...ثم قالها البطريرك صفير. ما كان يُلمّح إليه (على طريقته) قاله بشفافية عالية، وبكلام واضح. قالها أخيراً: ان الرئيس السابق "المنقوع" في بعبدا ربط مصيره بالخارج. وتحديداً بالنظام السوري.
وهذا يعني أن هذا الرئيس لم يعُدْ له ما يربطه بشعب لبنان أي رابط يخوّله البقاء في مركزه. رئيس غير شرعي. بلا غطاء. ولا قبعة. ولا ساتر ولا مستور سوى ما يؤمنه له طرف من خارج الحدود. فهذا الطرف هو الذي فرضه قائداً للجيش. ثم فرضه رئيساً. ثم ممدداً له على ظهور الناس والعباد: هكذا كجثة "تبتسم" يَتَمَدَّد الرئيس على البلد. وما قاله البطريرك، ليس جديداً، إلا بما هو إعلان عالي النبرة تجاوز بالنسبة إليه التحفظات والحسابات والمحاذير، وإلا بما هو إشارة الى جميع المرتهنين بالوصاية، من أهل الايمان والورع والتقوى والصدق (!) وكذلك الديناصورات المعفنة في شعاراتها القومجية، وفي "جعيرها" "الوطنجي"، تعبيراً عن ارتباطها بالأجهزة والمخابرات وفساد النظام العربي.
على أن هذا الرئيس (السابق) لا بد له من أن يكون وفياً لمن "استجلبه"، ورهناً لمشيئة مَنْ ورطنا به. ولهذا من الصعب أن يؤثر فيه شيء. لا كلام البطريرك. ولا الأكثرية. ولا مئات الألوف الذين تظاهروا وطالبوا باستقالته. ولا العرائض، ولا العزلة الداخلية، ولا العزلة الخارجية. ولا الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لا شيء يثني هذا "العسكري" الفاشل الذي لم يَخُضْ لا حرباً خاسرة ولا حرباً رابحة. والتزم أوكار الأجهزة منذ "نعومة" براثنه ومشافره وخياشيمه. هذا الرئيس "الصنيعة" المخابرات، وتربيتها، وتعاليمها البوليسية، والقمعية، وعدائها للناس وللديموقراطية وللمجتمع المدني وللاستقلال والحرية، هذا الرئيس وليد الأقبية والغرف السوداء، لن يؤثر فيه شيء. لا شيء. وسيبقى منتظراً قرار أسياده، ولصفقة يعرض فيه "رأسه" (قلت رأسه؟) للبيع، والمساومة. كأنه يظن أنه جاء بإرادة خارجية، ولن يذهب إلا بصفقة خارجية. والبطريرك صفير يعرف كل ذلك. ومَنْ يدري فربما قالها له لحود: أن لا البطريرك ولا الشعب اللبناني، ولا الانتخابات، ولا النواب جاؤوا به، وإنما الوصاية. ولهذا لا تهمه العرائض ولا حتى رأي البطريرك ولا البطاركة ولا أحد. فهو "مضمون" من هناك. ولأنه يعتبر أنه مضمون من هناك، فمن الطبيعي أن يحسب نفسه "محصناً" حصيناً، في وجه الجميع، حتى ولو أجمع اللبنانيون كلهم في الوطن وفي المهجر، الأحياء والأموات، والأحفاد والمواليد، الشجر والبلاط، والشوارع. فسيبقى في قصر، صار هو جزءاً من حيطانه، وكراسيه، وعفشه، وموجوداته. فليتظاهروا، وتظاهرة المليون يسميها "هوبرة". وليوقعوا العرائض: إنها حبر على ورق، وليفرح الجميع، فصراخهم بلا صدى. وليطالبوا برحيله: فهناك "الله" يحميه بحزبه، وهناك جيوش من المخابرات، تعرقل إقالته، بالتهديد، والاغتيال، والتكسير، والفوضى، والخراب. فليَخربِ البلدُ ويسلم ذو الابتسامة الأبدية.
كل ما نقوله معروف. ولكن هذا "المخرّب" قد يخرّب بمؤازرة ورثة النظام الأمني وفلوله وحلفائه وسواهم، وقد يُطيح كل المحاولات الساعية لبناء الدولة، وإنهاض الاقتصاد، وحل المشاكل الاجتماعية. ذلك أن هذا الرئيس (السابق) ينتمي الى مدرسة سياسية، لا تؤمن بالدولة الجامعة المعبّرة عن صورة المجتمع والناس، بقدر ما يؤمن بدولة القائد الأحَد "من الأبد الى الأبد"، وباستباحة القوانين والدساتير والأعراف وضرب كل إرادة أو ظاهرة تشير الى اختلاف، أو تململ. دولة العسكر. دولة معظم النظام العربي. والأغرب أن العسكر الذين اغتصبوا السلطة بالقوة، على ظهور الدبابات وبأفواه المدافع، وبالارهاب، لم ينجبوا لهذه الأمة سوى "أبنائهم" الأبرار وسوى الخراب والهزائم والدكتاتورية والتسلط والقمع والنهب. يتربعون منذ أكثر من أربعة عقود فوق حطام أوطانهم. وفوق هزائمهم المظفرة (ما أجمل الهزائم التي تتحوّل انتصارات مظفرة يحتفل بها أهل العسكر والمخابرات في المناسبات الوطنية المشهودة)، هذا العسكر الذي أهدر طاقات الأمة العربية، وباع أرض الوطن (لقاء بقائه في السلطة) هو ذاته، منذ ثلاثة عقود وأكثر يعبث بمصير لبنان.
جاءتنا غربان العسكر بجهلها وتسلطها، وشاركت مع اسرائيل وأميركا في إضرام نار الحروب عندنا، (التي يسمونها زوراً أهلية)، وضرب أهم تجربة ديموقراطية وثقافية في هذا الشرق. إذ ماذا يمكن أن يفعل نظام عسكري ـ مخابراتي سوى التدمير. تدمير البشر والحجر. سوى ارتكاب المجازر. واغتصاب حقوق الانسان. هذه السلطة العسكرية حكمتنا أكثر من ثلاثة عقود، و"حققت" ما لم يستطع العدو الصهيوني تحقيقه وحده: تصفية الأحزاب الوطنية والديموقراطية، تقسيم النقابات وشلها، تكريس الطائفية والمذهبية، إعدام كل هامش ديموقراطي، نهب الخيرات الوطنية اغتيال القامات الوطنية العالية (الأعلى من رؤوسهم!) حصار البلد بمناخ إرهابي. هذا ما "أنجزه" بفخر (علينا أن نشكره عليه بالطبع) نظام الوصاية المخابراتي عندنا. ولهذا، فمن الطبيعي أن يحارب هذا النظام (كاسرائيل) كل ظاهرة حيّة. كل نهوض فكري. بل وكل تكوّن لأي حياة سياسية. (منذ ثلاثة عقود ولبنان مصادرة فيه الحياة السياسية). ومن الطبيعي أن يحتضن العملاء ويكافئهم على عمالتهم (أقصد خيانتهم)، ومن الطبيعي أن يحتضن شخصاً كاميل لحود، كان وما زال "عبداً مأموراً مأجوراً لعبد مأمور مأجور"، وعميلاً خالصاً غير مغشوش (مثل حليب نيدو)، ومن الطبيعي أن يحاربوا زعماء كباراً كالرئيس الشهيد رفيق الحريري، والزعيم الوطني الكبير وليد جنبلاط (الخونة يُخَوّنونه) (!) وعملاء اسرائيل يتهمونه بها (!) ومجرمو الحروب يُجرّمونه (!) وطلاب الأنظمة يهرّون عليه (!)، وقبلهما (وبعدهما) العميد ريمون اده (أعظم زعماء هذا البلد الذي مات في المنفى)، وصائب سلام (أحد أركان الاستقلال)، وجورج حاوي (أول المقاومين للعدو)، وسمير قصير (الصوت العروبي الصارخ بالحرية وبربيع الديموقراطية في كل عاصمة عربية)، ومروان حمادة (الشهيد والشاهد الحي) وجبران تويني (الصوت الاحتجاجي الواضح)... فأي نظام عسكري معدني متوحش وبربري يرصدنا ويحصينا ليصفّي منا الأصفياء باسم العروبة!
فهل العروبة لا تعني سوى الغدر والاغتيال والسجون. واحتلال بلد عربي لبلد عربي. (كما فعل البعثي الرائع صدام حسين عندما احتل الكويت). (لا رحمة الله عليك يا ميشال عفلق: أنجبت لنا توأمين بعثيين من أرومة ولا كالأرومات) وسوى مصادرة إرادة الشعوب. فهل يستطيع أهل الوصاية أن يتحملوا شخصاً استقلالياً واحداً: هل يستطيعون تحمل ديموقراطي واحد. هل يستطيعون تحمل قيام مجتمع مدني بأدواته وتعابيره؟ إذاً، من غير المستغرب أن يحافظ نظام المخابرات بالوصاية (والتكليف الأميركي السابق: لا تنسوا ذلك) على "وديعة" لا تقدر بثمن. وبتحفة نادرة (أين منها تحف مزادات سوثبي)، وبقامة مضيئة (أين منها قامة بيتان)، وان يستميت بإبقائها "رابوقاً" على الشعب اللبناني، وجثة يطيّبها كل يوم بدماء اللبنانيين فأين سيجد مثل هذا الرئيس الذي يعترف به (كوصاية) ولا يعترف بمؤسساته وناسه؛ أين سيعثر على مثل هذه "الرائعة" ليُروّع بها شعباً كاملاً؟ وهل يمكن أن يكون هناك بديل، بالنسبة لبتوع الوصاية، أحلى و"غب الطلب" من اميل لحود، في السند والهند، والشرق والغرب، فوق الأرض وتحتها. كنز "مسموم" يحفظونه برموش عيونهم. كيف يتخلون عن "شخص" إذا عبأوه بالكلام صَوَّتَ. وإذا نفخوه بالكذب كذب. وإذا حَشُوه بالقتل قتَل. وإذا حقنوه بالخيانة خان. وإذا ملأوه بالاستبداد استبد. وإذا أمروه بالقمع قمعَ. وإذا نفحوه بالذل أَذلَّ واستكبر واستعظم نفسه الصغيرة.
قالها البطريرك صفير وكان "كلامه بطرك الكلام" كما صرّح ذات يوم الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لكن السؤال: الى مَنْ يُوجه البطريرك هذا الاعلان؟ فإذا كان يوجهه الى اميل لحود فقد أخطأ بالعنوان، فكأنه يوجهه الى صخر أو حجر، أو قطعة خشب؛ وإذا كان يستثير ضمير هذا "المنطفئ"، فضميره متروك في أروقة المخابرات الخارجية؛ وإذا كان يحرّك "وطنيته"، فوطنيته مبيعة في أسواق النخاسة والسلطة المستباحة. وإذا كان يتوجه الى انسانيته، فانسانيته غادرت الى مكان مجهول ولم تعد. أما إذا كان البطريرك يتوجه الى الخارج، فالخارج، أدرى بهذا المقطوع الصلة به؛
وأما إذا كان يتوجه الى الداخل فأي داخل؟ جماعة 14 آذار حاولوا إقناع مَنْ يجب إقناعهم في عز الانتفاضة بأنه يجب "تكنيس" هذا الرجل تحت ضغط الجماهير، و"عالحامي" وفي ظل الظروف المؤاتية. لكن مَنْ كان يجب إقناعهم ترددوا. فتأخر أهل 14 آذار في استكمال تسلمهم السلطة عبر إطاحة رأس جهازها الأمني. وهذا التأخر والاستئخار والتردد ولغة المحاذير أوصلتنا الى هنا، وأتاحت لبتوع نظام الوصاية أخذ الأنفاس ورسم خطط لمحاولة منع قيام دولة وسلطة ومحاولة ضرب انجازات الانتفاضة عبر الوسائل البوليسية والقمعية المعهودة والمعروفة.
نحن نعرف الظروف الصعبة التي تحيط بالبطريرك (لا سيما كثرة المسترئسين من الطائفة والحالمين بارتداء البدلات البيضاء والأوشحة)، ونحن نعرف أن عدداً من القيادات "المحلية" قرارها (كقرار الرئيس المفدى) موجود في الخارج، وأرسانها معروفة الحبال والأيدي والأوتاد، وهي الجهات التي ترى في الرئيس لحود حامي السيادة "يا عين"، والمدافع عن المقاومة (يا عين) ورمز الاستقلال (تأملوا هذا النفاق السياسي) وهي الجهات التي تهوّل على الأكثرية مطالبة بحل أول مجلس ينتخب في غياب الوصايات منذ ثلاثين عاماً؛ (ومن قال ان التحرير يؤدي دائماً الى الحرية!). كأن هؤلاء "الأبطال" الذين بدأت تتساقط هالاتهم المضيئة في زواريب التبعية، لا يقبلون مجلساً نيابياً إلا إذا كان منتخباً برعاية رستم غزالي أو أي رستم آخر، وبوصاية الأجهزة، وضغوطها، وفرض "الودائع". (لماذا لا يقترح أهل البر والاحسان والايمان والورع والتقوى والفضيلة والسيادة و"الأمميات" الغيبية "البائدة"، أن يؤسس مجلس ودائع للوصاية شبيه بمجلس الشيوخ أو اللوردات أو مجالس الشورى. عندها، سيكون لهذا المجلس ما يعزي الأكثريات الغامضة بالأرقام، وكذلك الحالمين باستعادة الوصايات العروبية والأعجمية!).
على أننا هنا، لن نتوجه لا الى اميل لحود ولا الى باعة السيادة بالتحرير، ولا الى مقايضي الاستقلال بشهوة الحروب، وإنما الى البطريرك صفير ذاته، باعتباره (وكما يقول الجميع) معنياً بهذا المركز المخصص (عبر المحاصصة التاريخية) بطائفته. نتوجه إليه ليتجاوز الصلوات، والأدعية والنداءات في تعامله مع "جثة" بعبدا. فإذا كان غبطته يعتبر أن لحود ربط مصيره بالخارج (لا بوطنه) فيعني أن هذا الربط شكلٌ من أشكال الخيانة العظمى أو الصغرى (هذا في رأينا)، فيجب التعاطي معه كما تعاطت فرنسا الحرة مع بيتان، أي اعتباره "صنيعة" خارجية، خان وطنه، وانضم الى الاحتلال النازي. أي التعاطي مع "بيتان" لبنان كما كان التعاطي مع بيتان فرنسا. وعلى هذا الأساس وجوب إعلان مقاطعته على الأقل. والمطالبة بمقاطعته من جميع الأطراف. والأولى بالمقاطعة هي بكركي، التي لا يمكن أن تقبل أن يكون "ممثل" طائفتها في رأس السلطة عميلاً، ربط مصيره بالخارج لا بمصير وطنه.
فليتخذ البطريرك مثل هذا الموقف، لكي يتسنى لنا الخروج من منطق "المحاذير"، والتردد، والاعتبارات التي لم تعد مبررة، بعدما باتت البلاد على شفير أن تخسر إنجازاتها الاستقلالية، وتدخل من جديد في خراب الوصايات والوصايات المضادة.
فيا بطرك صفير قلتها صريحة هذه المرة فاقرن القولة بالفعل!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.