8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشيخ الثائر

كان العلايلي الشاهد على عصر متسع من التنوبر والمعرفة، ثم كان الشاهد على زمن الاظلام والجهل. أف! وماذا تبقى في يدي هذا الشيخ، وفي ذاكرته وفي كلامه وفي كتبه وفي إبداعاته وفي "مغامراته" اللغوية والانسانية، والاجتماعية والدينية الرائعة! آخر الديناصورات الجميلة يرحل، وحول، من فراغ الأمكنة والروح، رماد بات من فرط تكاثفه بلا هوية ولا زمن ولا تاريخ.
الشيخ الثائر عبدالله "العالي" العلايلي كأنه كان تجسيداً لكل ما اعتمل داخل أمته من قلق ومن توق الى التحرر المعرفي والديني والاجتماعي، فكأنه كان في ذلك ومن موقعه ووقعه أبعد من أي تخوم تحدده. كان دائماً في صلب الحركة، في قلب الحركة الحارة، يفيض دائماً عن مألوف أمكنته "المرسومة".
كان شيخاً أزهرياً لكنه لم يركن الى الكتب ولا الى المرسوم ولا حتى الى القدر، كان شيخاً وكان "علمانياً" كان "دينياً" واعتبر الدين عنصراً ثانوياً في بناء القومية، وفي بناء الوطن، إزاء العنصر اللغوي فهو شيخ أزهري ينتمي الى اللغة أكثر من انتمائه الى أي أمور أخرى، لأنه رأى أن الدور القومي لا يرتكز على الدين وإنما على اللغة.
شيخ أزهري ينتمي الى العقل أكثر من انتمائه الى الظواهر الخرافية والقدرية. فالدين ينبوعه العقل.
كان الشيخ الأزهري المسلم المؤمن. فكان كما اتهم يدعو الى "دين ثالث" مكون من روح الديانات الثلاث: الاسلام والمسيحية واليهودية يكون أساساً في بناء وحدة اجتماعية، روحية بعيداً عن التعصب والعنصرية، بل يكون خلفية لقومية تتجاوزه: فـ"لا دين في القومية". و"دينه الجديد" (كما اتهمه البعض) ليس من خارج الاسلام نفسه. أولا تقول الآية الكريمة "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه".
الشيخ الفقيه وفي إطار ثورته اللغوية طبق النظرية البيولوجية (دي لامار) على تطور اللغة التي تشبه ببنائها ومآلها الكائن الحي، وتخضع لناموس الأنواع الذي يقضي بالانقراض عند وجود الأرقى (نظرية النشوء والارتقاء لداروين).
الشيخ الفقيه يوحد بين الدين والنضال والسياسي والمعرفي في مختلف المستويات، ومن منطلق ثوري، اشتراكي مادي وعلماني، أولم يشارك في تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي العام 1949 وكان من المؤسسين آنئذ جواد وفيليب بولس وفؤاد رزق وصبحي المحمصاني ومحيي الدين النصولي وجورج حنا... أولم تكن له مساهمات في تنظيمات سياسية مثل "جبهة العمل القومي" و"حزب النداء" (مع كاظم الصلح)، أولم يكن من أبرز المساهمين في "حركة أنصار السلم".
الشيخ الثائر حامل التناقضات الحية، هو أولاً وأخيراً الابن البار لروح النهضة العربية والتنويرية التي عرفت تجلياتها وروادها خصوصاً في مصر ولبنان. وهو عندما سافر الى مصر للالتحاق بجامعة الأزهر العام 1924 كانت القاهرة تعيش أخصب الحركات النضالية في مستويات التحرر والتجديد، وكان لبنان عرف ملامح نهضوية أساسية مع كبار من أمثال أحمد فارس الشدياق... (وهنا نفهم هذه الجرأة في اقتحام مسلمات لغوية راسخة).
فعبدالله العلايلي ابن تلك التحولات التي كانت تعتمل داخل "عالم العرب"، وهو جزء من تلك التواريخ والحركات التي كانت محملة بالوعود... وبالثورة وبالمستقبل.
لكن الشيخ الثائر رحل مخلفاً وراءه زمناً آخر لا ينتمي الى زمنه، زمناً بددت فيه الآمال والمشاريع والأحلام، زمناً بلا وجه، ولا تاريخ ولا رحمة ولا انسانية، ولا وطن ولا أرض ولا حرية.
فلا قومية قائمة على اللغة أو الدين أو الأرض وإنما "قوميات" طائفية وعرقية وقبلية بلا انتماء ولا قضية.
ولا لغة عربية توجد وتبدع وتتجدد وتتجاوز وإنما لغة تكاد تنقرض في جمودها وعقمها.
ولا دين أو أديان تخدم الانسان بقدر ما يخدمها وإنما أديان جعلها رجالها واجهات للقتل والارتهان والمغانم والتفرقة.
ولا "حقيقة لبنانية" تخرج لبنان من مجهوله ومن "قبليته" وإنما "لا حقيقة لبنانية" في صيغ ة جامدة وميتة.
ولا أحزاب تكون "عصب الأمة"، وإنما أحزاب انحلت خارج انتماءاتها الأصلية وتحولت الى أدوات ارتهان وإظلام.
ولا أفكار كبيرة في عصر "ما بعد التاريخ" الذي صار بلا أفكار ولا قضايا...
الشيخ الثائر بقي ثائراً بالرغم من اندثار كل ما صنع ثورته، بقي ثائراً بالرغم من سنواته المحملة بالتعب والخيبات، بقي ثائراً منسجماً مع نفسه، بالرغم من كل ضروب التنكر والتراجع والارتداد حوله.
الشيخ الثائر عبدالله العلايلي، رحل لكن تلك الجمرة المتوهجة لا تزال فينا، نحن الذين يهتدون بجرأته وتحرره وانتمائه الى الضوء والمستقبل والحرية والانسان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00