8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تحرير واحد لا تحريران

25 أيار تاريخ مشهود. وذكرى عالية وغالية، ومناسبة، ولا كل المناسبات. ذلك انها تستحضر التحرير، كإنجاز، وكفكرة، وكهدف، وكسلوك، وكمقاومة، وتضحية، وقبل كل هذا، تستدعي تعلقاً بالوطن، طبعاً كل الوطن، من جنوبه الى شماله، ومن شرقه الى غربه. والتعلق بالوطن، شغفاً به، فوق كل شغف، فوق "الشغف" الطائفي، والغواية المذهبية، والجاذبية الفئوية. وعلى هذا الأساس، كان للمقاومين أن يضعوا حرية الأرض، وحرية الشعب، وحرية الارادة، على مرمى التضحية بالذات. على مرمى الاستشهاد، وهو أعلى نقطة من نقاط العطاء، أبعد مسافة من مسافات الذبيحة. وهنا بالذات، نرى الى المقاومة بقيادة حزب الله، وكأنها تلك القمة التي يدركها المناضلون، بذلاً وقوة وشجاعة، ومنها، تحرر البلد من الاحتلال الصهيوني، وتحرر الجنوب من رجس الطغيان الصهيوني. ذكرى تحرير نعم! وذكرى إخراج من استذل الأرض، واستهان بالناس، وانتهب السيادة، وانتهك الانسان اللبناني سجناً، وتعذيباً وتنكيلاً، وكراهية.كأنها كانت معركة تحرير ليس من العدو بوصفه عدواً فقط، وإنما أيضاً بوصفه حالة عنصرية، ذات مشروع عنصري، واستيطاني، مبني على أوهام التفوق العسكري والسياسي والحضاري، ولا نقصد هنا، ان المعركة كانت معركة "حضارية" (صراع حضارات)، بقدر ما كانت معركة احتلال يحمل مشروعاً سياسياً توسعياً استعمارياً، بخلفية دينية، (توراتية) وبإملاء إلهي، وبإرادة "قدسية" "علوية"...
إذاً، تخلصنا، من الاحتلال. وهذا أكثر من معجزة اجترحها "المقاومون". لكن، إذا كانت المقاومة (حزب الله) قد سلكت طريقها الى التحرير في مرحلة معينة، فذلك، لأن الطريق قد مهّدت لها على امتداد أكثر من نصف قرن، وفي المستويات المختلفة، ثقافية، عسكرية، سياسية، ايديولوجية، شعبية. فمنذ نكبة فلسطين، (وما قبل بالطبع)، بدأت تتأسس مقاومات شتى، أدت الى قيام المقاومة الوطنية، التي تمكنت من طرد العدو من بيروت. وهنا نستذكر عملية خالد علوان وعمليات أخرى، جعلت العدو يهرب من بيروت، بعدما كان استسهل احتلاله، واحتل المقاهي والمطاعم، والشوارع "مطمئناً" الى قبول الناس واستسلامهم. ومَنْ ينسى التضحيات الكبرى التي بذلتها المقاومة الوطنية والمقاومات الأخرى، من الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي، والحزب القومي السوري، الى "المرابطون"، والناصريين وفئات عديدة، من المثقفين والشعراء والكتّاب والمفكرين والساسة والوطنيين.
ذلك ان التحرير. ككلية لا ينفصل ولا يجتزئ، ولا يهادن، ولا يوارب، ولا يتواطأ، ولا توظف لغير أهدافه. هكذا عرّفنا المقاومة الوطنية (نتذكر الشهيد جورج حاوي وكذلك محسن ابراهيم وانعام رعد وعبدالله سعادة). وهكذا أيضاً تملكتنا "الهواجس". أتكون المقاومة ذريعة للوصول الى السلطة، كمشروع لاحق؟ أتكون المقاومة الوطنية ذريعة لمقاومة أكبر هي المقاومة الفلسطينية، بحيث تستتبع لقرارها، واستراتيجيتها، فيتحول الوطن ورقة مقاومة في يد مقاومة أخرى! وكان علينا، في تلك المرحلة. أن "ننبه" من خطر انزلاق المقاومة في تبعية ما، تؤدي بها الى فئوية ما، تكون وقوداً في الحرب "الأهلية"، لتصبح "مشكلة" بعد أن كانت "حلاً". ويبدو، ان المقاومة الوطنية هذه، والمنخرطة في هدف التحرير، والمنسجمة مع منظمة التحرير، من ضمن الحركة الوطنية، كان لها وفي ظل متغيرات ما، وفي ظل استنفار بعض النظام العربي (سوريا)، عبر نقل المقاومة من أذرع الجهات الوطنية (العلمانية والقومية، والعروبية) الى أذرع أخرى، إسلامية، لا سيما بعد قيام النظام الايراني الاسلامي الجديد. وهكذا كان أن عوقب أهل المقاومة الوطنية لأنهم قاوموا (ولم يكونوا تحت السلطة السورية)، وشرِّدوا واغتيل بعضهم، (حسين مروة، مهدي عامل، سهيل طويلة)، لإرغامهم على الانكفاء... وفي ذلك السياق، (وقبله) كان للمقاومة الاسلامية (أمل، وحزب الله) ان تنفرد وإن بثنائية أدت أحياناً الى صراعات بينهما) بالعمل المقاوم، لترسو "العملية" وبشكل رئيسي على حزب الله. إذاً، من مقاومة متعددة الانتماء، (جبهة عريضة) الى مقاومة أحادية. ومن مقاومة ذات خلفية ايديولوجية يسارية قومية عروبية الى مقاومة ذات طابع طائفي. من مقاومة انخرطت في حماية المقاومة الفلسطينية الى مقاومة وضعت في حالة استنفار أخرى في لبنان: (الغزو الاسرائيلي صفى من صفى من المقاومة الفلسطينية، وقبله وبعده، تعهد آخرون أعمال المقاومة (سقوط تل الزعتر، حرب المخيمات، معارك طرابلس). ولا نريد أن نربط المسائل هنا، بطريقة توحي وكأن هناك "ترتيبات" خلفية بين العدو الصهيوني، وبين هؤلاء، وإن كنا نشعر أن بعض الوصاية "الفلسطينية" عبر منظمة التحرير، استبدل، (وباتفاقات وبأثمان معروفة) بوصاية سورية اكتملت مع حرب التحرير التي خاضها ميشال عون خاسراً (بالتنسيق مع صدام حسين قبل حرب الخليج الثانية).
مقاومة وطنية سرّبت وصاية فلسطينية، تبعتها مقاومة اسلامية سربت وساعدت ودعمت وصاية سورية. مقاومة وطنية حاولت الاستفادة من الوجود الفلسطيني المسلح لتغيير النظام (أحد أسباب اغتيال الشهيد الكبير كمال جنبلاط)، وأخرى يخشى أنها تحاول الآن تكرار الماضي وإن بصيغ أخرى، ومن خارج صيغة الطائف والدساتير وتالياً الجمهورية.
الاشكالية الكبرى الحافلة بالغرائب والأسرار والألغاز والسرائر: كيف تجمع بين التحرير والارتباط. كيف ننتقل من أسر احتلال عدو، ونسلم أنفسنا الى أسر وصاية خارجية، بعناوين براقة وتمويهات، وأسباب، لم تعد مفهومة كثيراً. كيف يمكن أن تلغي مقاومة ما، كل ما سبقها من مقاومات، حتى لتبدو وكأنها طالعة من "العدم" أو من معجزة، أو من خرافة، أو هابطة، خارج الزمان والمكان من غيمة عابرة. (وها نستذكر كيف مُنع الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي من استقبال جثامين شهدائهما!). بل وكيف يمكن الانطلاق من فكرة الاجماع أثناء التحرير (هذا إذا كانت فكرة جدية) وكيف ننقض الاجماع بعد التحرير، وكأن المقاومة "الآتية" من اللازمان واللامكان، اجترحت، وخارج الخلفية الشعبية، والمسؤوليات المترتبة، والأثمان العمومية، صمودها، وانتصارها، منعزلة عن المجتمع. بل كأن المقاومة كانت جزءاً من غيتو يدافع عن حدوده الخاصة، وحدود حضوره المفترض وربما المسؤول (في الخرائط الفدرالية القادمة)، غير مهيأة لنبرة التحرير الشامل. وهذه الناحية هي الأخطر. إذ، وكما عمدت المقاومة (وخلفها نظام الوصاية) الى إلغاء المقاومة الوطنية والتغاضي عن معاقبتها لمقاومتها العدو، ها هي، وبالمنطق ذاته، (أي المنطق الحصري)، وكأنها تطلب من الكل الاعتراف بها، ولا تعترف بأحد. أقصد كأن المقاومة حصرت معركة التحرير في زمن وجودها، وفي مكان وجودها (الجغرافي)، لتنكر على من حرروا الأراضي اللبنانية الباقية من الوصاية، حتى من صفة المحررين، وتنعم بهذا، الى كل القوى المرتهنة بالوصاية، لتشويه "انتفاضة 14 آذار" وتصويرها وكأنها من "صنع" خارجي، وتصوير أبطالها ورموزها وكأنهم من الخوارج. فلها استحقاق التحرير، وللآخرين الاتهام. تحتفظ بنفسها ببركة المقاومة ولغيرها اللعنة. أوليس هذا ما يفسّر استمرار المقاومة في تجاهل الخطط والمحاولات التي يقوم بها نظام الوصاية لتسفيه الاستقلاليين. وهنا، لا بد من الاشارة الى أن السيادة إذا أمنت في منطقة ما دون سواها، فلا يعني أنها شملت كل الوطن. فكيف نهلل لتحرير فرض السيادة في الجنوب، ونستنكر تحريراً جاء بالسيادة على باقي الوطن؟ هذا التباس غريب، فَصَم التحرير الى تحريرين متناقضين، بل وفصم الجمهور الى عدة جماهير. كأنما، وبهذا الأسلوب غير السيادي، هناك محاولة، لتعميم فكرة أن السيادة غير ممكنة، والوحدة التي تجذرها السيادة غير ممكنة، والاستقلال الذي يعزز الدولة غير ممكن، وان من شروط التحرير الأول والثاني إيقاع البلاد في نوع من الكانتونية. أهذا ما يريد أن يتوصل إليه بعض أهل الوصاية: إن أي تحرير من التبعية، والاحتلال، والوصاية، والتسلط، هو ذهاب الى التقسيم، أي الى التناحر المذهبي والطائفي، ربما، لهذا يتساءل البعض: لماذا لم تنضم المقاومة الاسلامية الى المقاومة في 14 آذار؟ أوليس طبيعياً أن يلتقي الينبوعان والنهران، في مساحة حرة، وديموقراطية، وفي مشروع دولة متماسكة عادلة، يسودها التساوي؟ إذاً، مَنْ يريد إخراج المقاومة من المقاومة؟ ومَنْ يريد أن ينقض السيادة باسم السيادة؟ ومَنْ يحاول استرجاع الوصاية بذريعة الوصايات الأخرى، إنها أسئلة، تراود الكثيرين لا سيما الذين ناصروا المقاومة الاسلامية وقبلها المقاومة الوطنية، وكل أشكال المقاومة من أجل التحرير. ذلك ان هناك خشية أو احتمالات من أن تتحول المقاومة مجرد أداة، بعد التحرير، ضد التحرير؟ وهذه الخشية يمكن تعميمها على الانتفاضة وأهل الانتفاضة، في حال، بقي للخارج الكلمة الفصل في التعامل مع القوى والأمور الداخلية (والخارجية)، وفي حال بقيت "العين على الخارج" والقلب، مجرد القلب على الداخل، والذراع مجهولة التصويب والسلاح.
في عيد التحرير، وهو حقاً مجيد، لماذا بدا وكأن الناس انقسمت حول أهل التحرير؟ بل لماذا تكاد تكون المقاومة وكأنها سبب افتراق بدلاً من أن تكون سبب تلاقٍ؟ لماذا بدأ يحل الخوف من المقاومة محل الاكبار والدعم والاطمئنان؟ الآن ثمة شعوراً بأن مشروع المقاومة عبر بقائها كما هي بعد التحرير، بات يصب خارج البلد، بمعنى آخر، الآن هناك شعوراً، بأن المقاومة تريد أن تجر لبنان من جديد الى محاور خارجية أكبر منه، فيتحول مجرد ورقة، ومجرد ساحة للآخرين، كما كان على امتداد الأعوام الثلاثين السابقة؟
ألأنَّ ثمة شعوراً بأن تصاعد النبرات الطائفية، يجعل من المقاومة وتالياً من انتفاضة الاستقلال محطات انطلاق لتكريس أو لتعزيز أو لتغذية انقسامات مذهبية، تهدد وحدة البلد (كما حصل في الهند بعد انسحاب الاستعمار البريطاني).
وقد يتنامى هذا الشعور (أو بدأ يتنامى) عندما يلمس المواطن اللبناني أن المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله، ما زالت على هذه الصورة. والدليل أن خطابها السياسي يتركز أولاً وأخيراً بالنقد والسلبية على أهل 14 آذار، مبرئة النظام السوري من كل عثراته وأخطائه، ومحوّلة الأنظار (دائماً) عن المجرمين الذين اغتالوا الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين من جورج حاوي وسمير قصير الى جبران تويني مروراً بالشهداء الأحياء من مروان حمادة الى مي الشدياق، الى جهات "مجهولة" أحياناً، ومعلومة أحياناً أخرى ومتمثلة باسرائيل. إذاً كل الجرائم التي ارتكبت والتفجيرات والتهديدات مصدرها اسرائيل! أما مَنْ يهدد وليد جنبلاط ومروان حمادة وسعد الحريري وحتى نبيه بري وسمير جعجع وفارس خشان والياس عطالله، فالله أعلم! وهذا يعني، بلغة أخرى، إهدار دم الأحرار أو التواطؤ على إهدار دم كل مَنْ يعارض ممارسات النظام السوري، من أهل الانتفاضة. ونظن أن مذكرات الجلب الموجهة الى جنبلاط وحمادة وخشان، جزء من الاستمرار في ضرب السيادة، وجزء من الترهيب والارهاب... والقتل المؤجل. وفي هذا السياق لم نسمع أو نقرأ استنكاراً أو استهجاناً أو حتى تململاً من حزب الله! رائع! إذ كيف يمكن أن نثق بمن "حرروا"، إذا كانوا ما زالوا يحرصون على تبرير أو تبرئة مَنْ يهدد حيوات الرموز اللبنانية؟ أولا تعني حزب الله هذه الأنواع من الانتهاكات؟ (غابوا عن اجتماع مجلس الوزراء الأخير، وانسحبوا منه سابقاً احتجاجاً على صوغ رد على بشار الأسد عندما أهان رئيس حكومتهم! فهل هي فعلاً حكومتهم؟ وليقولوا لنا ان هي حكومتهم ومن هو رئيسها. هذا ما كان يحدث مع الرئيس الشهيد أثناء توليه رئاسة الوزارة؟). إذ كيف يمكن أن تحرص المقاومة وبدأب دائم على تجنب توجيه أي نقد أو ملاحقة أو تبرم لما يصرح به المسؤولون السوريون بحق لبنان واللبنانيين، في الوقت الذي لا تترك فيه فرصة لانتقاد نضال الاستقلاليين والسكوت عن إهانتهم وتهديدهم وتخويفهم وقتلهم!
إذاً، إذا كانت المقاومة هي لكل لبنان، وليس لجزء منه، فما رأيها بهذه الانتهاكات والاعتداءات التي تقوم بها فصائل فلسطينية مدعومة من النظام السوري؟ (وهل تكفي تعزية قائد الجيش بالجندي الشهيد!)، وما رأيها بهذه الأسلحة غير الشرعية (بعيدة جداً عن فلسطين والجولان) التي تهدد الناس، وتخلق مناخات من الخوف والترهيب والاحراج؟
ما كنّا نريد أن ننغص على أنفسنا وعلى المحتفلين بهذه المناسبة الجليلة بتناول تلك الأمور وطرح تلك الأسئلة والهواجس. ولكن أردنا أن نجمع بين الفرحة بالنصر، وبين المراجعة النقدية الصادقة. ونقول الصادقة لأن كاتب هذه السطور لا يعتبر نفسه طرفاً من المقاومة، بقدر ما يعتبر نفسه عضواً غير منتسب، تماماً كما كانت الحال مع المقاومة الوطنية الباسلة ومع كل أشكال المقاومات والتحرير الأخرى!
إذ من المستحيل أن يؤيد المواطن المقاومة الاسلامية، ولا يؤيد المقاومة الوطنية، وتالياً لا يكون أيضاً جزءاً من 14 آذار، "انتفاضة الاستقلال" الثانية مكللة بروح الشهيد رفيق الحريري وسائر الشهداء.
إذ لا يمكن أن نضع 25 أيار ونرفض 14 آذار والعكس صحيح هذه هي الفجوة المطلوب ردمها! فمتى تتوحد المناسبتان؟ ويصير التحرير بقدرة المقاومين والانتفاضيين، وبعنف انتمائهم الى الأرض والشعب والمصير، تحريراً واحداً لا تحريرين.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00