعثية منتهكة إذاً من البعث. والعروبة من مدعي العروبة. والوحدة من انفصاليي أهل النظام. فكل سلاح يوجه الى غير موقعه المفروض والمفترض سلاح يخدم المحتلين. وكل محاولة تخريب للبنان تخدم اسرائيل. وكل افتعال لحروب وفوضى في لبنان تخدم اسرائيل. وكل محاولة لتخريب الاقتصاد اللبناني تخدم اسرائيل؟ أوليس هذا ما يفعله "الموسويون"/ أبو موسى" والجبريليون، والمستنظمون من أهل النظام السوري؟ ألهذه الدرجة يريدون أن يريحوا اسرائيل؟ (ولو!)، ألهذه الدرجة يريدون خدمة مخططاتها (ولو!)، ألهذه الدرجة يريدون أن يُحوّلوا الأنظار عما يرتكبه الصهاينة بحق الفلسطينيين عبر افتعالهم أزمات و"حروباً" في بلاد الأرز! ألهذه الدرجة يريدون نفخ الغبار (والدم) في لبنان، ليحجبوا الرؤية عما تنفذه اسرائيل في اغتصابها اليومي لفلسطين، لتكريس استيلائها على معظم الأراضي هناك؟ لماذا لا ينقلون فكرة "انتهاك" لبنان الراسخة (كأيديولوجيا) في رؤوسهم من عندنا الى عند الأعداء؟ لماذا لا يقولون مثلاً: اسرائيل هزمتنا وعلينا انتهاكها؟ واسرائيل انتهكت أرضنا وشعبنا وعلينا انتهاكها؟ واسرائيل انتهكت الجولان وعلينا انتهاك تل أبيب؟ واسرائيل تنتهك أجواءنا، وعلينا أن ننتهك أجواءها. واسرائيل تأسر لبنان وعلينا أن نأسر أبناءها. واسرائيل تقتلنا وعلينا أن نقاتلها. فالمنتهك (بكسر الهاء) معروف. فلماذا يريدون أن يكون لبنان بديلاً من اسرائيل، لماذا يريدون أن يكون عجزهم عن مقاتلة العدو متمثلاً باستقوائهم على لبنان؟
أما اسرائيل ففكرة انتهاك لبنان فكرة ثابتة لديها (تماماً كما صارت عند أهل النضال من الأشقاء). وقد ذقنا منها المرارات حتى تمكن المقاومون من طردها، لكن هذا الطرد لم يلغِ فكرة الانتهاك. والطريف أن أطراف الانتهاك الأشقاء والأعداء يتبادلون لعبة الانتهاك على أرضنا. فالذين قصفوا اسرائيل في الجنوب في الأسبوع الفائت ليسوا لبنانيين! والذين ردوا (اسرائيل) هم أعداء. أي أن اللبناني كان العنصر الغائب والضحية الحاضرة. هؤلاء يستخدمون أرضه بإرادة خارجية، والخارج العدو يستخدم أرضه للرد. قصف خارجي برد خارجي! إذاً نعود الى لعبة الاختزال. الوطن ومصيره ومستقبله في أيد غير لبنانية. وعلينا ولكي نكون وطنيين وعروبيين (أين هم هؤلاء العروبيون المغمسة أقلامهم بحبر المخابرات؟) ولبنانيين، علينا أن نقبل أن يكون مصيرنا وقرارنا في يد السوريين من جهة، وفي يد اسرائيل من جهة أخرى. باليد السورية التي تقرر الحرب على أرضنا (وتمالح العدو على أرضها)، وبيد اسرائيلية تنتهز كل فرصة للانتقام منا، وإكمال المهمة التي يبدأها سواها من أهل العشق العروبي وغير العروبي في لبنان. إذاً عليهم أن يقرروا أن نحارب عنهم. تماماً كما قرروا أن يحارب عنهم بعض الفصائل الفلسطينية. على الآخرين أن يبقوا في حالة حرب. وعلى النظام السوري أن يبقى في حالة سلم. على الآخرين أن يطلقوا النار على العدو وعلى النظام السوري أن "يتوقف" عن هذه الممارسات "الطائشة"! إذاً، عليهم أن يعيشوا على خرابنا وخراب فلسطين والعراق والأردن، وعلينا أن نصدقهم أنهم "يحاربون" فعلاً العدو بمحاربتهم البلدان العربية وشعوبها!
لماذا علينا أن نقبل المعادلة التالية: أن نقبل أن تستفرد اسرائيل الشعب الفلسطيني وتستفرسه مقابل أن يستفرد النظام السوري لبنان. وما هو مردود هذا الاستفراد سوى ترك المقاومين الفلسطينيين في فلسطين فريسة للعدو، وترك لبنان فريسة للخراب. أتراها المعادلة العادلة: أن نحافظ برموش عيوننا على الاستقرار في الجولان، ونسعى بكل قوتنا لزعزعة الاستقرار في لبنان؟ لماذا علينا أن نقبل أن تخاف اسرائيل خلخلة النظام السوري، ولا نخاف على خلخلة نظامنا؟ أهي المعادلة العادلة: لأن النظام السوري لم يبنِ ديموقراطية عليه أن يدمر ديموقراطيتنا؟ ولأنه منع الحرية عن شعبه عليه أن يمنع الحرية عنا؟ ولأنه جعل من جيشه (الباسل) جيوشاً خاصة (تحميه) عليه أن يجعل من جيشنا (الباسل) جيوشاً خاصة صالونية تهتم بالأمن وبالمسائل الداخلية وتتخلى عن مهمتها الأصلية والأصيلة: التصدي لكل عدوان وخاصة للعدوان الاسرائيلي. أعلينا أن نقبل منطق الخيانة الذي يتفوهه الرئيس العميل اميل لحود والقائل، أننا في حالة حرب مع اسرائيل فعلى الجيش ألا يكون في مواجهتها؟ (لو كنا في بلاد أخرى لحوكم هذا الرئيس بعمالته لاسرائيل قبل سواها، وكأن الجيش السوري على حدوده الجولانية، وبمنطق عميل العملاء، يحمي الجيش الاسرائيلي والاحتلال الاسرائيلي!. والمعادلة تستمر: ألأنّ النظام السوري لم يبنِ اقتصاداً متيناً، وأغرق شعبه في الفقر والبطالة، فعليه أن يدمر اقتصادنا (كانت اسرائيل تحاول في كل بداية موسم اصطياف أن تخربه بالقصف والتوتير). يبدو أن المهمة انتقلت الى سواها: الى أيد عربية عروبية أصيلة متأصلة لكي لا أقول مستأصلة. والمعادلة تستمر: ألأن النظام السوري فتك بالمجتمع المدني وبأدواته وبأحزابه وبتعابيره، وفتك بفكرة القومية العربية والتغيير واليسار واليمين والحياة السياسية كلها، فعليه أن يعطل كل حيويات المجتمع المدني عندنا، ويلغي الحياة السياسية (كما فعل على امتداد عقود)؟
إذاً لماذا لا ينزع النظام السوري "هاجس" أن لبنان ليس لبنان، بل هو مقاطعة تابعة لمركزية النظام؟ لماذا لا ينزع "ذهنية" أن انتهاك لبنان مصدر قوة وإثبات وجود له؟ لماذا لا ينزع عقلية أن لبنان بعد الانتفاضة ليس لبنان قبلها؟ بل لماذا لا يرى له فعلاً إيجابياً، سوى موقف سلبي من الكيان اللبناني؟ بل ولماذا لا ينزع من تفكيره فكرة الانتهاك كلها. سواء في سوريا أو في لبنان، ويركزها على العدو؟ لماذا لا يستبدل فكرة الانتهاك والتسلط والقسر والقهر بما هو أقوى وأفعل منها: الاعتراف بسيادة هذا البلد، واستقلاله وحرياته، وتقاليده الديموقراطية (ولو ناقصة)، بل ولماذا لا يتجاوز عقليته الانتهاكية البائدة في سوريا نفسها فيتصالح مع مجتمعه المدني، ويتيح له المشاركة في صنع القرار والنظام نفسه. وعندها تزداد قوته لأنها تصبح مستمدة من الناس، ومن اختياراتهم، الديموقراطية، بدلاً من أن تكون مستمدة من البطش والمصادرة والقمع. قوة النظام السوري لا يستمدها من أجهزته لأنها في العمق عابرة وهشة، بل من ناسه. نقول هذا لأننا لا نتمنى لهذا النظام أن يسقط بالطريقة التي سقط فيها نظام صدام حسين. بل لا نتمنى له حتى أن يسقط بل أن يسعى الى الاصلاح والمصالحة والاعتراف بالمعارضة الوطنية. بل ونقول أننا كنا معه في مختلف مراحل صراعه مع العدو، ولا نزال إذا كان ما زال صراعه الأصلي مع العدو، وليس معنا.
إذاً، فكرة لبنان "المنتهك" المتأصلة في بعض النظام العربي وفي اسرائيل، يجب أن تزول. ونظنه ولى زمن قبول فكرة الانتهاك، وكأنها تجلي العروبة، أو تجسيد القومية، أو تحقيق الديموقراطية!
لبنان يسعى اليوم، بعد 14 آذار، الى أن يكون موجوداً على خريطته (لا على خرائط الآخرين)، مستقلاً، عروبياً حتى العظم ولكن ليس على طريقة عروبة الأنظمة، مستقلاً، يعرف كيف يحمي حدوده، ويحمي إنجازاته، واستقلاله وسيادته... ومستقبله!
لبنان لن يعود الى أحد. لن يكون قصاصة في جيب أحد. ولا لعبة في أصابع أحد. ولا جثة يمشي عليها أحد... ليصل الى أهدافه.
لبنان قرر أن يعود الى نفسه كاختيار أول وأخير. وعندها يمكن أن يخدم سوريا وأهلها أكثر بكثير مما تخدمه وتخدم ذاتها.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00