هذا لم يحل دون استمرار بعض الهوامش الاجتماعية، وبتغاضٍ عن السلطة أحياناً من اكمال انفتاحها الثقافي والسياسي على العولمة المزدوجة. لكن هذا الانفتاح كان ذا مردود محدود، لانقطاع الوصل بين الانتاج الثقافي الهامشي وبين المجموعات البشرية. يضاف إلى كل ذلك، الوضع الاقتصادي الذي كان ضاغطاً في بعض البلدان العربية، اضافة إلى تصاعد الزامات الرقابة، باعتبار ان انظمة ما بعد الاستقلال إمّا كانت "ثورية" معسكرة، أو غير "ثورية"
وصارمة وقاهرة، واذا اعتبرنا ان القرن العشرين هو افتتاح العصر التكنولوجي من كهرباء واعلام سمعي ثم اعلام بصري، إلاّ ان تأميم هذه الوسائط جعل تأثيرها شبه محدود على الناس، وبقي الكتاب والمنشور والمجلة الوسائط الأساسية في نقل المعارف المترجمة من هنا وهنا.
فمجتمعات المعرفة، اذا كان لنا أن نلخص طرق تواصلها معنا، إلى تعدديتها، كانت منوطة وإلى حد كبير، (من دون أن نغفل ما كان للسينما كفن مترجم، والمسرح كفن مترجم، وكذلك التلفزيون وصولاً إلى الراديو كمكان مصادر)، بالكتاب. وهنا، لا يمكن تجاوز أن الكتاب ايضاً لم يكن له أن يوجد، وأن يتحرك في القنوات والتوزيع، خارج التوجيهات السلطوية. ومن منّا لا يعرف مدى صرامة الرقابة وأدواتها المخابراتية. فحرية الكاتب والمفكر ومن العالم من حرية الكتاب. قد يصل الأولى ولا يصل الثاني. والعكس صحيح، وهذا لا يبتعد كثيراً عن سياسة المترجمات. وتعود هنا إلى الجوانب الأيديولوجية (المتصلة بالسياسة والمفاهيم) لنتبين أن شروط الترجمة نفسها لم تكن لتنفصل لا عن شروط الكتابة، ولا عن شروط الظواهر الفنية.
تفاوت
وقد أدى كل ذلك، اضافة إلى التفاوت في الجغرافية الثقافية العربية، إلى "نمو" غير متجانس، وغير متآلف في التعامل مع الترجمة، ما افضى الى فجوات بارزة في نقل الآثار والاكتشافات والمعارف والنتاجات، وكذا إلى نوع من "الفوضى" التي حالت في كثير من المواقع والظروف إلى ابتسار في احتمالات تكون ثقافة أو حركة ثقافية متكاملة. فكتب الفلسفة مثلاً اصابها مثل هذا التفاوت، وكذلك الكتب العلمية، لنصل إلى الكتب التي تُراجع الأفكار الدينية وتنتقدها وتؤولها أو تخضعها للمنطق العقلاني، لا سيما المترجمة منها. ونظن أن الترجمة، وفي هذا السياق، لم تصبح حركة، ولا خضعت لاستراتيجية علمية، أو ثقافية أو أكاديمية أو مؤسساتية. وانما بقيت وبرغم نمو التعليم الجامعي (والثانوي) واتاحة الفرص وللتعلم والدرس والاختصاص، أمام شرائح متوسطة ودون المتوسطة، إلاّ ان هذه المؤسسات كانت محكومة من جهة بالزامات المجتمع ومن ناحية ثانية بالزامات السلطة. ولهذا كان عليها ان تعرب ما يشبه المجتمع كثيراً، وما يشبه السلطة كثيراً، وما يشبه الهوامش قليلاً.
واذا كان لنا أن نلخص السمات الأساسية "لحركة الترجمة" في تلك المراحل فيمكن القول إنها كانت ترجمات "ايديولوجية" بوسائط تكنولوجية قصيرة أو محدودة، وانها بقيت، لهذه الأسباب ولأخرى تتعلق بالديموقراطية وواقع المجتمعات، نخبوية، وعلى توجه متفاوت الخطوط، وكذلك على اختيارات لا تخضع لأي خطة بعيدة المدى.
وإلى كل هذا، يمكن القول إن الثقافات التي ظهرت وتعابيرها، وأجناسها كانت ثقافات "مترجمة" ومعولمة، لكنها افضت عبر التفاعل بها، إلى كثير من الابداع الخاص. ويمكن القول أيضاً إنها عانت في تلك المراحل، ولقصور خطوطها، من فقدان الاختصاص وخضعت لتحريفات وتشويهات، لا سيما في المجالات السياسية والايديولوجية والفلسفية وحتى الأدبية لكي لا نقول العلمية ايضاً. نقصد فقدان "المصطلح" أو ضعفه، وتشتته وغموضه، ذلك أن "المراكز" العربية المولجة، مهمشة كانت أم مُعمّمة، عرفت كثيراً، من التفاوت في التعاطي والمجالات المترجمة، بحيث طغت الفنون الأدبية والفكرية والسياسية على النتاجات التقنية والعلمية في فروعها التطبيقية أو النظرية. ذلك أن انتاج المعرفة والابتكار والاكتشاف وصناعة العصر وانماط التطور وأشكال التقدم بقيت متصلة بالمجتمعات الأخرى، الغربية والشرقية. وبقيت الساحات العربية استهلاكية تأخذ ما تأخذ من دون أن تنتج سلعتها الثقافية أو العلمية.
هذه الاستهلاكية الأحادية، ستسم ايضاً وبوتيرة متصاعدة، وبغياب متزايد، المرحلة التالية الممتدة في أواخر السبعينات حتى اليوم. ونظن أن المسألة الأساسية التي برزت في مجالات الترجمة، والعلاقة بمجتمعات الانتاج والمعرفة. تمثلت في هذه الاستهلاكية تمثلها في العجز عن الانتاج، والمساهمة في الظواهر الحضارية المتعددة المتدفقة، ما عمق الهوة بين المادة المتشعبة وبين الاستهلاك المتنامي. ونظن أن هذه الفوارق الكبيرة في مستويات المعرفة، حتى بدلالاتها التقنية والنظرية هي التي أدت إلى الفوضى والعشوائية والقصور في اللحاق، بركب النتاجات موضوع الترجمة، وتالياً القصور في صوغ مصطلحات تلبي هذه المتطلبات، وهنا بالذات يأتي الكلام التبريري عن قصور اللغة العربية (الموصوفة) بالأدبية أو الشعرية في استيعاب تراجم العصور والفلسفة والتعقيدات الأصطلاحية. ونظن ذلك يأتي من باب المنطق التبريري أكثر مما يُبنى على قدرات اللغة العربية التي برهنت عن مدى احتوائها لكل مواد العلوم في صدر الاسلام وخصوصاً في العصورالعباسية. فضعف المصطلح بل غيابه احياناً لا يعود إلى ان العربية غير قابلة لصنع هذا المصطلح. بل لأن المصطلحات غير منتوجة؛ والترجمة بلا ارضية. والكلام على أن اللغة العربية مثلاً غير مصنوعة للتفلسف أو للعلم كلام يناقض الحقائق الأساسية لمكونات اللغة ولتاريخها فالناس هم الذين يتفلسفون ويخترعون وليس اللغات، والناس هم الذين يصنعون اللغات وليس اللغات هي التي تصنع الناس.
فاللغة غير موجودة إلاّ اذا نطق بها واستخدمها الناس. وهي لا تطور نفسها بنفسها بل يطورها من يستخدمها ويفتحها على الحياة. بل نقول إن اللغة العربية هي بهذا المعنى ضحية الواقع المتخلف، والعجز المُعَممّ عن المساهمة بانتاج المعارف ومواكبة وثائرها وتجلياتها وتشعباتها. اذ ان اللغة العربية لا يمكن أن تكون ذريعة أو قناعاً لترددات المجتمعات والأنظمة في استراتيجياتها وطرق مقارباتها الأوضاع والوقائع والظواهر المختلفة التي تشكل اندفاعات العالم نحو صناعات التغيير والتبديل والابتكارات والاجتراحات. فلا العقل العربي عاجز (بجيناته) عن مقارعة الجديد، والاشتراك في تأسيس المفاهيم والأفكار، ولا اللغة العربية وترجمتها والتفاعل بها. فالعقل (كاللغة) لا يعطل نفسه، وانما تعطله السقوف والجدران والنواهي لتقنن حدوده وتحد مساحاته وتقصر امداءه.
المساحة الزمنية
المساحة الزمنية المديدة نسبياً التي تحركت عليها النهضة العربية، بمراحلها التي اشرنا اليها، والوقائع الثقافية والسياسية والفكرية والايديولوجية التي برزت فيها، تتيح لنا وإن بنسب متفاوتة، ان نتلمس الآثار التي احدثتها الترجمة (والاحتكاك المباشر) في هذه الظواهر والتواريخ. وهذا ما حاولنا مقاربته في ما اسلفنا.
فمئة عام وأكثر قد تسمح لنا، بتكوين فكرة عمّا انطبع في نتاجاتنا من تحافير احدثتها الاحتكاكات المتعددة بمجتمعات "المعرفة" آنئذ.
لكن، يبدو أن الأمور قد تغيرت اليوم. لا لأن عقولنا تبدلت، ولا لأن لغتنا تحوّلت، ولا لأن العلاقة بيننا وبين "الآخر" باتت تتسم بمشاعر أو بمواقف مختلفة، وانما لأن المجتمعات الأخرى، مصدر الحضارة الجديدة، ومنتجة المعارف، هي التي سجلت تعديلاً في مضامينها، ومنتوجاتها، ووتائرها، وادواتها وقنواتها ووسائطها ومما ترك مردودات من الصعب، حالياً، تبيانها وتعيينها ومعالجتها لقصر المدة التي حدثت فيها هذه التحولات. نقصد أن العالم خطا في ربع القرن الأخير خطوات غير مسبوقة، وانتقل بتسارع، من زمن "الايديولوجيا" ومراحل المجتمع الصناعي المتطور الى المجتمع التكنولوجي الذي بدا ذا ايقاعات مهلوسة، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين، بحيث انتفت تلك الثنائية "الايديولوجية" بين الشرق والغرب، بين المنظومة الاشتراكية والرأسمالية، بحيث بدا العالم، وللمرة الأولى، ومنذ قرون، على قطبية واحدة متمثلة بالولايات المتحدة. ونحن نعرف ان هذه الايقاعات المتسارعة والمتضاربة والمتنوعة عمقت الفجوات وكاثرتها، بيننا وبين مونوبولات المعرفة ومركزياتها. فسقوط الكتل "الايديولوجية" الذي بدأ يظهر ما بين الثمانينات والتسعينات بدأ يظهر منذ الوهلة الأولى ولكثيرين كثورة تكنولوجية لا سابق لها: بروز الميديا المعلوماتية الجديدة، والاتصالات الكونية والترحال بين القارات وبين الثقافات. عالم الثقافة العالمية (المعولمة) مجتاحة الثقافات المكتوبة والشفوية بعشرات اللغات، وعبر مراكز ضخمة صارت ما يشبه الأبراج البابلية. عالم التدفقات الجامحة وعلى كل الصعد: الاقتصادية، التيارات المالية والتجارية والديموغرافية والتدفقات المعلوماتية (تكنولوجيا الاتصالات، التلفزيون، الانترنت، الهواتف النقالة) وكذلك التدفقات الثقافية وتدفقات "الغير الجماعية" (اديان وايديولوجيات).
كل هذا كأنه (وعبر العولمة) جعل البشرية كلها "مجتمعية شاملة" و"الارض وحدة حدودية والأفق الضروري لكل فرد".
وبات للمرة الأولى، يمتلك الناس تدفقاً من وسائل الاتصال من، وإلى، وفي أي نقطة من الأرض: المحطات الفضائية تقدم للعالم امكانية خدمات مباشرة بكلفة زهيدة: هاتف، تلغراف، راديو، فاكس... اي بات لأي كان نظرياً على الأقل ان يصل الى أي مكان بالصوت والصورة والوثيقة.
اذاً هذه التدفقات التي تبثها مجتمعات المعرفة أو مجتمعات المعلوماتية، موجودة. ويمكن استخدامها، ويمكن الحصول على أي وثيقة أو نص أو مرجع أو معلومة. وإذا كانت موجودة، ومتوفرة، تصبح المشكلة، بالنسبة إلينا، كيفية استخدام هذه الرسائل والنتاجات، وكيفية تلقفها، ثم كيفية ترجمتها أو نقلها أو استعمالها.
والسؤال الكبير: اذا كانت هذه الخزانات المتدفقة من كل صوب، (اقتصادياً، مالياً، سياسياً، ثقافياً، علمياً)، والمتدفقة بلغات "منتجي المعرفة" نفسها. أو فلنقل باللغات الحية (حيث لفاعلية دورها الحضاري)، فماذا نصنع نحن؟ وهل تمر بنا وتتجاوزنا (وأحياناً بحرقنا) من دون السيطرة عليها، أو السيطرة على أجزاء منها.
في عصور النهضة التنويرية لم يكن فقط ثمة استيعاب للظواهر المقبلة من بلدان "المعارف" و"الثورات" والتقنيات، وانما أيضاً شعور بالمشاركة، أي بمقاسمة مادة الأصل صناعتها (عبر الترجمة فالتناص فالابداع)، أي كان هناك علاقة إيجابية بين الرسائل والمتلقي ولو في حدود معينة، ربما لأن المجتمع كان مهيأ للخروج من زمن الى زمن، من ذات تاريخية الى ذات محولة. وربما لأن المراكز الكبرى المنتجة والمرسلة كانت محدودة نسبياً، وذات وتائر أبطأ (نسبياً) مما هي عليه الآن.
التناص
اليوم، نحن خارجون من نهضات عديدة (معولمة) من دون أن نؤسس لمرحلة انتقالية، بمعنى أن انتهاء زمن الايديولوجيات والثقافات الحداثية التي سادت لم ينجب سوى فراغ، بل وتراجعاً، وأفكاراً لهذه الظواهر. ثمة ارتداد على كل انجازات الحداثة، وعلى مشاريعها، نحو الماضي، أو نحو العدمية، أو نحو التوجهات الاستهلاكية البحتة للصناعات الاستهلاكية الجديدة. وبدا أن الترجمات التي تحققت على مدى قرنين، وفي مختلف الحقول، باتت هي أيضاً من متاع الماضي.
اذاً، ثقافياً، نحن اليوم عُزَّل إلاّ لأن حركات الارتداد والماضوية والتجمد والتخلف، واجتماعياً على تفكك لا حدود له، وعلمياً لا شيء تقريباً. وانتاجاً للمعرفة صفر. تتحكم بنا ردود الفعل على ما ينجزه الغرب، أو يصدر عنه، أو يصدره. بمعنى آخر تساقط مشروع الحداثة الذي قام على المثاقفة والترجمة، وسقطت معه أيضاً امكانية أن نستمر في انتاج المعارف المعاصرة، أو أن ننخرط أو نساهم في ما يسمى "مجتمعات المعرفة".
فمن ضمن هذه الأحوال ماذا عسى تفعل الترجمة. وماذا نترجم، وكيف نختار، وهل نستطيع أن نختار، بل هل نستطيع أن نقوم بمهمة ترجمة هذه التدفقات الكاسرة، والجامعة؟ بمعنى آخر، هل من جدوى للترجمة، في ظل هذه الكميات غير المحدودة من المعلومات والرسائل، والنتاجات، وفي ظل مجتمعات معرفية تتناول وتتوالد في مجتمعات فالى مجتمعات جديدة ومتجاوزة؟
الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، واليابان تمثل قرابة 70 بالمئة من النتاج العالمي، وحصتها في انتاج الثروات وخدمات الاعلام تقارب 90 بالمئة. والمهم أن حركة الانتاج وكل الخدمات، لا تتوقف لكي يكون عندنا وعند العالم الثالث (أو ما يسمى الجنوب) الوقت لاختيار النتاجات وترجمتها إلا من خلال علاقة متناقضة، سلبية، استهلاكية لا تتراكم ولا تبلور تفاعلاً خلافاً. فالتكنولوجيا تتناسل، والانجازات العلمية تتواصل، والمصطلحات وأدوات الاختراع تتدافع، ونحن بحكم نمطية الاستهلاك، نجد أن ما أنجز اليوم، وما كدنا نتلقفه، يتغيّر غداً، وهكذا دواليك، بحيث نجد أنفسنا متأخرين ويزداد تأخرنا بالوتائر التي تتقدم فيها مجتمعات الانتاج، واذا أردنا فحص عمليات الترجمة المتصلة بالعلوم الانسانية والتقنيات والاختراعات التي حققت في عدد من البلدان العربية ضمن خطط الانفتاح والتعريب، نجد أن ما نقلنا من عام أو أكثر بات كثيره في حكم الماضي. كأن المعارف تصل إلينا كالخردة، وتبطل استعمالاتها وتكييفها، وتوظيفها سواء في محاولة بناء تفكير آخر، أو المساهمة في تلك النتاجات، بحيث نتحول الى زبائن، مجرد زبائن ينتظرون البضائع أو السلع على أرصفة التاريخ.
المعلبات
إنه نظام المعلبات الكونية، تحدد صلاحيته، فيصل إلينا بعد انتهاء تلك الصلاحية. وهذا الواقع قد لا يعود فقط الى التفاوت في الوتائر الحضارية، أو العلمية، بقدر ما يعود أيضاً الى سلسلة عوائق، باتت تواجهنا، وتواجه احتمالات التفاعل بمجتمعات المعرفة، (أحادية القطبية أما متعددتها).
صحيح انه بات عندنا الانترنت، وعلى مساحة متنامية، والمحطات الفضائية، والكمبيوتر، والمعلوماتيات، والتلفزيون، والمكتبات الافتراضية في المتناول، ولكن الصحيح أيضاً أننا حتى الآن لا نعرف ماذا نفعل بكل ذلك، وغير راصدين لآثار كل هذا في مجتمعاتنا. ذلك أنه لا يكفي أن تكون العدة موجودة ليكتمل العمل، وانما يحتاج الأمر الى الذهنية، والامكانية، والكيفية، والاستعدادات، والحقول الملائمة، والمتوازنة، للعمل ولتكوين "عقل" يمكن أن يشارك في الانجازات.
وهذا يواجه عوائق كثيرة تتوالد يوماً بعد يوم كلما شعرنا بأن العالم يزداد تقدماً وسبقاً، مما يخلق مشاعر وأفكاراً تتناقض وتحذر وتخاف وتتردد:
1 ـ الفجوات الاقتصادية بين الشمال والجنوب والتي تتعمق تجعل عملية الاستلحاق مستحيلة، كما تجعل مسألة التفاعل وعرة، لكي لا أقول مستريبة، بل ان الفجوات الاقتصادية موجودة داخل جغرافيات مجتمع المعرفة نفسها.
2 ـ الفجوات الاجتماعية التي تتصاعد من خلال أشكال الفقر والتخلف وبروز المشاعر المحلية والاثنية، تخلق نوعاً من الممانعة، أو على الأقل نوعاً من التعاطي الجزئي. ونظن أن ذلك يؤدي الى تكوين أنماط "أيديولوجية" أو ردود فعل "أيديولوجية" متصلة بالهوية والخصوصية تتسم بالممانعة، وبالرفض، ومجّ الوافد.
3 ـ هذا يستتبع وقوع الثقاقات في شعور خاطئ ربما بفقدان الحاجة الى الآخر، والاكتفاء بالذات التاريخية أو الجغرافية أو الدينية، وهذا ما تفعله بعض الحركات الأصولية، أو على الأقل يتم التعامل مع هذه الأمور تعاملاً انتقائياً، يفتقد "التقاطع"، أو التهجين أو التطبيع، وإذا تم ذلك فببطء يُفضي شيئاً فشيئاً الى اللاجدوى.
4 ـ مسألة الديموقراطية أساسية، وآليات الرقابة، والأنظمة الاستبدادية، وقمع الحريات، تشكل شروطاً سيئة للانفتاح والترجمة والتفاعل. فالديموقراطية يفترض أن تكون في خدمة العلم والحضارة والمعلومة. وهذه يفترض أن تكون في خدمة الديموقراطية. أي ديموقراطية المعرفة والمعلومة والانتاج. ونحن نعرف أن عدداً من البلدان العربية كان يمارس (وما زال) رقابة على الفاكسات، وحتى على الأنترنت، تماماً كما يفعل مع الهواتف الثابتة والنقالة والتلفزيون وسائر وسائط الاتصالات.
5 ـ الأمية المستشرية في دول الجنوب لا سيما في عالمنا العربي تبلغ نسباً عالية تصل الى ما بين 50 و60 بالمائة. وهذا رقم فاحش، خصوصاً اذا ترافق استشراء الأمية بالتخلف الاقتصادي. وعندها تزدوج المسألة وتتشعب، وتضع نصف هذه الشعوب خارج كل شيء: الثورات التكنولوجية والاقتصادية... وحركات النقل والاقتباس...
6 ـ تخلف مؤسساتنا التعليمية (تربوية وجامعية) وضعف المراكز العلمية والثقافية، وسوء الادارات وغياب بنى متطورة، وافتقاد كادرات متخصصة، تفاقم من معضلة الاتصالات والمعلومات وتوظيفها، وتعميمها، والافادة منها، والتعاطي معها بمستويات معرفية لائقة، إذ أن تعدد المعلومة يتطلب تعدداً متطلباً في الاختصاصات، وأشكالاً إيجابية من التلقي، وجهوزية متفتحة للسيطرة على اللغة، والمعرفة، والمصطلح، وهنا تبرز مشكلة آحادية اللغة. وإذا كان يقال في الماضي وحتى الآن ان الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، فالأمي اليوم هو الذي لا يجيد لغة أخرى حية إضافة الى لغته الأم. ونسبة مزدوجي اللغة عندنا ضعيفة جداً. ولكن هل يكون "المترجم" هو البديل من المؤسسات والخطط والانتاج، فتصبح المشاركة في الثورتين الكونيتين الاقتصادية والتكنولوجية مسألة ترجمة جيدة أو ترجمة غير جيدة، ليكون مصير الترجمات الادراج أو واجهات المكتبات أو حتى المكبات، أو في برامج ومخزونات نائمة في ذاكرتها وبنوكها؟
7 ـ صحيح انه، وكما سبق أن قلنا، أن الناس يمكن أن تمتلك تلك التدفقات من وسائط الاتصال ورسائلها، لكن الصحيح أيضاً أن التفاوتات الاقتصادية بين الجنوب والشمال، وبين دولة ودولة، ومنطقة ومنطقة تحول دون وصول تلك الوسائل الى الجميع. وهذا طبيعي. وإنما الى نخب غير محددة الملامح، ولا المواقع، وإنما خليط متنوع بلا حدود ولا نهاية. ما زال الانترنت محدود الوصول. وكذلك الهواتف الخلوية (التي صارت اليوم مجهزة بتقنيات الصورة والصوت والكلمة والانترنت والمعلومات) وقد أظهرت الاحصاءات الأخيرة ان قرابة 500 مليون يستخدمون الانترنت في العالم، منها 185 في أميركا الشمالية. ذلك أن للمعرفة ثمناً. قد يكون الكلفة زهيدة نسبياً، ولكنها كلفة على كل حال. (في النهاية الانترنت مسألة أميركية).
إزاء هذه السبل الوعرة والعوائق، تبدو حركة الترجمة عندنا وعلاقتها بالمجتمعات المعلوماتية (المعرفية) مسألة هامشية جداً، لكي لا نقول "خارجية". ولا نعيد ذلك الى طبيعة الترجمة، أو دقتها أو صحتها أو تقنياتها، بقدر ما نعيد ذلك الى علاقة مجتمعاتنا المصدوعة المبلبلة والخارجة من "نهضة" عريقة لم يتبق منها الكثير كزاد على الأقل يستخدم في هذا العصر الجديد، والمستقبلة هذه التطورات إما بلا مبالاة، أو بخوف، أو بانتقائية، أو برفض، أو بدمجها بين المعلومة وبين مصدرها، وبين الآلة وبين منتجها.
فالمجتمعات لكي تتمكن من الاستفادة (الاستهلاكية والابداعية معاً، يجب أن تكون مجتمعات منتجة. إذ ماذا ينفع أن نقوم بكل الترجمات اذا كانت هذه المجتمعات عاجزة عن تحويلها الى وقائع، والى انجازات، تتمكن عبرها من المشاركة بصنع هو الزمن بل وماذا ينفع الكلام على ازمة الترجمة أو أزمة لغة أو عقل عربي، وأزمة مصطلح، إذا كانت مهمتنا تقتصر على "تعريب" النتاجات والسلع الوافدة، واستهلاكها استهلاكاً ببغائياً، لا تراكم فيه، ولا تبلور.
صحيح ان ثمة فجوات بيننا وبين الغرب في الزمن الايديولوجي، لكن الترجمة لعبت دوراً أساسياً في نقل المجتمعات العربية من حالات التخلف والتقوقع والاكتفاء الى حالات أخرى مهجنة تتقاطع وروح العصر وروافده، وتساعد على المشاركة في انتاج المعرفة.
من الزمن الايديولوجي الى الزمن التكنولوجي والاقتصادي مسافة كبيرة شاغرة سياسياً واقتصادياً ومعرفياً بالدرجة الأولى، وتتمثل بالكيفية التي ستتعامل بها المجتمعات العربية وأنظمتها ومؤسساتها، بوضع الواقع في حالات متفتحة، وفي محاولة صوغ عقل نقدي (غير خرافي)، بحيث لا نقابل هذه الثورات المقبلة بلا توقف بعقول سلبية، وبأشكالِ تقبل ان تتعامل مع هذه الانجازات وكأنها كائنات خرافية نازلة من الكواكب وتعود إليها.
على هذا الأساس تصبح الترجمة فعلاً تكوينياً، وليس نشاطاً يصب في العبثية أو في بعض القطاعات الثقافية دون سواها. فالمسألة مسألة مجتمع وليست مسألة ترجمة ولغة. (فلا نحمل اللغة العربية وزر تخلف المؤسسات). ولكن هذا لا يعني الكف عن الترجمة وتأصيل مصطلحاتها، بانتظار "التحولات" الاجتماعية التي قد تأتي ولا تأتي، والتي قد تأتي على غير ما نشتهي ونتوقع، ولا يعني الكف عن اكمال عملية التعريب، في المؤسسات والجامعات والمراكز، بل هذا لا يعني الطعن في الجهود التي بذلت والتي تعود الى أكثر من قرنين في مجالات التعريب والترجمة.
ولكن ما نريد قوله ان الترجمة هي الحاجة الضرورية غير الكافية. ولا بد من أن تواكبها وتعقبها (وتسبقها) استراتيجية سياسية واقتصادية وثقافية تجعل من مجتمعاتنا مجتمعات تنتج سلعها، وتنتج معارفها، ومعلوماتها، وبنوكها، ووسائل اتصالاتها، وتكنولوجياتها، (بالانفتاح على كل اجتراحات الآخر)، لكي يتأصل الفعل الانتاجي، ويبتكر المنتج مصطلحاته الخاصة المتصلة بانجازاته. فالغرب ليس عنده "أزمة" مصطلحات لأن مصطلحه يولد مع صناعته وابتكاراته. وليس عنده حتى أزمة ترجمة (إلا ربما في المجالات الثقافية والابداعية) لأنه يترجم بلغته ما ينجبه، وإذا كان علينا أن نبني نهضتنا الثالثة، وبالمثاقفة، فعلينا أن نجمع بين أن نترجم وأن نفعل، بين أن "نشتق مصطلحات" وأن ننتج، بين أن نأخذ ونعطي، بين أن نتلقى ونرسل.
إذ أننا ولا سيما في ربع القرن الأخير نتلقى كل شيء ولا نرسل شيئاً. بل نتلقى الأساسي ولا نُبقي إلا على النافل الاستهلاكي، بل نتلقى الانجاز ونتعامل معه بطريقة فنية أو تقنية لكي لا أقول جمالية. فعلاقة الترجمة بمجتمعات المعرفة، ليست مسألة تقنية فقط. ولا نخبوية. بل علاقة مجتمع بمجتمع. علاقة تاريخ بتاريخ. علاقة عقل بعقل. علاقة حضارة بحضارة، ولهذا تأتي مسألة الترجمة، جزءاً لا كُلاً.
القيت هذه الورقة في مؤتمر "مجتمع المعرفة والترجمة" الذي عقد في القاهرة ما بين 10 و15 شباط الجاري، نيابة عن كاتبها لاعتذاره عن حضور المؤتمر لمصادفته الذكرى الأولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.