ارتفعت الصلوات والأدعية في الذكرى الحادية والثلاثين لاندلاع ما يسمى تبسيطاً "الحرب الأهلية في لبنان". وقدمت في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة برامج، ودّبجت مقالات وتحاليل وعقدت ندوات وحوارات حول هذه الذكرى المشؤومة، والمآسي والفواجع التي أصابت هذا الشعب الذي حمل صليبه ومشى على درب الجلجلة... طويلاً ومريراً.
كل هذا ضروري: استسقاء السلام. استحضار الموت اليومي، وصور الخراب... لكنه الجزء "اللغوي" أو المجازي في معالجة الأمور (وهذا مهم) أو فلنقل هو الجزء "التذكاري" الذي يجب استمثاله، لكن الجزء الآخر المتعلق بأسباب الحروب وظواهرها ورموزها وخلفياتها ومحركاتها ومسبباتها وابطالها الحقيقيين والكومبارس والكواليس وتحديد حجم الأدوار والمسؤوليات، هذا الجزء ما زال "غامضاً" لكي لا نقول منتمياً إلى "المحرمات" والتابوهات والاعتبارات. ونظن أن هذا الجزء هو الأساس، ولكي يتسنى لنا ادراك أعماقه، لا بدّ من كشف الأوراق المستورة أو المسكوت عنها، أو الممنوعة، سواء كانت أوراق النظام العربي، أو الأجنبي (أميركا، اسرائيل في الطليعة) أو الداخلي، (الاجتماعي، الطائفي، الاقتصادي، السياسي). أي محاولة تعيين العوامل التي أسست لهذه "الحروب علينا كلبنانيين وبنا" من دون اللجوء، إلى أساليب التمويه، والطمس والتزوير والتزييف وإحالة المسائل على غير منابعها، ومشتقاتها.وبهذا المعنى، بقي "التجهيل" سيد المواقف. والتجهيل بالتعميم، أو بالتخصيص الجاهز. (العدو)، ليس أكثر من محاولة القول، إن ما حصل منذ 1975 إلى 1990، لم ينته. وان السنوات الخمس عشرة من التقاتل والقتل والتذابح، هي ايضاً بروة برغم اكتمال عناصرها الدرامية، والدليل (بحسب هؤلاء) إن كل العناصر والمواد والأسباب والاعتمالات التي اتخذت ذريعة لاشعال الحرب مازالت متوفرة: الطائفية اليوم "أشد". الانقسام الداخلي "أعمق". الاقتصاد "مهزوز". الروح الكانتونية "مستشرية". العنصر الخارجي مؤمن (بعض النظام العربي، اسرائيل وايران بقناع امبراطوري جديد)، والوضع العربي متنافر ومتناكر يطفو على انقسامات طائفية ومذهبية ونزاعات اثنية. إذاً، فشروط الحرب "الأهلية" (بثوابتها الداخلية والخارجية) واضحة وراسخة ومفرزة. ولا ينقصها سوى عود ثقاب ليشتعل فتيلها من جديد، هذا المنطق "الواقعي" لازم اللبنانيين كل سنوات الحرب، وكذلك سنوات ما بعد الطائف، إلى درجة بتنا ننتظر، ان ننام على "سلم" أهلي، ونستفيق على حرب، إذاً، لم يعرف اللبناني من ضمن "ثوابته" اللازبة، ما يمكن أن تسميه سلاماً داخلياً، او اطمئناناً على مصيره، او ضمانات لمستقبله، أو تعزيزاً، لخروجه نهائياً من أتون الموت. ولو تابعنا بشيء من الدقة هذا الخطاب، المُعَمّم من الوصايات المتعاقبة بنظام الوصاية، منذ ثلاثة عقود لوجدنا، أن علينا، ومن واجبنا، ومن مكوناتنا، ومن حاجاتنا (في البقاء) أن نؤمن بأن العناصرالتي صنعت حروب الأمس ما زالت موجودة و"من الابد إلى الأبد"! وان علينا اعتبار وجودنا موقتاً وحروبنا دائمة. وسلمنا موقتاً وانقساماتنا دائمة. وان وحدتنا (الوطنية) وهمية وتشرذمنا دائماً. واننا (وحتى نثبت العكس!) مجموعة شعوب، تربت على القتل، والنزعات الطائفية، والقصور السياسي والثقافي والارتهان بالخارج، مما يعني أن هذه الشعوب (اي نحن) التقت مصادفة أو بقوة "الجبر" التاريخية والجغرافية، وتفترق عن بعضها بقوة "الحقيقة" والواقع، أي ليس لنا ولو من باب التمنَّي أي قدرة (موضوعية أو ذاتية أو تاريخية) على الاختيار. لأننا، ومن شدة شغفنا بالموت لا نختار لانفسنا إلا الموت (أي مجتمع انتحاري بامتياز)، ولأننا، اذا اخترنا، ومن شدة ميولنا إلى التدمير، سندمر أنفسنا. إنها الثوابت التي فرضها علينا "المنطق الصهيوني" وتبناه منطق النظام العربي. ومن هذا "المنطق" (الثابت)، لا يمكن لهذه الأرض أن تكون لأهلها، (التبرير الصهيوني لاغتصاب فلسطين. والتبرير الاستعماري لغزو الشعوب)، ولا يمكن لهذا الشعب أن يستقل، ولا يمكن لهذا الشعب أن يحكم ذاته، ويدير شؤونه بنفسه، ولا يمكن له (ولا يحق له) أن يطالب بالسيادة، أي سيادة. فالسيادة تعني الخراب لشعب قاصر ووصيّه الناضج جاهز. وتعني تجديد الحروب. وتعني بوسطة عين الرمانة. وتعني 13 نيسان 1975. وتعني اغتيال نسيب المتني (مقدمة أحداث 1958)، وتعني اغتيال معروف سعد... وتعني المذابح والتهجير والقتل على الهوية. فالسيادة، في نظر ذوي المطامح والمطامع والانتهاك، تقول بتأصيل الهشاشة واستثارة الماضي، ونبش القبور، وتكسير المرايا واستجلاب "العدو" (فالسيادة "هي التي تستدعي العدو" ولهذا، فالمطالبون بالاستقلال اليوم، ليسوا، بنظر أهل الوصاية والوصايات (العرب ولا نستبعد اسرائيل التي لا تريد أن يعود لبنان إلى مكانته، ودوره، ورسالته) هم أعداء لبنان. كل استقلالي اليوم (بنظرهم)، يحمل متفجرة وينتظر بوسطة 13 نيسان ليفجرها. كل استقلالي يستدرج الاشقاء (الاطهار، البررة) إلى الحروب، ويستجلب "الخارج". أي أن كل استقلالي سيادي هو "عميل" و"خائن"، لأنه، بحسه الاستقلالي "يقضي" على استقلال لبنان (!) وبتمرده على الوصاية، يستَبدل وصاية بوصاية (!) وكل ممانعة منه للحرب هي استحضار وتحريض على الحرب (!) هذه النظرة الدونية التي عممها أهل الوصاية (بتبني النظرة الصهيونية والاستعمارية) كادت تعطي صورة أحادية مشوهة عن هذا البلد.
ولكن اذا كانت الثوابت التي اشرنا اليها، أي العناصر المكونة لاحتمالات الحرب "الأهلية" ما زالت موجودة، وعدة القتل "العروبية" المتناسقة مع عدة القتل الصهيونية (تحت مسمى "العروبة المتصهينة" ) ما زالت في المتناول، فإن ما فات هؤلاء، ان هذه العناصر باتت موجودة في معظم العالم العربي.
اذا أن الأنظمة التي بدأت "ثورية" "علمانية" ولو بالشعار ولو بالدبابة انتهت طائفية مذهبية عائلية، مما انعكس على القواعد الشعبية التي تكاد تكون بمعظمها على صورة السلطة وان، اذا كانت نيران "الحرب الطائفية"، تحت الرماد هنا، فهي أيضاً تحت الرماد من المحيط الى الخليج. وانه اذا كان على مرتزقة الحروب وصناعها، وعباقرة الفتنة، ان يُعيدوا آلة الحرب إلى لبنان، فستصيبهم، هذه المرة، قبل أن تصيبنا. فوضعهم أكثر هشاشة وضعفاً من أن "يصنعوا" حرباً عندنا تجنبهم حروباً عندهم. فهؤلاء اللاعبون بالنار، في بلادنا ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، ستحرق النار رؤوسهم، وعائلاتهم، وسلطتهم ومخابراتهم وعنجهيتهم! صحيح أن بعض "الثوابت" السلبية الماضية ما زالت موجودة عندنا، لكن الصحيح أيضاً ان العالم تغير. لم يعد هناك اتحاد سوفياتي يركنون اليه (ويخذلهم) ولا ولايات متحدة تفوضهم (بالتضامن والتكامل مع اسرائيل) لاطلاق يدهم عبر الفتن والمؤامرات والتهويل، ولم يعد هناك أنظمة عربية على اصطفاف معهم (أو ضدهم) لتخريب لبنان عبر جعله ساحة لصراعاتهم وورقة من دفاتر هزائمهم. فالقذافي في المقلب الآخر وصدام وراء القضبان. والسادات في "جنات الخلد" التي لا تجري من تحتها الأنهار، والخليج مشغول بهمومه. وايران (القناع الامبراطوري الجديد) ليست في (اليد) ولها مصالحها، ومناوراتها وأهدافها غير الايديولوجية (البراغماتية) وأوروبا لا تكرر تجارب التواطؤ مع بتوع الوصاية.
هذا ما لا يريد ان يقتنع به "بتوع الوصاية" الذين ما زالوا يعيشون في وهم الماضي: اللعب على التناقضات، بيع الأوراق والمواقف، الاتفاقات من تحت الطاولات ومن خلف الكراسي، الحلم بإعادة الهيمنة على لبنان. لا يريدون ان يقتنعوا بأن الزمن تغير، وانهم صاروا من خردة الماضي. وأن الاساليب البالية (من ترهيب وفتن وقتل واغتيال، وتهديد بالحروب، والتخريب) ما عادت تجدي فتيلاً لفتيلهم المُطفأ. وتجاوزاً، للمتغيرات التي تمت في العالم من سقوط الاتحاد السوفياتي إلى تراجع الايديولوجيات، إلى الحرب الباردة، إلى الصراعات العربية العربية. فإن "المتحول" الكبير الذي هز "ثوابت" هؤلاء، يتمثل بالانتفاضة وبثورة الاستقلال، وبخروج الوصاية من لبنان. المتغير، أن 14 آذار 2005 كرد كبير على 14شباط، اضعف كثيراً "رموز" 13 نيسان. 14 آذار، فكك، وإلى حد كبير، بوسطة 13 نيسان وحولها "قطع غيار" وغاب عن بال هؤلاء الذين يُذكّرون كل يوم بماضينا "الأهلي" الأسود، ويرهبوننا بالوسائل المعروفة، ان الحروب التي أُشعلت عنا (بأيديهم وبأيدي سواهم بالتكافل والتضامن مع اسرائيل كحليف ضمني واحتياطي جاهز)، كان لها الحانب الآخر: محاولة تجاوز احتمالات الاختراق. او كما يقال "تحصين" الوضع الداخلي ما أمكن، ورصد ادوات التخريب والفتن وتعطيل بوسطات عين الرمانة ، قبل انفجارها.. بمعنى آخر: مواجهة لغة الحروب والانقسامات وافتعال النزاعات الطائفية بلغة الحياة، والسلم، واستتاب المجتمع المدني، وتمتين الأواصر الداخلية. وأهل الانتفاضة الآذاريون يعرفون جيداً، (مستفيدين من تجاربهم السابقة) ان ما انجزوه (ولو غير مكتمل) هو مكسب تاريخي لا يمكن التفريط به، وان السيادة لا تؤخد مرة واحدة بل تؤخذ كل يوم. وان الاستقلال معركة طويلة ومفتوحة. وان مواجهة العقول الشريرة المدمرة، لا يمكن أن تتم إلاّ عبر قيام مجتمع حي، حر، منتمٍ إلى ذاته، بقدر ما هو مفتوح على الآخر. وان الرد على القتل، والقتلة، ومحترفي الاغتيالات، ومهندسي الجرائم ومفخخي السيارات، (كلغة عروبية تقدمية اشتراكية أصيلة كاصالتهم في الديموقراطية، وفي الاستبداد) لا يمكن أن ينجح إلا بوضع استراتيجيات تنبع من كل التناقضات والعوامل، ومن كل الرواسب والاخطاء التاريخية...
وعلى هذا الأساس لا يكون 14 آذار مجرد يوم تاريخي فحسب. ذكرى ملحمية، اعلان استقلالي، بيان سيادي، فحسب، بل، مشروع بناء وطني متكامل، مشروع مفتوح يؤسس لبناء جمهورية مدنية، تتحصن بالديموقراطية، لا بنظام أمني مستنسخ، وبسيادة تكون صورة من الواقع: فمواجهة "المشروع الصهيوني" بطبعته العروبية، لا يمكن ان يُقاوم بالادوات التقليدية والماضوية، واذا كان النظام العروبي، قد انقلب على ذاته، وانقلب على "منطلقاته" وانقلب عليه واقعه، فإن هذا النموذخ، لا يمكن أن يكون "منارة" لأي خروج من التبعية والتحرر والتقدم والديموقراطية، نقول هذا، لأن قوى التغيير الآذارية لم تُحسن دائماً ادارة مخطط تغييرها، لوقوع بعضها في فخ احتذاء ما تحتذيه بقايا هذا النظام "العروبي ـ الغروبي ـ صانع الهزائم لشعبه، وكاسر نبض الحياة في عروق أمته. فالمعركة، اليوم، قائمة، (ومجازاً) بين من ما زال يُمثل 13 نيسان كرمز للحرب والتقسيم والاستتباع والعنف والقتل، وبين من يُمثل 14 آذار كرمز لخروج لبنان النهائي من "حروب" الاشقاء والاعداء، من عرب وأعاجم وصهاينة عليه. فكأنها حروب ارقام وتواريخ: 13 نيسان 1975 أنجب المجازر والوصايات والاحتلالات والافتراق ومشاريع التقسيم والحروب الأهلية العربية علينا. وما زال لهذا "الرمز" رموزه. اذ ان هناك ما يشبه التحريض العربي (الصهيوني) على لبنان، وادامة صورته "االبشعة" (التي صنعوها له بمجازرهم وطغيانهم وتبعيتهم) والعمل على استرجاع كل اسلحة الالغاء والنزاعات بين الطوائف: فأهل 13 نيسان 1975 ومُنتجوه ومرتكبوه ما زالوا موجودين. وهذا التاريخ علامة هادية في عقولهم المريضة. فهؤلاء يمثلون ما مثل لبنان في وضعه في تلك التواريخ، حيث كانت كل عدة "العروبة" (لاسيما الثورية منها) تعمل على "صنع الحرب" عندنا، بأموالها وسلاحها وعتادها ومخابراتها... وصراعاتها، وتجهد بكل هذه الأسلحة في تدمير ما حققه هذا البلد قبل 13 نيسان من ديموقراطية وازدهار وحرية وانجازات "عروبية" حقيقية. أي تحاول تخريب كل ما "صنع" اختلاف هذه الجمهورية عن جمهورياتها الاستبدادية العسكرية وهزائمها. فليكن لبنان على صورتنا. هذا ما قاله النظام العربي، وهذا تالياً (او قبلاً لا فارق) ما قالته اسرائيل. اذ ان المصلحتين : مصلحة بعض النظام العربي واسرائيل، التقت، بالتكافل، والتضامن والتنسيق (من تحت) على إلغاء لبنان كدور وحضور مميزين في هذا الشرق العربي الذي ابتلي بأحط أنواع الزعامات والقيادات والأحزاب.
إذاً، المواجهة، شرسة وقائمة بين رموز 13 نيسان 75، وبين رموز 14 آذار. أي بين صورتين: صورة بشعة أنتجتها الأيدي السود (عاربة او مستعربة)، وبين صورة حية، مشرقة، انتجتها العروبة الشعبية التي تجسدت في 14 آذار 2005، و14 شباط 2006، هناك صورة خوارجية كالحة للاستبداد والوصاية والتخلف والكانتونات (المذهبية) والعنف. وهنا صورة دامغة لإعادة هذا البلد إلى موقعه المختلف. هناك أنفاس بعض النظام العربي الذي يحتضر موبوءاً بجرائمه، وهنا، انفاس شباب خرج من منطق الطاعة والقبول والماضي، ليشق المستقبل، ويصنع تاريخه ومصيره..
صورتان: واحدة للذكرى المؤلمة التي يستحضرها عملاء الوصاية لتجديدها، وأخرى للحياة، صنعها ويصنعها، مَنْ حسم أمره مع لبنان، وتعدده، وحيويته، وانتمائه. واحدة رمزها هو بوسطة عين الرمانة (لم يكتشف التحقيق حتى الآن مرتكبي الجريمة!) وأخرى رمزها دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أضاء ثورة الاستقلال بحياته، مع سائر الشهداء...
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.