8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صرخ صرخة المنفى الأخيرة ورحل

عوني كرومي، المخرج والمنظّر والكاتب وصاحب الرؤيا السينوغرافية، كرومي، أحد كبار المسرح العراقي رحل عن 61 عاماً، مخلفاً عشرات الأعمال المسرحية، المتنوعة التجريب، الخصبة التعدد، المفتوحة المشاريع والورش والتنقيب. رحل كرومي، العراقي الصرف، بانتمائه الى أرضه ووطنه وشعبه، مات بعيداً عن العراق. في المنفى؟ بل في المنافي. كان يحمل شغفه بالوطن وبالمسرح وبالانسان، ويترحل بين المدن العربية والأوروبية، بحثاً عن مكان يحقق فيه مشاريعه، ورؤاه، وأفكاره، ومواقفه، وحتى "نظرياته" المفتوحة، بلا تقنين، ولا تعصب ولا انغلاق. هكذا، كان عوني كرومي كأنه حلم مسرحي يمشي الى حلم مسرحي. كل تجربة تؤدي الى أخرى مختلفة ونقيضة. حتى التنظيرات التي وضعها، كانت تخرج من الورش والنصوص والأعمال. كانت طالعة من المادة ومن النهج ومن مجمل علاقة المسرح بنفسه، وبالممثلين، والجمهور. عندما كنت تلتقيه في عاصمة من العواصم العربية أو في بيروت، كنت تتكهن سلفاً أنه سيفيض عليك بمشاريعه، اسمع يا صديقي هكذا كان يبدأ: عندي فكرة مسرحية كتبتها عن كذا... وكذا. وما إن ينتهي من فكرة حتى ينتقل الى أخرى وهكذا دواليك. دائماً "أسير" تجاربه. دائماً أسير المستقبل. قلما يتكلم عن إنجازاته السابقة "المهم يا صديقي ما سوف نعمل. ما سوف نجرب. وكيف سنجرب. وما هي الأدوات والمواد التجريبية. وكيف الشغل على الممثل، والأهم، كيف سنتجاوز ما حققناه. فكرة التجاوز راودته كصوته، وكطفولته الدائمة، وهمومه؛ كيف لا نستنقع في ذواتنا، كيف لا نقع في تجاربنا فنكررها نجترها. أي كيف نصل بالتجارب الى أقصى احتمالاتها. هكذا كان عوني كرومي. كما انه مسرحي بامتياز، كائن درامي بامتياز. يرى المسرح في كل شيء. في كل نص. في كل مادة سينوغرافية. في الحواس. لم يسقط في التنظيرات الايديولوجية أو التراثية أو الفولكلورية، ولم يلتزم منهجاً واحداً، ومدرسة واحدة. استفاد من البرشتية في "الرجل الطيب"، واستفاد من اتجاه "المسرح خارج المسرح" في "ترنيمة الكرسي الهزاز" وتعامل مع التقنيات الحديثة بحس رفيع في العديد من أعماله "طريق الحرير" و"الطريق الأخير"، كما ركز على مسرح الصورة، لكن من دون أن يجعلها العنصر الطاغي، أو الأوحد، على حساب الممثل والنص والاخراج. المسرح صورة في ذاته. كان يقول. وعندما نستخدم الأدوات السينوغرافية، من تقنيات وإضاءة وموسيقى وألوان وماكياج، فعلينا أن ننتبه الى أن هذه الأدوات تستنبط من النص، ومن الرؤيا الاخراجية، وليس العكس. حتى مسرح الجسد المتصل أساساً بالحركة، والرقص، والايقاعات المتعددة، فيجب أن يكون مرتبطاً أولاً وأخيراً بحضور الممثل، بالشغل على الممثل، فلا يقع المسرح في البهرجة "الجسدية" أو في الخواء الجمالي، بحيث يصير مصمم الرقص أو الحركة هو المخرج. بمعنى آخر التمسك بالعناصر الأساسية المكوّنة للمسرح: النص، الممثل، والمخرج، لتخدم كل العناصر الممثل: بؤرة الدراما المسرحية والمركز الذي يصب فيه كل أداة من أدوات المسرح، فمن دون الممثل يموت الديكور، وتنعطب الاضاءة. ويذبل الجسد، وينعدم المسرح ذاته، تصبح كل هذه الأشياء مجرد أشياء ميتة، أو ديكورات بلا دور سوى الدور الزخرفي. وهذا يعني ان عوني كرومي كان على امتداد تجاربه المسرحية في صميم الفعل المسرحي. في صميم الفكرة الدرامية. وعندما نتكلم على هذه التوجهات البنائية عنده، فهذا لا بد من أن يقودنا، الى مفهوم كرومي حول دور المسرح. وفي هذا السياق، نجد في أعماله كلها، ان هذه التقنيات وحتى المسرح كفن، هو في النهاية جزء من الصراع الاجتماعي. جزء من أدوات المجتمع المدني. جزء من النضال اليومي ضد الاستبداد، والظلم، والفقر، والتخلف، والظواهر الطائفية المتطرفة، والقمع، والتسلط. وفي هذا كان عوني كرومي في قلب الحدث السياسي، والاجتماعي، والانساني. فالمسرح للانسان وليس الانسان للمسرح. ونلمس هذه الجوانب في أعماله ومن أبرزها "الانسان الطيب" و"صراخ الصمت الآخر"، "الصمت والذئاب"، "أنتيجونا"، "السيد والعبد"، و"منطقة الخطر" و"كاليغولا" و"فوق رصيف الرقص"، "السيد والعبد"... بمعنى آخر، لا يمكن أن يكون المسرح بالنسبة الى كرومي مجرد وسيلة ترفيهية، أو "تحفة" تزويقية، أو أداة في يد السلطة، أي سلطة، دينية كانت أم حزبية، أو عائلية، أو عسكرية... المسرح دور. وانتماء. وانخراط في المعنى الفكري والسياسي. لكن هذا لا يعني، ومن خلال شعارات ما، ووظائف ما، وسهولة ما، وتنازلات ما، وارتهانات ما، وحسابات ربح وخسارة، و"جمهور عايز كده"، أن يتحوّل المسرح بوقاً، أو إعلاناً، أو بروباجندا. بمعنى ان يقدم العمل، وأياً كان توجهه، في إطار الابداع المسرحي. في إطار المسرح الطليعي. في إطار بعيد من الشعبوية الفنية. أي مسرح. يبحث عن نفسه. يبحث عن جديده. ومن خلال هذا البحث ومن ضمن متطلبات الفكرة، محاولة إيجاد الشكل والفضاءات المسرحية المتجددة، والمتجاوزة. فالتزام الأفكار السائدة أو المطروحة لا يعني التزام الأشكال السائدة. بل على العكس: اجتراح احتمالات التجديد عبر التجريب. أي عبر التنقيب عن أفكار وتصورات طازجة، غير مسبوقة، فلا مسرح شعارات. ولا مسرح مباشرة. ولا مسرح سهولة. المسرح الذي يختار القضية، أي قضية، يجب ألا ينسى أنه أيضاً القضية داخل القضية. أي اللغة التي تعبّر عن هذه القضية أو تلك، بهاجس الاختراق والاجتراح وكسر التابوات والبيانات والنظريات الجاهزة.
والمتتبع لأبحاثه المسرحية، من أكاديمية وسواها، يكتشف عن هذه الاتجاهات "الميدانية" أي الأسس النظرية والمقاربات بأدواتها ولغاتها، التي يمكن أن تغذي الفن، ويغذيها النص (ككل) في حوار لا ينتهي، وعلى مساحة من المغامرة لا تنتهي، فمن أطروحاته "الاغتراب في المسرح العربي"، و"فن التمثيل" و"الحركة لغة" و"فن التمثيل"، و"روبرتو شوللي وفرقة مسرح الرور"، و"وظيفة المخرج في المسرح"، و"غروتوفسكي والمسرح الفقير وسواها، إنما تنم عن اتساع اهتمامه، وعن خصب تعدده، وعن هذا الانفتاح الرحب في التعامل مع الظواهر والمسائل المسرحية، بقدر كبير من العلمية، والدقة، والصدقية.
هذا الفنان الكبير، فقدناه. ولا ما يعوض في هذا الجفاف الكبير الذي نعيشه. فقدنا شغوفاً بالمسرح. وانساناً طيباً طيباً، وطفلاً أبدياً. فكأننا بتنا في زمن فقد الكبار: أمس رحل الفريد فرج، واليوم عوني كرومي، وبين الاثنان جنون بلا حدود بالمسرح والناس. وعندما تتعرّف عن كثب على عوني كرومي، لا تكتشف مسرحياً كبيراً فقط، ولا عراقياً صرفاً فقط، ولا عروبياً متفتحاً، ولا انسانياً غير محدود فقط، ولا مهووساً بالثقافة ودورها فحسب بل، والى كل ذلك، ذلك القلب الصافي، الدافئ، الواسعة، المحبة، والواضح. تفقد رجل مسرح كبيراً، وتفقد صديقاً كبيراً، ورفيقاً كبيراً رافقته ورافقك أكثر من ربع قرن، في المسرح والصداقة، من بغداد الي دمشق الى القاهرة الى عمان، الى الكويت وقطر... وكنت، ما إن تتلقى دعوة الى مهرجان، حتى تتمنى أن يكون عوني بين المدعوين، وتلقاه، وآه، للدفء، وآه للطفولة المتدفقة من عينيه ووجنتيه، وصوته، وضحكته، وكلماته.
مات هناك. وهناك تعني أي منفى. وقد تكون برلين. أو أي مدينة عربية. أو أي بقعة خارج وطنه العراق. ذلك أن المنافي بقدر ما تتسع للبعاد تتسع للذاكرة. وبقدر ما تتسع للغربة تتسع للحنين. وبقدر ما تتسع للقهر تتسع لحب الوطن. وهكذا كان عوني كرومي المنفي بلا أوراق سوى أوراق الرافدين، وبلا هوية سوى هوية من تراب العراق، وناسه، وأنهره، ونخيله، وبغداده، وبصراه...
رحل وربما أعمق من غصة الرحيل في جسده، غصة ألا يتلمس جسده، قبل انطفائه، ضوءاً من شمس العراق، ولا قطرة من ماء دجلة، ولا جبهة حنوناً من جباه ناسه.
هكذا غادر موته، كما غادر منفاه. وكأنه غادر حياته، ليعود، ولو في ذلك الحلم الحجري، الى هواء بلاده.
فسلاماً يا أخي ويا صديقي ويا رفيقي. سنستفقدك كثيراً، كثيراً، وسأحن كثيراً الى تلك الطفولة الناضحة منك، الى تلك الرفقة، وتلك الأحاديث التي كنا نتبادلها، وكأننا نتبادل كل مرة... الوداعات!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00