8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

السنيورة وفلول نظام الوصاية

كان على الرئيس السنيورة أن "يُفَشِّل" زيارته الى الولايات المتحدة، ويعلن أنه عاد خالي الوفاض، وقد تعرّض من قِبَل مضيفيه للتحقير والاهانة، لكي يُدخل "الحبور"، و"الغبطة"، ومعاني النصر الى أبناء "الخط" الأبرار، من ذوي عروبة "أنا هويت وانتهيت"، و"فورد أبو دعسي"، والى متأبطي "الايمان" وملتحفي الوَرَع، ومربوطي "الأعناق" بـ"أعلاف" بعيدة أو قريبة.
كان عليه أن "يعترف"، بأنه ما كان ينبغي له أن يلتقي أحداً من هناك لا في البيت الأبيض، ولا في حديقته ولا في نيويورك ولا في الاسكا ولا حتى في أي مكان بل كان عليه، ومن باب الاخلاص للمقاومة وللحوار ولمزارع شبعا (السورية حتى الترسيم)، وللاقتصاد وللبحبوحة، وخير البلد، وحتى خير أهل البنغو والاتصالات الخارجية والكازينو وبنك المدينة وكوبونات صدام ومصادري "التبرعات" أيام "العز" المنكسر، وأيام الهزيمة المظفرة (العونية)، كان عليه أن يرفض كل "حفاوة" وكل معاملة إيجابية له، ومحترمة، ويطالب المسؤولين الأميركيين بمعاملته، كما يعامله مسؤولو أهل الوصاية حيناً بنعته "بالعبد"، وأخرى بالمأجور، وأخرى برفض استقباله. كان على السنيورة أن يطالب الأميركيين (وغير الأميركيين)، بتحقيره، وإذلاله، لكي تتساوى معاملتهم الغربية له بالمعاملة الشقيقة، وهكذا تستقيم العروبة في نديتها، ويزول "الارتياب" وسوء الظن والإثم، ويعود السنيورة الى حجمه اللبناني الحقيقي الذي يحدده له أهل الوصاية، وتفرعاتهم ومشتقاتهم اللبنية والعسلية بجناتهم "التي لا تجري من تحتها الأنهار"، وبمداد بات ماء من فرط النفاق والازدواجية والخبث...
...ونحن علينا، أيضاً، أن نلوم السنيورة لأنه "خيّب" آمالهم، وندينه لأنه خالف الأوامر والنواهي بنجاحه، كرئيس حكومة، في التكلم باسم لبنان وكان عليه أن يتكلم باسم بلد آخر ولمصلحة بلد آخر لكي يُتهم برفعه شعار لبنان أولاً، وحمل قرارات الحكومة والناس وقضايانا ومعاناتنا، وإيصال صوت لبنان، (دون سواه) الى الآخرين. صوت لبنان؟ قلت يا سنيورة! (يا للعنصرية). قلت صوت لبنان؟ وهل من المفترض أن يكون للبنان صوت ما وقد اختفى على امتداد ثلاثة عقود، وصُودِر، والتُهم، واستُتببِع، واستُقبع، واستُعزل، حتى الاختناق. صوت لبنان يؤتمن عليه، إما غير اللبنانيين، أو الذين يرتبطون بأعلافهم في بلاد الأشقاء والأعاجم. صوت لبنان لا يحمله من يمثل لا الأكثرية ولا الأقلية ولا بين بين، وإنما، وكما اعتدنا وبات الاعتياد عرفاً وقانوناً وبنداً من بنود دستور الوصاية، ان يحمله سوانا، عنا، ليريحنا من عبء "القرار اللبناني المستقل"، أو الارادة اللبنانية المستقلة، تماشياً مع تلازم المسارين أو المسارات الثلاثة... اليوم، التي تقضي وفاء للعروبة، وللمواجهة (أين) أن يذوب المسار اللبناني في أي مسار آخر. أي يختفي كل أثر، لمسار لبناني واضح ومعيّن.
كان عليك إذاً يا دولة الرئيس أن تذهب الى هناك، (أو الى أي مكان آخر لا بصفتك الشخصية، ولا بصفتك الشرعية، ولا بصفتك التمثيلية. أن تذهب لكي تذهب. أقصد أن تذهب لكي لا تذهب. وتعود لكي لا تعود. (تماماً كما يفعل رئيس العروبة المقاومة وجمهورية الموز والخس والمخابرات اميل لحود). أن تذهب لكي يتكلم أحد، عنك، سواك. أن تذهب وتقرأ هنالك ما كتبه أهل المصادرة والوصاية لك. فتكون ببغاء غير لبنانية بصوت لبناني، أن تذهب وتتكلم لغة "أعجمية"، "من كل لسن وأمة"، وتحكي فيها كل شيء هناك، إلا مصلحة هذا البلد، اهكذا تذهب الى هناك وتحمل رأي حكومة منتخَبَة، وأكثرية منتَخَبَة، بهذه الاستقلالية، والحرية، ولو؟ أتخرج يا فؤاد السنيورة على الأعراف والتقاليد التي سادت أكثر من ثلاثة عقود التي كان فيها القرار اللبناني مصادَراً، والصوت اللبناني مصادَراً، والارادة اللبنانية مصادَرة؟ ألم تتعلم من دروس الرئيس الشهيد شيئاً؟ ألا تذكر ما كان ينتظره، هنا، من بتوع العملاء والأجهزة وأبواق "العروبة" عند كل زيارة كان يقوم بها الى الخارج، ويحقق إنجازات للبنان؟ ألا تذكر بما كان يتهمه به "العروبجيون" وأزلام الأجهزة، واللصوص والمجرمون والمرتهنون، بأنه يتآمر على لبنان وعلى "العروبة" (وعندما يقولون العروبة يقصدون عادة نظام الوصاية التي يجب أن تمر به هذه العروبة لتقطر فيه ولتصفو كعين الديك!)، وعلى الجنوب، وعلى القضية الفلسطينية وعلى "المصير" المشترك، والمسار المزدوج، و"الخط". ألا تذكر بتوع "الخط" الذي يمتد من أقرب سجن ومركز تعذيب الى آخر موقع من مواقع المخابرات مروراً بالبنغو وبنك المدينة والكازينو والخوات والخلوي... (هيك تكون العروبة أو بلا!)، ألا تذكر أهل "الخط"، وجوقة الغربان التي كانت توزع على حناجرها "كلمات" السر، وزجليات التخوين، وبيانات التشكيك في حق الرئيس الشهيد، إذاً أنتَ لم ترعوِ يا دولة الرئيس، ولم تتعظ، بتجاوب الرئيس الشهيد... الذي كان يُخوَّن (من قبل الخونة بالطبع) كلما كسر عزلة لبنان في المحافل الدولية، وكلما نجح بجذب مساعدة اقتصادية للبنان، أو حتى معنوية أو رمزية. أو لم يضعوا "رابوقاً" أو روابيق له، من وزراء خارجية وسفراء يتجسسوا عليه، ويكتبوا التقارير عنه ويقدموها الى سادة النظام الأمني المشترك؟
أنتَ لم ترعوِ! ولم تتعلم! كيف تذهب الى أميركا، (الشيطان الأكبر)، والامبريالية، وبلاد العولمة، المتآمرة على مصلحة "الأمة" (أي "أمة"؟ كثُرت النعوت الأممية اليوم)، لتواجه أصحاب الممانعة والصمود، والتصدي؟ بل وكيف تذهب علناً الى هناك! أو ما كان واجباً عليك أن تستشير الذين دخلوا الى لبنان بإرادة أميركية ـ اسرائيلية لتصفية المقاومة الفلسطينية مقابل "وجودهم" الأهلي والأخوي والعمومي... في ظهرانينا؟ أو ما كان عليك أن تطلب رأي الذين انخرطوا في قوات الحلفاء بقيادة الأميركان لمحاربة العراق، مقابل وجودهم الأهلي والأخوي والعمومي عندنا؟ أو ما كان واجباً عليك أن تأخذ "بخاطر" موزعي التفجيرات والاغتيالات وبيانات التهديد والاستدعاءات ومخربي الاقتصاد وتستأذنهم، أو ما كان عليك واجباً عليك ان تخاف، وانت تعبّر هناك، عن وجه لبنان الجديد (وإن مشوباً بقذارة فلول النظام القديم المهترئ)، من متفجرة (ترميها "اسرائيل" بالطبع، فالتهمة لدى عملاء النظام الأمني السابق جاهزة، ليهدروا بذلك دماء كل لبناني حر!) أو من صاروخ ملقى قرب منزلك، أو صاروخ آخر مربوط بفتيل وجاهز للتفجير (كما حدث أول من أمس قرب منزل أحد أقرباء المناضل الكبير الياس عطالله)؟ أو من تظاهرة محشوة بالمخابرات ومجهزة بأدوات التقدمية والعروبة من سكاكين، وعصي وحجارة ودواليب. (عدة العروبة رائعة!) هل نسيت كيف فجرت ساعة الجامعة الأميركية بعد إحدى زيارات الرئيس الشهيد الناجحة إلى الخارج؟ هل نسيت الصاروخ "العروبي" الذي اطلق على مبنى مدني هو مبني تلفزيون "المستقبل؟" هل نسيت كيف أستقبل "حُجّاج" العمالة والارهاب الرئيس الشهيد، بعد عودته المنتظرة من مؤتمر باريس؟ هل نسيت كيف هوجمت الكويت لأنها قدمت مساعدات للبنان، وعندها قيل إن هذه المساعدات، لرفيق الحريري وليس للبنان؟ هل نسيت ما كتبته بعض الأقلام العروبية التي جفت عروبتها في أوكار الأجهزة، عندما عاد الرئيس الشهيد من مؤتمر اصدقاء لبنان في أميركا، فكالت له الاتهامات أقلها العمالة، وألطفها رهن الاقتصاد اللبناني للغرب، وللعولمة ولأعداء الأمة (أي أمة كثرت النعوت الأممية اليوم، فيا أمتاه!)، هل نسيت كيف كان رموز النظام السوري في لبنان، وعلى رأسهم غراب بعبدا، يعرقلون كل مشروع إنمائي وإعماري للبنان، يقدمه الرئيس الشهيد لإفشاله!
يبدو أن خطة "بتوع" الخط، ما زالت شغالة، بالأسماء ذاتها، والعدة ذاتها، والارهاب ذاته، والعمالة ذاتها. ومن رؤوس اقلام هذه الخطة. 1) الحؤول دون قيام دولة مستقلة. 2) عرقلة كل مساعدة خارجية للبنان 3) محاولة عزل الارادة اللبنانية عن المحافل الدولية والعربية؟ محاولة تفشيل كل ما من شأنه تعزيز السلطة المركزية وابقاء "المناخات" الكانتونية (وبعضها قائم حالياً عند أهل الورع والتقوى واممي الأيام الجديدة ـ السالفة) 4) الايحاء بأن اللبنانيين عاجزون حتى عن تعيين موظف في المطار (بهمة أهل الورع وجمهوريات الايمان!) 5) إبقاء لبنان قصاصة في جيب النظام الأمني، يرفعها متى يشاء، ويرميها متى يشاء، 6) محاولة ابقاء لبنان في حالة استثنائية غير طبيعية (ما زالت حالة الطوارىء قائمة عندهم منذ اربعين عاماً، ولا من يحارب، ولا من يقاوم، ولا من يتصدى إلاّ عبر اللبنانيين وعلى الأرض اللبنانية. براو يكون النضال هيك أو بلا!)، 7) ابقاء جو الارهاب والترهيب والتخويف مسيطراً، كاداة لمنع اي تلاق، بين ا للبنانيين والحؤول دون أي حوار. (أو ليس هذا ما حصل ونفذه بتوع جمهوريات الايمان والفستق الحلبي المؤمنين بأممية لبنان داخل أمة الورع الشاسعة). 8) التشكيك بكل خطوة تقوم بها السلطة الجديدة لتعجيزها، وتقعيدها، وشلّها. 9) محاولة قطع كل خطوة لبنانية باتجاه الخارج (كما باتجاه الداخل) للعمل على ترسيم عزلة شبيهة بالعزلة التي يعانيها نظام الوصاية، 10) محاولة خنق كل أمل بخروج لبنان من آثار "فجيعته" الممتدة ثلاثة عقود، لتيئيس اللبنانيين، وجرهم إلى الاستسلام لأي أمر واقع مفترض من النظام الأمني السابق...
إذاً، ينتظرك يا دولة الرئيس وعلى الكوع، كل ما ينفح به عملاء الوصاية والأجهزة، من ارهاب وتخويف وترويع وتهديد وتفجيرات وترهيب ومؤامرات بأسلحة من هناك، وبأموال من هناك (حيث فائض النفط المؤمن!)، فاستعد واستمر. كرجل دولة يعبّر عن المجتمع المدني من الطرازالرفيع. كرجل دولة حملته إلى الدولة انتفاضة ولا كالانتفاضات، ثورة. لا كالثورات، جماهير ولا كالجماهير، عروبة ولا كالعروبات (لا أقصد عروبة الأنظمة والأجهزة والعسكر) حركة استقلالية من الصنف العالي، ونزعة سيادية، شعبية، من أرهف النزعات، التي بها، وسواها ستقاوم جحافل الشر، وادوات القتل، والتخريب والاستبداد.
وحدها الديموقراطية التي جاءت بك إلى السلطة تقاوم أهل الطغيان، ومختزلي شعوبهم، وتواريخهم ، بشعارات خشبية، ميتة، مسمومة، ما عادت تصلح سوى كخردة، كخردة في أنظمة من الخردة، ما عادت تصلح حتى للماضي فما بالك للمستقبل...

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00