8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شيزوفرانيا

ما كان علينا، ومن باب الحلم أو ربما الأمل، وغالباً الايمان، أن نصدر أحكاماً مسبقة، بفشل حوار الطاولة المستديرة (تذكرون فرسان الطاولة المستديرة، فرسان النبل والشجاعة والمروءة)، لأن كان من شأن ذلك أن يُغيّر سحن بعض المتحاورين، واستدارة الطاولة (أو المأدبة!) فتصير مستطيلة أو مربعة أو مثلثة، أو حتى أحادية. ما كان علينا إلا أن ننتظر، (وما زلنا ننتظر) أن يبقى المتحاورون على شكل الكرة الأرضية من حيث الاستدارة والدوران، ذلك أن هذا الشكل بالذات يجعل الأمور والأشخاص يعودون الى نقاط الانطلاق مرة الى الدرجة الصفر وأخرى الى درجة المراجعة وأخرى الى نقطة لقاء. فالدوران يعني العودة. والعودة تعني عدم المغادرة. ولهذا، هناك فارق بين النهر الذي لا تغتسل فيه مرتين، وبين الفصول التي ترتاد بعضها، بتوازن، ودقة، وتكرار.
نقول هذا، لأن بعض المشاركين يجلسون الى طاولة الحوار، وكأنها أقرب الى مأدبة الطعام: جوعى، وجشعين، يلتهمون المواقف و"المكاسب"، والقرارات بنهم وفجعنة، حتى التخمة، ليعودوا ويتقيأوها، ويلفظوها عابثين بالآخرين، وما عند الآخرين، وما يشتهيه الآخرون.
هؤلاء الفجعانون ("المؤمنون" بفجعنتهم الأبدية: من الأبد الى الأبد) يرون في طاولة الحوار فرصة للالتهام والازدراد والابتلاع والزلط والتقيؤ معاً. يلتهمون ما للآخرين، ويتقيأنوها على ثيابهم وشواربهم وأحذيتهم وكلماتهم. ذلك، أن الطاولة إذا كانت مستديرة، ساوت بين الجالسين إليها، وإن لم توحد لا النبرات، ولا النيات، ولا الألوان، ولا التواريخ، ولا المستقبل. ذلك أن الذي يقبل الجلوس الى الطاولة المستديرة عليه، أولاً أن يترك خلفه المناشير والمبارد التي يسنن فيها أطراف الطاولة، ليكون له "المحفل" وحده، ويكون الباقون ظلالاً، مجرد ظلال. بمعنى آخر يكون لهؤلاء "الواحديين"، أن يجلسوا الى الطاولة لكي يقفوا عليها، ثم يقفون عليها لكي يقرفصوا على الحضور، ثم يكون لهم أن يتكلموا لكي لا يتكلموا، أو يقرروا مع المقررين (إجماعاً) لكي "يلحسوا" تواقيعهم، وأصواتهم، وكأن ما قالوه، طبشور وممحاة، أو كلام لليل يمحوه الليل والنهار. ذلك أن هؤلاء، يريدون أن يفصلوا بين زلاعيمهم وقراراتهم، بين بصماتهم وأيديهم، من دون أي إحراج. ذلك، أنهم، عندما يحتقرون، ومن باب العزة والغرور والانتفاخ، سواهم من الجالسين معهم الى تلك "المأدبة"، إنما يحتقرون أيضاً، (في العمق) كل الذين لا يجلسون معهم، من مواطنيهم ومللهم وأحزابهم. إنه اللا"خجل". واللا استحياء، واللا التزام. إذاً، نقول اليوم، كذا، وغداً فيوم آخر. ثم اليوم نقول كذا، والبارحة يوم آخر. وبين اليوم والبارحة يُسجّل هؤلاء من الازدواجية، والاستبطانية، ما قد يهدد أحياناً، القوم، في الداخل والخارج، بالافرنقاع، وبالتشتت، وبالعودة الى الانعزالية، والاستبدادية الشاهقة وإن متسنّمة قمماً نشوى من الايمان العميم لكن الأخف من أمر تعليمات ينزل من هنا وهناك!
فهل يكون لمؤمن شديد الادعاء بإيمانه بالله، أو لمؤمن شديد الادعاء بإيمانه بالوطن، أن يكون على هذا المستوى من نفي "الهوية" المزعومة، بحيث، يكذب على الله وهو يبتهل له، وأن يكذب على الوطن وهو يناجيه. وانه لمرض عضال، عرفته هذه الأمة (أي أمة؟ كثرت الأمميات المؤمنة بحمده تعالى!)، وكان من أسباب كل هذه الهزائم، وأشكال التخلف، والعمالة، والقتل، والازدواجية، والتهافت، والتفاخر بالارتهان، وخيانة الأوطان، والتواطؤ مع الأعداء، والتسامح مع المجرمين والقتلة والسفلة. كل هذه الظواهر المَرَضية تفشت على امتداد نصف قرن مع هذه الأنظمة العربية، التي، وممروضة بالسلطة والتسلط، كان عليها أن تعيش فصاماً مكتملاً، من حيث شعاراتها ومضامينها، ومن حيث أقوالها وأفعالها، ومن حيث أفكارها ومسالكها. تقول الديموقراطية وهي استبدادية (وعلينا أن نصدقها وإلا...). تقول الاشتراكية وهي نهّابة قوت الناس وأرزاقهم (وعلينا أن نصدقها وإلا...)، تقول الشعب الحر وهي تعامله كقطيع من المواشي (وعليه أن يصدقها)، تقول الصمود في وجه العدو وهي مستسلمة لمشيئته، تقول التحرير ثم تتخلى عن أراضيها مقابل الحكم والسلطة، تقول النزاهة وهي فاسدة مفسدة، تقول احترام الآخر وتلغيه، تقول التعددية وتفرض الأحادية، تقول التصدي وتصدأ أسلحتها في المخابئ والمخازن، تقول العروبة وتصفي أحزاب العروبة. تقول التقدمية وتعمد إلى إشاعة التخلف. تمدح الثقافة وتلغي المثقفين. تدعي العلمانية وتمارس العائلية والطائفية. تدعي الجمهورية وتعمل على تدميرها...
إنه، لمدرسة نموذجية في الفصام، هذا النظام العربي، المتراكم على أمراضه وأوبئته. هذه المدرسة خرّجت أجيالاً من أهل الأحزاب والحكام والقادة والمفكرين والسياسيين. وعندما ننظر حولنا، وعلى امتداد نصف قرن، ونقيس ما وصلنا اليه، نكتشف ما سببت هذه المدرسة الشيزوفرانية الفصامية من هزائم عسكرية منذ الـ 48، فالـ 67، فالـ 73، فحرب العراق، وقبلها ايران، ونكتشف، اذا ما نظرنا الى واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ما سببته هذه المدرسة الفصامية من خراب، وفقر، وانقسامات، وقمع، وموت داخلي، وتراجع، وتخلف، وتهمش، بحيث نجد ان هذه المجتمعات العربية الحية، جُعلت خارج التاريخ، وخارج صناعة التاريخ، وخارج صناعة الافكار والنهضة، والتغيير، والعلم، والاختراعات، والمساهمة بصنع الحضارة. هذه المدرسة الفصامية قادت نفسها الى الاستنقاع، (ولو بطر بعضهم في مستنقعه)، وقادت مجتمعاتها الى الموات...
لكن وبرغم هذه الظواهر المرضية الفعالة، لم يستبق بعض الاحزاب، المستجدة، أو "الموروثة" من مآثر تلك الانظمة، سوى فصامها! والمتتبع لما يحصل في لبنان، منذ أكثر من ثلاثة عقود، يكتشف، ان هذه المدرسة، ما زالت السباقة في ادراك هذه العقول الحزبية المهترئة، التي وبدلاً من تجديد ذاتها، عبر تجاوز تلك الأدواء والمثالب والاخطار، نراها، ترث وبفخر، فصامية عالية، وشيزوفرانية حادة، في تعاطيها مع الأمور، والقضايا الكبرى والصغرى.
ولا ينفصل ما يجري الى طاولة الحوار، عما كان يجري في أوكار اهل السلطة، والنظام العربي. يضاف النظام الأعجمي (الذي لا يقل فصاماً عن جاره العربي!). فهؤلاء الممروضون بانقسام الشخصية والشخصانية والتشخيصية (والمشخصاتية)، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون. هناك مسافة "محرمة" بين شفاههم وعقولهم وأيديهم وقلوبهم، بحيث يتعذر عليك ان تعرف: أيها يصدق أو يكذب، لتكتشف ان ماكينة الكذب تضيء كلها بترياقها وريقها على اجسادهم ومخوخهم. فهؤلاء مع السيادة لكن عليهم ان يكونوا مرتهنين. وهؤلاء مع لبنان الواحد ولكن عليهم ان يؤسسوا في "جغرافياتهم" لغيتوات هجينة وهؤلاء مع التحرير (وقد حرروا مشكورين)، هناك، وضد التحرير في أمكنة أخرى من الوطن. يعلنون الاستقلال في هذه المنطقة، وينكرونه في مناطق أخرى. وعليك انت ان تشكرهم على "تحريرهم"، وعليهم ان يتهموا المحررين الآخرين بالعمالة. وعليك ان تمجدهم لأنهم الغوا الوصاية الصهيونية هناك، وعليهم ان يخونوك اذا الغيت الوصاية الأخرى هناك!
عليك ان ترى في أي ترسيم يتم بين دولة وأخرى، أعجمية كانت أم عربية (وحتى صهيونية) شرعياً ووطنياً، وتعتبر ترسيم حدودك مع الشقيقة "خيانة"، وخدمة "للصهيونية" (نظن أن هؤلاء لا يريدون ان تنسحب اسرائيل من مزارع شبعا في حال رسمت الحدود بين لبنان وسوريا) عليك ان تعتبر استعانة بعض الأطراف العراقية (وغير العراقية من بلاد الجوار) بالأميركان لاسقاط نظام صدام حسين، وضرب طالبان، عملاً ضرورياً، وان تعبر في الوقت نفسه حتى الزعم بتدخل الأميركان في لبنان خيانة! (حيص بيص)!
(أولم تُسدِ أميركا أكبر خدمة لايران عندما اسقطت نظام صدام حسين وضربت طالبان؟). برافو!
عليك ان تعترف بأكثرية عددية هشة قطيعية، وتنكر الأكثرية المنتخبة! فكأن الذين، انتخبوا لم ينتخبوا، والذين لا ينتخبون هم الذين انتخبوا".
عليك أن تعتبر أن انتخابهم "شرعي" (بمن حضر ولم يحضر)، ومن انتخب الأكثرية غير شرعي أو حتى غير موجود، أو وهمي. الأكثرية يا اخوان هي التي فازت بالانتخاب. والأكثرية الوهمية هي التي انتخبت ولا تعترف حتى بانتخابها. أي انتخبت لكي لا تكون ضمن الدستور والقوانين، جاهزة لضرب كل الانجازات الديموقراطية!
يرفضون استبدال وصاية (سورية) بوصاية أخرى (أميركية)، وفي الوقت ذاته يتمسكون بعدة وصايات (عليهم وعلينا)، وكأن مفهوم الوصاية يتجزأ. وكأن مفهوم الاستقلال يتجزأ. وكأن مفهوم التحرير نفسه يتجزأ. بل وكأن مفهوم المقاومة يتجزأ. هم، كل شيء مجزأ في رؤوسهم! رؤوسهم خانات وأقسام وكهوف مجزأة؛ ما يجوز لهم يحرمونه على الآخر. ولهذا، تضرب بعقولهم ونفوسهم وأرواحهم السامية المنزهة الضعيفة التناقضات الشتى! ونظن أن هذا من الطبيعي أن يحدث أو حدث في مؤتمر الحوار، إذ هم في الحوار حول "المأدبة" (العامرة بالأطايب) في الداخل، وضد الحوار فعلياً في الخارج، هم مع الاجماع (والتوافق) في الداخل، ومع التشكيك بالاجماع في الخارج. هم "ليَّنو النبرات والزفرات والآهات في الداخل، وقطاعو رؤوس وأيدٍ في الخارج! إذاً هو الفصام! الفصام من "فوق" يريدون أن يُعمَّم فصاماً من تحت!
مع هذا، ما زلنا ننتظر، جلسة حوار وأخرى وأخرى، ليس لأننا ننتظر أن "تملّس" زواياهم، ولا أن يشفى فصامهم، ولا أن تخفف تناقضاتهم، ولا أن تبرر ارتباطاتهم، وإنما، لأننا، ننتظر أحياناً، لتكتمل دائرة اليأس منهم، ولتتحقق التكهنات (المُرّة) بشأنهم، وليصحو (ربما) شيء من أصالتهم (وهي حية وقوية)، وليغفو كثير من تناكرهم (وهو حي ويقظ)، ذلك ولأننا محكومون بالحرية، وبالديموقراطية، وبالاستقلال، فإننا في الوقت ذاته محكومون بهم، ذلك لأنهم، ومهما ابتعدوا وتناؤوا، وغرّبوا، فلا بد، أن يستكملوا، ذات يوم، مشوار الاستقلال، والسيادة... والمقاومة والتحرير!
هذا هو قَدَرُنا!
ونظن أن هذا هو قَدَرُهم أيضاً!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00