كان على اللبنانيين أن يقبلوا (أو يستمروا في قبول) الأسودَ، لكي يكونوا ناصعين. وكان عليهم أن يقبلوا القهر والقمع والذل والمهانة لكي يكونوا انسانيين. وكان عليهم أن يقبلوا نظام الوصاية لكي يكونوا "عروبيين"، و"قوميين". وكان عليهم أن يقبلوا حكم الأجهزة والمخابرات لكي يكونوا ديموقراطيين. وكان عليهم أن يقبلوا فكرة أنهم شعب طائفي، مذهبي، فُطِرَ على القتل والحروب والمذابح والوحشية، لكي يكونوا توحيديين. وكان عليهم أن يستسلموا لإرادة سواهم وحكم سواهم لهم، لكي يكونوا صامدين. وكان عليهم أن يسكتوا عن اغتيال الرئيس الشهيد ويلفلفوا القضية، ويتواطؤا، لكي يكونوا "واقعيين". وكان عليهم أن يتهموا اسرائيل بقتل الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ومحاولة قتل مروان حمادة ومي الشدياق لكي يكونوا "وطنيين"... وكان عليهم أن يقبلوا أن يتفرّق كل في جبهة، وعلى تضاد، وعلى تناصر، وبمنأى عن أي حوار، لكي يكونوا حواريين...
لكن، ماذا نفعل، فالتاريخ أحياناً يطمس "الحقائق"، وأحياناً يرفعها عالياً. أحياناً التاريخ عتمة، وأحياناً شموس. وقد كان هذا التاريخ على امتداد العقود السابقة، في الجانب المظلم. بل كأنه كان في سجن أو في كهف، أو في ثكنة. وما كان ينقصه إلا واقعة (أو وقيعة) أو حدث لكي يغيّر من أمكنته. بل نكاد نقول، كأنه، ومن شدة تخفّيه، وتقنعه، واحتوائه، كان يحتاج الى معجزة (وهل نتكلم عن معجزات في بداية الألفية الجديدة؟).
..وهذه المرة حدثت المعجزة! طلبنا فاستجيب طلبنا. لكن كان علينا أن نُكبَّد الثمن غالياً، لكي تُجترح معجزة في زمن "اللامعجزات". وكان، عندها، أن يستشهد الرئيس رفيق الحريري، لكي، تتفتق من دمه براعم تلك المعجزة: 14 شباط، في ذاته، كان معجزة بالمعنى المعكوس. "معجزة" "قتل" رجل كبير. وان يقتله أشباه رجال وأقزام وخَوَنة وكلاب، وفئران حيث يجب أن يكونوا أسوداً، وأسوداً حيث يجب أن يكونوا فئراناً. لكن هذه المعجزة السوداء، أنجبت المعجزة البيضاء في 14 آذار. وكان لنا، وللمرة الأولى في تاريخنا، معجزة، بحجم أن نعلن انتفاضة مقابل آلة القتل، والجيوش الجرارة والاستبداد، والعنف. (أحياناً وردة تُسقط خوذة). صار لنا معجزتنا اللبنانية التي أذهلتنا قبل أن تذهل العالم كله... وتُذهل من هزمتهم بامتياز. لم يُصدِّق أحد أن بمقدور ناس تمكنوا بأجسادهم وأصواتهم وأعلامهم وشوارعهم وساحاتهم أن يسقطوا نظاماً كاملاً متجذراً ومدججاً ومهيمناً هيمنة حديداً. (الوردة تسقط خوذة!). ولم يصدق النظام الأمني المشترك، الوصي بالوصاية الأميركية ومشتقاتها، أن الناس "يللي تحت"، والموصومين، من قِبَله، بالخنوع والشر والقبول، أن يخلعوه عن عروشه الصلبة، كموجودات من الكرتون والخردة. ذلك أن الطغيان إذا ما وُوجه، في اللحظة المناسبة، يتحوّل مجرّد هياكل كرتونية تتدحرج بخفة الى أسفل الأسافل. كانت الانتفاضة بالنسبة إلينا المعجزة البيضاء والملوّنة، وكانت بالنسبة الى الوصاية المعجزة السوداء. وكان على أبناء 14 آذار أن يكملوا الدرب: أن يفككوا الآلة الجهنمية التي كانت تتحكم بنا، لتنسحب القوات السورية. (وكم قيل: مَنْ كان يصدّق ذلك؟) ومن ثمَّ تداعي أجهزتهم المحلية وانهيار رموزهم الأمنية، ليستكمل ذلك بانتخابات مظفرة، وبحكومة حرة، وبتحقيق يومئ الى القتلة بعين الحقيقة الساطعة! فالمعجزة الأم أنجبت معجزات متوالية أضاءت كأقواس القزح المعالم والشرفات والقلوب.
لكن كان على "قوى الشر"، أن تبادر، وبردات معاكسة، الى تشويه تلك الصورة، وتسفيهها، وقلبها، بمحاولة "افتعال" معجزة العودة الى الوراء: بالقتل مجدداً: استشهاد سمير قصير وجورج حاوي، وجبران تويني، ومحاولة اغتيال مي شدياق (انسحاباً الى محاولة اغتيال مروان حمادة)، وكذلك بالترهيب والتخريب وإعادة "ترسيم" قسمات أشباح حرب أهلية ساكنة في "رؤوسهم" غير المسكونة إلا بالتخريب وبالتآمر والموت. هذه القسمات التقسيمية اشتغل عليها "أبناء الوصاية" "الأبرار" في لبنان، وخردة "الجهاز الأمني". ونوافل الاستبداد، بالتنسيق مع أوكار النظام الأمني. فأرادوا بما يشبه "الاعجاز" هذه المرة، تفكيك الصفوف، والامعان في توسيع الهوّة بين اللبنانيين، وتحديداً محاولة ترسيم حدود طائفية ومذهبية عبر حروب ونزاعات، ليعيدوا "القسمة" المفتعلة التي أبقتهم "عندنا" (وبمباركة الأميركان وبعض النظام العربي) أي ليعيدوا انتاج لبنانَين، ووطنين وتاريخين مضادين، لا يلتقيان لا بحوار، ولا بلقاء، ولا بتشاور. وهنا، بالذات، سرى الخوف، بين اللبنانيين، أتكون معجزة 14 آذار التوحيدية وهماً. أتكون الحقيقة المرّة (الأبدية) العودة الى النزاعات؟ ذلك أن سياسة التيئيس من إمكان "قيامة لبنان" كان يتقنها أهل الوصاية. وكاد اللبنانيون يقعون من جديد بفرضيات القنوط وقدريات الطرق المسدودة. وعندها، وفي ظل الارهاب (الاعلامي المنظم، والارهاب التدميري المنظم، والترهيب المعلن للقيادات والمؤسسات والأفراد، اقترحت طاولة مستديرة للحوار. كان علينا، من جديد، أن نخاف، وأن لا نصدّق، نرتاب، وأن نشكك. فقال لبنانيون "لا لن يجتمعوا". وقالوا "لن يتركوهم يجتمعون"، وقالوا "لن يطلع شيء من هذا الاجتماع"، وقالوا "الانقسام أكبر من الحوار"... قالوا وقالوا! ثم كانت الآلة الاعلامية الأخرى تبخ السموم وكأنها مصنع للأفاعي: "الحوار بين اللبنانيين يصارع الفشل". أرادوا لنا، وعملوا على إفشال الحوار، وجهدوا لكي يحولوا دون تحقيق هذا الحلم المزعج، أو الوصول الى اتفاق! قالوا فليجتمعوا. من قبل عملوها في لوزان وفي الطائف... وفشلوا برغم كل الرعايات العربية والدولية. في الخارج عملوها وانتكسوا، وسينتكسون في الداخل. طبعاً، اللبنانيون خافوا أيضاً! ذلك أنها المرة الأولى ومنذ عقود ينعقد حوار بين اللبنانيين وعلى أرض لبنانية وبأوراق وأقلام لبنانية، وبأعلام مشرقة، وفي قلب العاصمة، وفي المجلس النيابي الذي انبثق عن انتخابات ما بعد الوصاية.فهل تكتمل المعجزة؟ هل يجتمع هؤلاء الذين قسمتهم بالقوة والمجازر والقتل والتدمير قوى الوصايات الشتى؟ هل يواجهون حقيقة أنهم باتوا اليوم أحراراً؟ هل يعترفون أمام بعضهم بأن معجزة التحرير قادتهم الى معجزة "التوحيد"، والحوار، والطاولة المستديرة... واللقاء، والكلام، والتوصل الى نقاط مشتركة؟ إنها لمهمة شاقة: ذلك أن أهل الوصايات (اليتامى اليوم إلا من بعض عملائهم وفلول أقزامهم) دَأبوا على تحفير الصورة التاريخية للبنانيين: شعب لا يعيش إلا على الموت. شعب مجرم، قاصر، لا يستطيع لا أن يتحاور ولا أن يحكم نفسه، شعب فُطِرَ على العبودية. شعب أنجبته أمهاته "عبداً" وسيبقى عبداً! صورة مشوّهة محفرة، محفترة، وزعها أهل الوصاية، حتى بتنا نخاف من أن نتمرأى لكي لا نرى صورتنا "المشوّهة" الدراكولية! لكن بدا، أن كل هذه الصور تساقطت عن الجدران (كما تساقطت التماثيل والنصب) لتحل محلها صور تاريخية! 14 آذار 2005 المليوني، ثم 14 شباط 2006 المليوني، ثم 14 آذار 2006: طاولة مستديرة، حوار، عقلانية، والأهم شعار "لبنان أولاً"، دحض المجتمعون كلهم: من حزب الله الى أمل، الى تيار المستقبل، الى الكتائب والقوات، والتقدمي الاشتراكي الى التيار العوني... دحض هؤلاء تلك الحقيقة الملفقة عن لبنان، واجتمعوا للمرة الأولى تحت العلم اللبناني، ومن أجل "لبنان أولاً"... واتفقوا. وكان الحوار ثم الاتفاق. من ملامح الصورة التوحيدية للبنانيين الذين كانوا ممنوعين من الالتئام، والاجتماع، والحوار، وحتى الكلام... وحتى الصمت! إنها المعجزة اللبنانية بامتياز! معجزة اللبنانيين، الذين، عدت لا تعرف من أين يجيئونك، ولا كيف يفاجئونك، ولا كيف "يجترحون" معجزاتهم الكبيرة والصغيرة (وهي من الكبائر عند أعداء هذا البلد)! وعندما، في تظاهرة 14 شباط، صعد الى المنصة سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع وغسان تويني وعقدوا الخناصر أمام مئات الألوف، كان ذلك من ضمن الصورة الجديدة... أو "اللوك" الجديد للبنان الجديد القادر على التفاهم والتجدد.
وعندما بثت صور الطاولة المستديرة، وكانت القيادات (الأساسية) كلها هناك. كانت هذه الصورة المكملة. وعندما وقف الرئيس نبيه بري والى جانبه سعد الحريري وسمير جعجع ليتلو التوصيات والمقررات "الإجماعية"، كانت الصورة ـ الختام الجامعة في الفصل الأول من هذه العملية ـ أو فلنقل، الصورة المجسّدة لتلك المعجزة التي حققها اللبنانيون في حوارهم، والذي ما كان لينعقد لولا 14 آذار 2005، و14 شباط 2006.
وكأن "المعجزات" عندما تبدأ... تتناسل! فهذا الـ14 آذار كأنه رحم مفتوحة تُنجب "العجائب"، الواحدة بعد الأخرى: ففي هذا اليوم تمَّ القبض على رنا قليلات "سوبر ستار" فضيحة بنك المدينة الذي انتهبه لصوص النظام الأمني المشترك. وفي اليوم ذاته صدر تقرير براميرتز، وفيه من الدلائل ما يشير بوضوح الى هوية قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري: "ثلاثة بواحد"! ذلك أن القبض على رنا قليلات (هل تذكرون عندما أراد أهل الوصاية و"سكان" قصر بعبدا معاً فرض طه قليلات زعيماً في وجه الحريري! تذكروا جيداً لتعرفوا من أي معدن بخس "صيغ" "عتاولة" النظام الأمني) من شأنه أن يفتح نار جهنم على هؤلاء، بدءاً من ـ قصر بعبدا وصولاً الى سائر القصور خارج البلاد مروراً باستخدام الأموال المنهوبة لتمويل عملية اغتيال الحريري والاغتيالات والتفجيرات الأخرى. (هل تعي أيها القارئ العزيز الآن ما معنى الصمود والتصدّي ومواجهة العدو الصهيوني انطلاقاً من سرقة البنوك... وصولاً الى الخوّات: الكازينو، المرفأ، المطار، المشاريع، فإلى الخلوي والكهرباء. هل اقتنعت أيها القارئ بوطنية هؤلاء الأبطال وبعروبتهم. معجزة بثلاثة وجوه. أو ثلاث معجزات بوجه واحد في 14 آذار 2006. وقد يأخذ بعضهم علينا "إيماننا" بالمعجزات، وبالروحانيات، والماورائيات في النظر الى ما جرى عندنا. لكن، (وهنا المجاز المطلوب)، المعجزة، هنا يصنعها الناس. أو الأحرى "إيمان" الناس بأنفسهم وبقدراتهم وبطاقاتهم، لتأتي الظروف وتدعم ذلك الايمان، أو فعل الايمان الذي تجسّد في الارادة المليونية. وهل يتصور أحد أن في عالمنا العربي، يمكن للناس أن يسقطوا أنظمة استبدادية معسكرة، وأنظمة مخابرات "عريقة" تحت ضغط التحرّكات الشعبية السلمية، الديموقراطية؟ أوليست معجزة أن يقلب اللبنانيون صفحة "الانقلابات" الليلية لتغيير الأنظمة، ليكون الناس بديلاً من حفنة ضباط يستولون على بعض الدبابات ويحتلون الاذاعة والتلفزيون ويعتقلون الحكام، ويعلنون "انتصارهم" بالوسائل الديموقراطية... من أجل الديموقراطية طبعاً! أوليست معجزة أن تجري انتخابات حرة في هذا العالم العربي، الذي يعين فيه الحكام والدكتاتوريون مجالس الشعب والحكومات، أوليست معجزة أن تقوم أيضاً معارضة تقول ما تشاء، من دون قمع، ولا منع، ولا قتل، ولا تشهير، ولا تخوين، ولا اعتقال؟ أوليست معجزة في هذا العالم العربي فصل القضاء عن السياسة، من خلال ما تم حتى الآن في تقرير ميليس ومن ثم براميرتز؟ أوليست معجزة أن يغيّر عهد كامل، بدون إراقة قطرة دم (إلا ما أراقه فلول النظام الدموي البائد). أولم تستعمل العبارة ذاتها لوصف الحالة الايطالية "المعجزة الايطالية" وكذلك اليابانية، وقبلها الفييتنامية...؟ عبارة تفي بالغرض اليوم. ذلك أن اللبنانيين أبناء 14 آذار صنعوا المعجزة العربية على الطريقة اللبنانية، أو المعجزة اللبنانية سبيلاً الى العالم العربي.
مع هذا، ننتظر تعرجات، ومصاعب، ومشقات، ومعوقات، لا سيما وأن أعداء الحرية والاستقلال والسيادة، سيستمرون في أطماعهم، وسيستمر بعض الفرقاء في استغلال مواقعهم... لكن، مع هذا، تقول، (وبرغم وجود غراب بعبدا في القصر)، القافلة، ستكمل الدرب... ولو طويلاً. والمعجزة التي تمت في 14 آذار 2005، وتجددت في 14 شباط 2006، وتلوّنت في 14 آذار 2006، ما زالت مستمرة. إنها المعجزة اللبنانية بامتياز، المعجزة التي لا تني تنجب وبخصب معجزاتها الصغيرة والكبيرة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.