8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لحود ومونودراما النهايات

حزين جداً أن يمارس الرئيس جمهوريته بلا جمهور. والجمهورية جمهور. وحزين جداً أن يمارس الجمهور جمهورية بلا رئيس. ولكل جمهورية رئيس. الرئيس في مكان خالٍ من الجمهور. والجمهور في مكان خال من الرئيس. هذا يمارس عزلته في قصر مهجور. والجمهور يمارس حضوره في ساحات مليئة به. ومع هذا فالرئيس ما زال يتصرّف وكأنه رئيس على هذا الجمهور. والجمهور يتصرّف وكأنه بات بلا رئيس. في القصر شخص يتخيّل جمهوراً. وفي الساحات جمهور يبحث عن رئيس. فلا الرئيس يلتقي جمهوره. ولا الجمهور يلتقي رئيسه. فكأنهما ضدان يفترقان كالماء والزيت. أو حركتان: واحدة في طريقها الى المغادرة. وواحدة في طريقها الى المجيء.
اميل لحود في القصر الذي صار جمهوريته الأخيرة. مكانه الذي يفوح بالوداعات الباردة، وبالمراثي الصامتة. إذ كيف يكون الرئيس ما زال رئيساً والجمهورية تُشيّع رحيله. هكذا وحده. إرفَضَّ الجميع عنه. حتى الأقربون والخلان والأوفياء والمؤيدون. إفرنقع القوم عنه، فبات، من شدة الافرنقاع مفرنقعاً عن ذاته، كأنه، وقد بات يمارس عزلته، كآخر سلطة يمارسها، صار غريباً حتى عن المكان الذي يحتله.الجدران افرنقعت عنه. والسجاجيد. والملابس. والهواتف. والأبهة. صار فخامة بلا رئيس. ورئيساً بلا فخامة. هكذا وحده، بلا جمهور في الخارج. وبلا أحد داخل القصر. ونكاد نقول انه عندما يسقط "البطل"، تنتصر الأشياء. تحال البطولة على الأشياء. القصر صار البطل. لكنه البطل الذي ينتظر بفارغ القوة، والصبر، والشوق، أن يخليه كومبارسُه الأخير، لكن في التراجيديا الصغرى والكبرى، يمشي البطل التراجيدي عكس قدره المحتوم. يسبح عكس التيار. يغطس في ماء تحوّل رملاً. يمشي في رمل تحوّل وحلاً. يمشي في وحل تحوّل جمراً. يمشي على جمر تحوّل رماداً. رئيس الرماد المطفأ. اميل لحود يتفقد وجوده ولا يُحس بغير تلك القوة التي خانته في تفكيره، وفي حواسه، وفي إرادته. إذ ماذا يمكن أن يفعل رئيس لم يعد لديه سوى رماد ينزلق من بين أصابعه، وعلى امتداد حضوره. حضور رماد. ومع هذا يمشي الرئيس على غير انتباه لما يدور حوله، ولما آلت إليه أحواله. تراجيدي؟ نعم! بلا تراجيديا. تراجيديا؟ ربما! ولكن بلا نص ولا آلهة ولا أبطال ولا زمن. رئيس بلا زمن. اميل لحود. وما أحزن رئيساً بلا زمن. حتى ذلك الزمن الذي بات يحصيه بالكلام. أو بالهذر. أو بالهذيان. أو باللامعقول. ذلك أنه يعيش تراجيديا (اغريقية) بلا زمن. أي تراجيديا لا معقولة. عبثية. وهنا تسأل ماذا يفعل رئيس تراجيدي في نص غير معقول. تتذكر "الملك يموت" ليونسكو الذي، من فرط إحساسه بالنهاية، وبالعزلة، يبتكر جمهوره وزواره ويرتجل مجده وحضوره. وتتذكر "في انتظار غودو" لبيكيت، الذي، ومن فرط تشابك اللازمن، واللاكلام، واللاانسانية، وتداخل اللاجدوى بالخوف واللاتوقع، واللامجيء تُبتكر انتظارات، لكي لا يأتي أحد. والرئيس الذي يعيش فصاماً تراجيدياً ينتظر غودو لأنه يعرف أن لا أحد سيجيء. وأن الزمن لا يتزحزح. وأن الأدوار تتغيّر وتتبادل في فوضىً كونية وسياسية عارمة. ومع هذا يبقى الرئيس على الخشبة. الخشبة العارية. يمارس دوراً انتهى. وعرضاً أسدل ستاره. وجمهوراً غادره بلا عودة. هكذا وحده. لا من يصفق له ولا من ينجده. ولا من يحفظ نهايته المهدرة. ذلك أن من شروط الاداء الأخير أن يحظى بجمهور أخير. والرئيس يؤدي وحده، لكن الجمهور في مكان آخر. في عرض آخر، في ملحمة أخرى.
هو، فوق (تحت) في القصر. والناس في الساحات. هو في مكانة غير المناسب. والجمهور في المكان الذي يشكّله على صورته. جمهور يصنع مصيره على صورته. ورئيس يصنع أيضاً نهايته على صورته. الجمهور يهدر في طريقه الى الوصول. والرئيس "يهمدر" في طريقه الى الأفول. فيا للطريقين اللذين لا يلتقيان (بإذنه تعالى). الناس تتحاور حول مصير الجمهورية وحول مصيره. وهو في مونولوج أمام مراياه المكسورة. فيا للبعد! ويا للشقاء. لم يتبقَ مَنْ يُسعفه، أو يصغي إليه، أو يراه. ذلك أنه بقدر ما يكون الجمهور مرئياً، ومُظَهِّراً صورتَه، بقدر ما تتداعى ملامح الرئيس، وتتفتت، كبوستر من ورق تحت الأمطار، ينمزق الوجه، وتفلت اليدان، ويمحي الوجه بابتسامته الخالدة. ذلك أن الرئيس لم يستطع حتى أن يتحوّل الى تمثال ينصب لا في ساحة ولا في غرفة، ولا على سطح. مجرد بوستر تحت المطر. ذلك أن الناس، هناك، في الساحات، تعلمت أيضاً كيف تنزل الصور البائدة، وتنظف الجدران من اليافطات القديمة. لأنها، وبكل بساطة، على مطل زمن جديد، تصنعه، بأيدٍ جديدة، وبعيون جديدة، وبمخيلات جديدة، وبواقع جديد. هو، بات، خارج الصورة. أو الأحرى داخل الصورة الممزقة بألوانها الباهتة المتحوّلة والمشوّهة. رئيس خارج الصورة في صورة ممزقة. فيا للمفارقة! ويا لِلطم الخدود وضرب الأكف بالأكف! فلا الرئيس المتمتع بفصام تراجيديا يرحم نفسه، ولا الجمهور يرحمه. فلا تَراحُم في مثل هذه اللحظات الحاسمة. هو في قصره يتمرأى بزجاج قصره المكسور، وبجدرانه الكابية الغريبة، والناس يتحاورون في مجلس النواب من دونه. فكأن القصر بات للموتى. والساحات للأحياء. وها هم كلهم، هناك، يمارسون حرياتهم المتكاثرة، وها هو، (كله) يمارس سجنه المتكاثر. ذلك أن الخروج على "القدرية" أحياناً دخول الى سجن آخر. إذ من الصعب أن يلتقي الذين يتنفسون الهواء المتسع بمن يتنفس ما تبقى من هواء منتن. وهنا لا تجدي لا المكابرة، ولا النسيان. فعندما يُدير الرئيس شريطه الأخير (بالاذن من بيكيت) لا يجد فيه غير الموتى. والقتل. والخراب. والذل. والخيانة. والقهر. والعمالة. والعنف. والفساد. والقوة. والاستبداد. شريطه الأخير ممتلئ ولكن بقدر ما هو ممتلئ بالمخازي والرذائل، بقدر ما هو فارغ. يديره فيسمع صوت الشهيد رفيق الحريري، نازفاً على وجهه ويديه. يستحضر قامة الشهيد، أمامه، بكل سطوعها وسلامها وعطائها وتسامحها، فتسوَّد قامته ويشحب جلده. ويتضاءل حتى يتفكك كدمية. ويستحضر أمامه صورة الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، فيتجمد دمه، ويسوَّد ويتخثر، ويصيبه ما يصيب من أتت النار على وجهه، وعظامه، وكلامه. شريطه الأخير في لحظاته الأخيرة يفيض عليه. تتراكم أمامه الظلال والمآسي وينفر من عينيه ظل رستم غزالي، وجميل السيد، والمخابرات مختلطة بدماء الضحايا والمساجين والأوراق النقدية والاتفاقيات السرية والذهب، وألعاب الكازينو وخرائط التفجيرات، وجثث الموتى والشهداء. ذلك أن عزلة الرئيس كم يمكن أن تكون قاسية. فشريطه الأخير قاس جداً. ينفر منه الموت. يديره فتتمتلئ شاشة الوطن كلها بالدم والخراب. إذ ماذا يمكن أن يفعل رئيس بما تبقى له من الشرائط، سوى، إغماض العينين، وَصَمّ الأذنين، والبحث عن أعلى نقطة صالحة للقفز ليس في الماء، ولا في الأحواض، وإنما في النهاية. إنه الرئيس السابق الذي يسابق وصوله الى آخر اللعبة. الى آخر النهاية. ومع هذا ففصامه التراجيدي يدفعه الى الهروب الى الوراء، فالى الأمام، فالى الدوران حول نهاياته المتكاثرة، وهو يعرف، أن البدايات في مكان آخر. وأن نهاياته أمامه. يتلمسها. يتشممها. يتفحصها. كأنه يبحث في النهاية عن البداية. أو يبحث عن البداية في النهاية. ذلك أن الرئيس الذي أُسقط في يديه يعود لا يفرّق بين النهاية والبداية، ولا بين التخييل والواقع، ولا بين الدنيا والآخرة. إنه تشوش الحواس الذي يجعل منه كتلة غائبة تصطدم بالهواء وكأنها تتنفّسه وتصطدم بالجمهور وكأنها تعانقه، وترتطم بالحقيقة وكأنها تحضنها. ولهذا، لا غرابة، اذا بات الرئيس يسمع بمنخاره، ويرى بقدميه، ويشم بحاجبيه، ويفكر ببطنه، ويحكي بثيابه.
فهو لم يعد ساكناً في الجسد المناسب ولا في العقل المناسب، ولا في المشاعر المناسبة.
بات في مكان وحواسه في مكان آخر. هو في مكان وجسمه في مكان آخر. هو في مكان ولسانه في مكان آخر. ولهذا، لا تستغرب اذا صار الرئيس عدة رؤساء، رئيساً يرئس بدلته. ورئيساً يرئس كرسيه، ورئيساً يرئس مكتبه، ورئيساً يرئس لسانه، ورئيساً يرئس اللاشيء!
فالرئيس افرنقع عن ذاته، وذاته افرنقعت عنه. وتصبح حاله مع ذاته كحاله مع الجمهور، والجمهورية. وحاله مع أوضاعها، ومآلاتها. فهو، بات يطارد الجمهورية والجمهور ليثبت انه موجود. وبما أن جمهور الجمهورية يقاطعه، ويدينه ويرفضه وينكره فهو يلاحقه. الرئيس يطارد الجمهور. والجمهور يطارد الرئيس. ولحود، من أسافل عزلته (والعزلة أحياناً قمم) يتشبث بأي وجه او قناع، أو ظل أو صوت، أو صدى، أو كسرة زيارة، أو اضغاث حضور، أو طرفة باب، لكي يشعر بأنه ما زال في القصر. وان القصر ما زال فيه، اذ يمكن ان تكون في مكان ولا تكون فيه. ويمكن أن يكون المكان صار فيك وأنت تظن انك ما زلت فيه. لكن أحياناً يصبح الشخص أثقل من المكان الذي يحتله ويتمدد عليه تمديداً فينوء تحته وكأنه جبل من الحجارة والفولاذ والنعوش. وأحياناً يصبح الشخص ومن فرط شغوره أخف من ظل، وأكثر هشاشة من ريشة. وهنا تكون بينه وبين المكان، ما بين الهواء والغبار. اذ يُحس الرئيس، ومن ضمن هذه العلاقة، انه صار مجرد غبرة على موجودات القصر (والغبرة تصير من موجودات القصر بما فيها الرئيس)، غبرة عالقة على البوابات والثريات والخزائن والملابس والأصوات والنوم والحلم والمشية والبسمة (الهفهافة كورقة الكلينكس) والأصابع والمنخار والجبين والضمير (أجمل ما في الغبرة انها تعلق أحياناً بالضمير الثقيل) والكلام والصمت... غبرة من الرئاسة جعلت الرئاسة غبرة. لكن ماذا يفعل رئيس تحولت معه الأمكنة (والأزمنة) مجرد غبرة (تصبح مع تراكمها كأنها الشحم. شحم سيارات أو شحم حرائق أو شحم بطون وعقول). والغبرة ثم (والشحبار)، من دلالات الماضي، والنسيان والهجرة والتهجير تماماً كعشب القصور المتروكة.
بل وتُحس وأنت تواكب الرئيس، بشرائطه الأخيرة، (الناشزة) وكأنه بات يشبه العشب الذي ينبت على جدران القصر، والحدائق والممرات وعشب النسيان، عشب الموتى، عشب قصر ذهب أهلوه، وسكانه ورواده الى مكان آخر.
وعليه، فان الرئيس المهجور بلوعاته الكبرى، وفجائعه الصغرى يلعن جمهور الجمهورية وزواره وخلاّنه الذي خلفوه وراءهم كالغبرة او كالعشبة يحقد على الجمهرات والأطفال والشباب لأنه، بات في مكان، وهم في مكان آخر. أمس، سمعنا أنيناً مزمجراً من وراء قضبان القصر. الرئيس يهمدر لمؤتمر الحوار. يقول للموجودين انا لم أصبح بعد من موجودات القصر، بل أنا موجود، وها أنا أهمدر وإن وحدي. (والوحدة عذاب!). أهمدر لكم. أعلن وجودي بينكم، وإن كنت غير موجود. ها أنا أهمدر إذاً أنا موجود. ها أنا اتكلم اليكم أيها الجالسون مع بعضكم (وكنت أنا أمنعكم عذراً)، "تكاتفوا" (الرئيس يقول للجمهور وأهله تكاتفوا) ولكن بالسكاكين والسواطير والنبابيت. يقولها الرئيس "ليدحش" نفسه بينهم، لكنه، عندما ينطلق صوت الرئيس المهجور من القصر المهجور، وعبر الغبرة، ومن خلال العشب، إليهم لا يصل من هذا الصوت، سوى حشرجة، أو لغو الفاظ، أو صراخ، مُغادر، أو توسل غريق!
ذلك، أن الرئيس المهجور صار في مكان، والناس والوطن في مكان آخر. صار ينتمي إلى عالم يبيد، لم يبق منه، سوى أسمال حضور، وبقايا تاريخ، يعلق في الأذهان، كما تعلق الغبرة في الأنف.
انه يمارس مونودراما النهايات (هذا ما كتبناه عن جميل السيد قبل أن تفتح أمامه بوابة السجن) وحده، بلا نص ولا جمهور ولا حتى خشبة. مونودراما يقدمها أمام نفسه. وأمام الأشياء التي خانته، والحيطان التي جَفته، والكوابيس التي أرّقته.
انه في وسط الخشبة المهتزة. يقف. ثم يقف لأنه لم يقف، يمشي ثم لا يمشي لأنه لم يمش. يتحسس جسده، ويشعر بأنه يخونه. ويتحول فجأة الى قامة من كرتون او دمية من خشب: يتضاءل ، يتضاءل على الخشبة (في عرضه المونودرامي) يفك رأسه ويرميه ليطن كصنّاجة متروكة، ثم يفك يده اليمنى فاليسرى، فرجله اليمنى فاليسرى، فصوته ثم همدرته ثم صوته، يفكك وجوده كما تُفكك موجودات القصر... الى أن يصير خردة على المسرح، خردة، مجرد خردة.
الرئيس، اليوم في مونودراماه الأخيرة مجرد خردة قد لا تجد من ينقلها، من خشبة القصر الى فراغ النسيان، مجرد خردة، رئيس خردة، بات في مكان والجمهورية والجمهور والوطن والحياة في مكان آخر...
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00