8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الكوميديا الرئاسية" في الخرطوم

ثم كان مؤتمر القمة العربي في الخرطوم. جاء من جاء من الرؤساء والملوك والأمراء، وغاب من غاب. وكان لكلِّ حاضرٍ أسبابه. وكذلك لكل غائب. وكان لكل حاضر منهم حضوره. وكان لكل غائب غيابه. كل في مكانه. وكل في دوره. وكل في كلامه (أو صمته) وكل يمثل بلاده. وأهله. وحكومته وبرلمانه. وقراره. وخطته. ومناورته. وموقفه وموقعه. جلس كل من الذين حضروا في الكرسي المخصص ببلاده. بالاسم. والعلم. كان لكل تاريخه. وسلالته. وجمهوريته: كل من حضر قائد بلاده. بالانتخاب. أو بالوراثة. أو بالانقلاب. لكن مع هذا كان رئيساً في بلاد تعترف به. تعترف بأنه موجود إلا الرئيس السابق للجمهورية اللبنانية اميل لحود. فهو الرئيس الاستثنائي الأول. (وهو الأول عندنا في كل شيء: المقاوم الأول! (يا عين) والعروبي الأول (يا عين) واللبناني الأول (يا عين). اميل لحود كان الاستثناء بحضوره، لأنه لم يكن حاضراً. وكان الاستثناء لأنه جاء وكأنه لم يجئ وجلس وكأنه واقف.
ووقف كأنه جالس، ومشى كأنه نائم، ونام وكأنه يمشي في نومه. جاء، هكذا، مجرداً من كل شيء، من الرئاسة. (وهو رئيس سابق)، ومن الجمهورية (الجمورية بلا رئيس) وبلا حكومة (رئيس الحكومة فؤاد السنيورة حضر بديلاً منه، لا رديفاً. وقوياَ بشعبه وموقعه). ولا شعب (شعبه، أسقطه بالضربة القاضية)، وبلا صفة تمثيلية (السنيورة مثل لبنان)، وبلا قراره (قراره مستعار من أهل الوصاية) وبلا موقف (موقفه مفروض عليه) وبلا حرية (كان سفاح الحرية) وبلا استقلال (ثورة الاستقلال أقالته). جاء ، كشبح يرتدي ملابس، او جاءت ملابس ترتدي شبحاً. لكنه شبح، ان حمل شيئاً. فابتسامته التي لم تفارق لا مناخيره، ولا أضراسه، ولا نواجذه.
لأنه يمتلك شيفرة كشف الأشباح، وسر رصد الغائبين بألف استثناء، اذا اخذنا (هذا الاستثناء) بالاعتبار القيم التي يمتلكها لحود دون سواه: العروبة والصمود، والتصدي، والمقاومة، وهي القيم التي تطرب من تطرب من المطربين "القومجيين" والعروبجيين" (البائدين) المقاومين (المتاجرين بالمقاومة).
هذا الرئيس الذي نفذ الإرادة السورية وزار المؤتمر، حاول، وبكل ما حصّل من جامعات المخابرات والأجهزة ودكاترتها، ان يصور لبنان لبنانين. وان يرسم لبنان بالأبيض والأسود.
شبعا التي يتمسك بها أرضاً لبنانية ولو بلا خريطة، ولا مستندات سورية، لكي تبقى هذه النقطة مركز تجاذب يتخذه الآخرون كورقة ملتهبة أو غير ملتهبة، لربط لبنان بهم، واعادته مجرد ذريعة لمعاركهم السياسية والديبلوماسية. هناك نطق الشبح. وزايد بالمقاومة والتشبث بها، لا لايمانه بدورها التحريري (الذي نفذ بعد دحر العدو الصهيوني) وانما، بدورها السياسي الحائل دون خروجه من بعبدا. اذاً بعبدا تساوي مزارع شبعا. ومزارع شبعا توازي لبنان. ولبنان قصاصة في أيدي الوصيين: القديم والجديد. وهو رأس مقطوع على طبق من التنك مقدم للضغط أو للمساومة أو للبيع! (فمن يشتري؟). نطق اخيراً بالكلام الآخر. الكلام الذي لم تحمله الأكثرية اللبنانية اياه. حمله وحده.
لم ينطق. وخطب (يا عين! ولا ميرابد!) وكأنه لم يخطب. ولم يسمعه أحد. ونام معظم الحاضرين. ومن لم ينم استمتع بهذا المهرج السمج، وبهذا العميل الثقيل الظل! عرف الجميع ان هذا الذي ينطق (ويلثغ بكل الحروف الأبجدية العربية والأعجمية ولا يفرق في نطق بين النون والراء وبين الفاعل والمفعول به هو الفاعل باعتبار أن المفعول به بالنسبة إلينا لا ينطق حتى باسمه. ولا باسم اللبنانيين. ينطق باسم رئيس الوصاية الذي طابق خطابه خطاب الشبح العمودي بتكامل عروبي رائع! (واعروبتاه!). فلماذا يسمع الحضور الخطاب ذاته مرتين! (ولو كان من فم شكسبير أو عبد الناصر أو صلاح الدين الأيوبي). ومن قال ان اميل لحود لا يتماهى بصلاح الدين الأيوبي ولماذا؟!
لكن نظن، أن الحضور (والكل يعرف ما جرى ويجري في لبنان)، أعجبوا بوقاحة شخص يمثل دوراً وطنياً وهو خائن، ودوراً مقاوماً وهو متخاذل، ودوراً موحداً شعبه وهو تقسيمي، ودوراً استقلالياً وهو عميل لنظام آخر. فالحضور، وعندما كان يقتحمهم واحداً واحداً، ليثبت حسن استقباله منهم، كانوا يسلمون على يد ملطخة بالدم. كان الدم يظهر قانياً بين أصابعه. دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ودم الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني والشهداء الأحياء مروان حمادة ومي شدياق والياس المر. رئيس يحلق عدة مرات بالنهار فهو حليق نظيف، وخلف جلده يسفك دم الآخرين!
هذا التناقض بين مُخّ اميل لحود ولسانه، وسريرته، وملابسه، وأضراسه. جعل من كلمته نصاً هزلياً رخيصاً. ممثل فاشل يتلو كلمة هزلية، أضحكت الحضور، (والذين شاهدوه على شاشات التلفزة) ضحكوا منه حتى القهقهة: وإذا كانت الكوميديا هي فن المفارقات، فأي مفارقة أشد إثارة للقهقهة من رئيس يلعب دوراً ليس دوره. ويقرأ نصاً ليس كاتبه. ويعلن مواقف تلقن له من بعيد كأنه لعبة مزروعة بالأسلاك والحبال من أيام خيال الظل وصندوق الفرجة. كان رئيسنا، السابق صندوق فرجة، دمية تضغطها من الوراء فتصوت من الأمام، .
أمتع الحضور بهذا المستوى المتدني من التهريج وبهذا الاداء الببغائي الهابط! إنها لنعمة أن يكون "الرئيس" ببغاء! أو دمية! أو صندوق فرجة! (تفرّج يا سلام). ومن خلال المشهدية الكوميدية. التهريجية (أين منها اسماعيل ياسين وفؤاد المهندس وشكوكو وعادل امام). قدم هذا الرئيس السابق نمرته الخيانية! كلمة تنضح بالخيانة (والخونة مهما فعلوا يقعون في النهاية في المقلب الكوميدي وإن في صيغة تراجيدية)، بل ويمكن وضع عناوين لزيارة لحود للخرطوم شبيهة بعناوين بعض الأفلام الكوميدية على غرار "اسماعيل ياسين في الجيش" أو "بدوية في باريس"، "إميل لحود في...".
الضحك...
وكانت لحظات كاذبة وكانت لحظات دراكولية. لحود من أفلام الرعب، قام بنمرته ونزل من على المنصة. ثم طلعت المنصة عليه. ثم طلع على المنصة. ثم نزلت المنصة عليه. وعندما اتخذ مكانه خلط الحضور بين المنصة ورأس اميل لحود. فتراءى لهم أن المنصة تبتسم بعدما تراءى لهم أن الكرسي يجلس على الرئيس. لكي لا يجلس الرئيس على الكرسي. ذلك أن المفارقات الكوميدية هي أيضاً من صلب المفارقات السوريالية! فالشبح الذي نطق، نطق، فأعجب أسياده، ثم صمت فأعجب أيضاً أسياده. ظناً، انه لن يكون للبنان كلمته في المؤتمر كما كانت حاله عند إلقاء كلمته.
أكاذيب لحود. وأوضح موقف اللبنانيين. وعزز رأي الحضور بأن هذا الذي سمعوه وظنوه رئيساً، هو مجرد باشكاتب في جهاز خارجي! كانت كلمة لبنان الحية. كلمة لبنان المستقل. الحر. السيد. لبنان 14 آذار. قالها الرئيس السنيورة بلباقة وجرأة وشفافية، عندها بالذات أصغى الحضور، عندها بالذات تأكدوا أن لبنان اليوم متحرر من الوصاية.
عندها بالذات عرفوا أن لبنان الجديد... يولد. لبنان العربي الشعبي الديموقراطي الحضاري، لبنان الحريات، والحقوق المدنية... لبنان الضوء بعد لبنان العتمة الذي جسده الرئيس المعتم، المظلم، الآفل، والبائد اميل لحود!
كان سجالاً بين رئيس قادم ورئيس مغادر. بين لبنان مكبل وبين لبنان كل أصابعه، وأطرافه، وأجسامه متحررة من كل قيد... ومن كل وصاية!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00