عندما بذلت جهداً فائق الوصف لأستمر ولأصمد (بما أنه زمن الصمود والتصدي) في متابعة المونولوغ العبثي المطوال، المهذار الذي ارتجله الرئيس السابق اميل لحود على شاشة "الجزيرة"، كان لي أن أستفيد من هذه المازوشية التي أمارسها على نفسي (برؤيته وسماعه) وأتساءل: ماذا يفعل هذا المُطل علينا كشبح دراكولا هناك؟ ماذا يفعل رئيس لم يعد رئيساً داخل هذه الآلة التلفزيونية؟ وماذا عسى يقول "شخص" لم يعد له من السلطة سوى ما توحيه الكراسي الفارغة في قصره، وما يحقنه به، في غرف العناية الفائقة، نظام الوصاية، لعله يستبقي، من خلاله، حضوراً، أو يخترق موقعاً.
ماذا يفعل رئيس لم يعد له من الجمهورية إلا اللقب الأجوف، ولم يعد له من "الهيبة" إلا ما للموتى من تذكار، ولم يعد من حضور سوى ما للبلطجية من آثار سطوة بادت؟ إنها لحظة عدمية بامتياز. أن يتكلم شخص ما عاد يمتلك حتى كلامه. إنها لحظة مأخوذة من اللامعقول، أن "يصوّت" شخص على الملأ، بما ليس له من معنى، ولا منطق، ولا فكر ولا سياسة ولا أخلاق، ولا صدق، ولا صدقية، ولا احترام، ولا شيء. هكذا طلع على التلفزيون "لأنهم" قالوا له أن يطلع وأن يحرّك آلات زلاعيمه بما أنعموا عليه من إملاءات وتلفيقات وتشوّهات وانمساخات.لحظة فرانكشتاينية أو دراكولية، اختلطت في عيون هذا "المسترئس" الخاملة إلا من الكذب والحقد، والتشفي، والادعاء، والتزوير، والنفاق. كيف يمكن أن يستمر في كلامه وهو يعرف أن ما يكذبه، لا يصدقه أحد. أترى طلع الى التلفزيون ليقول: أنا كاذب لا تصدقوني! وأنا لست رئيساً، فاعتبروني رئيساً. وأنا السابق فاعتبروني الحاضر. أمام الشاشة، تأكدت، أن مَنْ أراه هو خليط كيمائي من التفاهة والسخافة والقتل والجبن والسواد والغباء والقحة والندالة خليط مضغوط صنع كائناً هجيناً بلا روح وبلا تفكير! تكلم هذا "السابق" عن صداقته العميقة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقوّله أيضاً حباً له، وتقديراً؛ ثم، وكأفعى فرغت أنيابها (كأنيابه) من السم، راح، ينتقم من الحريري وهو في قبره. فنعته بمجرد مقاول ونعت نفسه بصفات النصاعة والتفكير والحكمة والزهد. هكذا وبكل وقاحة قلب الصورة: صورة الحريري، الزعيم الكبير، وباني لبنان، واستقلاله، جعله مجرد "مقاول"، وجعل من نفسه، هو الذي قال عنه ميشال عون ذات يوم وذات فصول "أنه مجرد عميل سوري، وأن ملفه العسكري يقتصر على "النساء والقمار". قامة عالية! هذا الذي تربى في أقبية المخابرات التي رعته كما ترعى الدجاج والمواشي. ثم راح يكذب ويكذب. (ويا ليته كان ظريفاً في كذبه بل أسمج من سمج كما وصفه بدقة غسان تويني. سمج وثقيل الظل و"بِلِط"). قانون الانتخاب الذي فرضته الوصاية عبره لتحجيم الحريري، تنصّل منه وألصقه بمَنْ فرض عليه! يا للكذاب. والمحكمة الدولية الذي صرّح في البداية بأنه يعارض تأليفها، باتت على لسانه المطاطي من بنات أفكاره. ومشاويره الى دمشق كانت أقل من مشاوير بعض قادة الأكثرية. إذاً فهو "مستقل" و"حر" والآخرون هم المرتهنون. أما مَنْ فرضه على الناس، ومَنْ سوَّقه، ومَنْ مدّد له، فأمور (بحسب الرئيس السابق) لا يعرفها الشعب اللبناني. وعندما انتقل الى الهجوم على بعض قادة الانتفاضة كوليد جنبلاط وسمير جعجع وسواهما مذكراً بماضيهم "الدموي" رفع كفه وقال "يدي غير مضرّجة بالدم". ولكن نسي هذا "الأجير السوري" أن في عهده تمت جرائم لم يعرفها التاريخ اللبناني. نسي أن رموزه الأمنية وجنرالاته ومخابراته هم في السجن، ومشتبه بهم بقتل الحريري. نسي هذا "المجرم"، أن في عهده امتلأت السجون المرتجلة في عنجر وفي البوريفاج وفي الحمراء وفي أماكن أخرى، باللبنانيين الذين زجتهم أجهزته وأجهزة الوصاية في السجون، وعُذِّبَ منهم مَنْ عذب، وقُتل مَنْ قتل، ونُقل منهم مَنْ نقل الى السجون السورية. ويقول ان يده ناصعة، هذا المضرج عقله وقلبه بالدم. هذا الشخص الذي إن تمعنت في عينيه وهو يحكي، لرأيت قيحاً ودماً ينضح منهما، وحقداً يتفجر، وخبثاً (غبياً)، ولو سمعت صوته جيداً، لرأيت في نبراته ما لا يوحي إلا بغير الضغينة، والوضاعة.
هذا الرئيس، يقال انه ما زال يمثلنا، بحسب الدستور الذي انتهكه مراراً، وكان انتهاكه الأقوى بفرضه علينا. رئيس الدستور هذا. فأي لامعقول ينطق به "حلفاؤه" "الدستوريون" (!) "الصلّوخيون" وذوو "الرؤوس" الاحصائية، الذين يعترفون بأكثرية عددية في المطلق، ولا يعترفون بأكثرية منتخبة في البرلمان. هذا الرئيس فاقد الأهلية السياسية والأخلاقية والوطنية، يُراد له أن يمثل لبنان في مؤتمر الخرطوم. هذا الخرطوم الفارغ أُمِرَ كعبد مطيع (من الخارج) بأن يمثلنا في مؤتمر الخرطوم. هذا الخرطوم المُعبأ بالسموم والوحل والدم يريد أن يمثلنا في مؤتمر الخرطوم. هكذا بكل صلافة ووقاحة يريد، وباسم الدستور، أن يلقي كلمة لبنان أمام القادة العرب. وماذا يمكن أن يقول "خرطوم" فارغ أمام مؤتمر الخرطوم. يمثلنا؟ قلت. لكن. مَنْ يمثل؟ يقول: وماذا يقول مَنْ ليس في خراطيم زلعومه شيء يُقال. ولكن، هل فعلاً سيقول شيئاً؟ وهل سيقرأ فعلاً كلمة؟ لكن مَنْ أوحى له هذه الكلمة: الشعب الذي لم يعد يعترف به؟ السلطة الجديدة التي بات خارجها؟ مَنْ سيخط له عباراته المعادية للبنان سوى أهل الوصاية. إذاً، أهو يتكلم باسم أهل الوصاية المرتهن بهم، أم باسم أهل البلد الذين سحبوا اعترافهم به؟ وهنا، بالذات، أتساءل: لماذا لا يختار هذا الرئيس السابق وفداً آخر غير الوفد اللبناني وينضم إليه؟ كأن ينضم الى الوفد السوري، فيكون هذا الوفد، وللمرة الأولى برئيسين، أو على الأقل برئيس فعلي وبرئيس ظل. بل ولماذا لا يحكي عن القضايا التي يعاني منها الشعب السوري بدلاً من أن يحكي عن القضايا التي يعاني منها الشعب اللبناني. ولأن الوصاية الشقيقة تشد من أزره، والشعب اللبناني يشده من عنقه لكي يرحل، فلماذا لا ينقل الى القمة العربية مواقف النظام السوري، بدلاً من أن يدّعي نقله مواقف لبنان من وجهة سورية، وبما أن الحكومة اللبنانية لم تفوّضه التمثيل والكلام، فأجدر به، ومن باب الانسجام مع عروبته (!)، وبطولته المقاوِمة (يا عين)، أن يحمل وبصدق (كذب في التلفزيون بصدق عالٍ)، فليعبّر عن وجهة نظر الحكومة السورية. ولأنه يُزايد بشكل وضيع حول السلاح الفلسطيني (داخل المخيمات وخارجها). فليتكلم إذاً باسم أحمد جبريل، وأنور رجا، وهكذا ينسجم مع "ربعه" في الداخل وفي الخارج. إذاً، ما حاجة الرئيس السابق، (وبما أنه سابق) في أن يتكلم باسم لبنان، وباسم لبنانيين صار خارج إرادتهم؟ ما حاجة هذا الرئيس السابق الى أن يذهب الى الخرطوم كرئيس وهو لم يعد رئيساً. وأن يدّعي صفة تمثيلية نزعت منه. وأن يدّعي سلطة هجرته. وأن يزعم حضوراً تبخّر. لماذا، ولكي يساعد على تحقيق التكامل السياسي مع نظام الوصاية (بعدما تحقق التكامل الاقتصادي في بنك المدينة، والكازينو، والخلوي، والمرفأ، والمطار، وكوبونات صدام حسين، والكهرباء، والتهريب والخوّات) لماذا لا يُحمِّل الوفد السوري رسالته ليقرأه عنه، ويبقى في لبنان فيكون موجوداً في الوقت نفسه في مكانين: عبر الوفد السوري في الخرطوم وفي جنبات القصر الخالية في بعبدا (وابعبداه!) وهكذا يقطف المجد من طرفيه: البقاء قرب الكرسي وتشمم قعدته وقوائمه وحوافيه كسلوقي مدرب على مثل ذاك الشميم، وفي الخرطوم عبر الوفد السوري، فيشمخ هناك مع الشامخين بالعروبة وبالتصدّي! ويصوت عبر صوت سواه.
لكن الرئيس السابق اميل لحود (وهو عماد ايضا، واعماداه) يصر على ان يسجل حضوره بنفسه في الخرطوم. كأنه يريد ان يتنسم رائحة "الرئاسة" المفقودة في لبنان عبر ملابس الرؤساء وهندامهم هناك، فلعل العدوى تحييه "حيناً" ولأنه يحس ان عليه ان يتمتع بكذبه. ان يشعر بكل كلمة تزور الواقع بكذبه. ان يشعر كل كلمة تزور الواقع اللبناني بشغف الذي لا يروي حضوره الذابل سوى الكذب. بل يريد هناك، ان يسمع صوته بنفسه وهو يقول ما لا يقوله اللبنانيون. بل يريد ان يتحرى لذة عميل يريد ان يستلذ بتشويهه صورة بلده، بل يريد ان يتشفى بتزوير الصورة الجديدة التي كونها العالم عن لبنان بعد 14 آذار، ورسمها من جديد بفرشاة نظام الوصاية التي لا يرى فينا سوى نسخ لحدودية مستعملة وعميلة ومجرمة وطائفية ومذهبية وتخريبية.
هذا الذاهب الى هناك، بكلمة لم يكتبها ولم يقرأها، باعتبار انها جاءت مكتوبة من وراء الحدود. لن يصغي اليه احد هذه المرة، تماما كما لم يصغ اليه احد عندما ارتجل كلمة (ويا للارتجال، تلميذ صف ابتدائي يرتجل افضل منه) بعدما سحب نظام الوصاية كلمته في احد مؤتمرات القمة ذلك لان القادة هناك، من الصعب ان يصغوا الى جثة مطيبة بعطور الموتى، وبشبح منفوخ بلحم فاسد، وبصوت مستعار من غربان الوصاية. الحاضرون في الخرطوم، لن يصغوا الى رئيس سابق، باعتبار ان الرؤساء السابقين لا يحضرون مؤتمرا يحضره رؤساء وقادة حاليون. والحاضرون لن يصغوا الى رئيس سابق، بلا سلطة، ولا رأي، ولا صفة تمثيلية، ليكتفوا بسماع قيادة نظام الوصاية: اذ من الممل ان نسمع كلمتين متشابهتين مستنسختين ولو عبر عدة اصوات.
لذا سيكون اميل لحود في الخرطوم. اما بخرطوم فارغ وإما بلا خرطوم. وسيحس الجميع هناك عندما يرون "شخصه" الكريم، بأن من يرونه امامه، ليس اكثر من متسلل جاء من خارج الحاضر وخارج اي جمهورية، وخارج التاريخ.
يرون فيه شبحاً يحط لحظة ثمَّ يختفي، وكأنه ذهب ولم يذهب، قال ولم يقل. حضر ولم يحضر، ابتسم (يا عين) ولم يبتسم. كذب ولم يصدقه احد. وزوَّر وقابله الجميع (باستثناء اسياده) بالابتسامات الصفراء والخضراء والزهراء!.
اميل لحود كذب بصدق في التلفزيون واضحك المشاهدين وها هو يستعد ليمثل نظام الوصاية في الخرطوم، ليضحك الجميع.. أيضاً!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.