8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مجتمع المعرفة والترجمة (1)

"مجتمع المعرفة"، هذا المصطلح الفضفاض، والمتسع، والذي يشبه بمركزيته (الفضفاضة) داراً بمئات الغرف، والشقق والسقوف الداخلية، والمجاورة، والبعيدة، هل نحن خارجه. هذه المُركَّبة المركبة، من "مجتمعات" متداخلة "مجتمع الاتصالات" "مجتمع المعلومات" "مجتمع الصورة"، "مجتمع الصوت"، "مجتمع اللغة"، "مجتمع الانترنت"، "مجتمع الهاتف الخلوي" (المحمول)، هذه التراكبات التي تتواشج، وتتناكب في مستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والايديولوجية، هل تُصنع لنا، كما فعل المجتمع الصناعي من قبل: "ثورتنا الجديدة" أو هويتنا الجديدة، أو طريقة عيشنا الجديدة، أو أنماط تفكيرنا الجديدة، أو "ايديولوجياتنا الجديدة... أو موتنا الجديد؟ بمعنى آخر، هذه "الثورات" ذات المركزية التكنولوجية والذكرات المعلوماتية، والفضاءات التواصلية، المتدفقة من كل الجهات علينا، الجارفة، الجامحة، الصاخبة، صوتاً، وكلمة، وصورة، هل يكون لها، اليوم، وفي الألف الثالث، ومن خلال وتائرها ذات السرعة الأكثر من ضوئية، وذات الأحجام الأضخم من الطُوفانات، هل يكون لها عبر تواصلها معنا، وتداخلها فينا، وتلقفنا إياها، كماً ونوعاً وسبيلاً، أن تعيد صوغنا، وأن تنحت وجودنا، وترسم ملامحنا، وتحفر كينونتنا، تحت مظلة ما يسمى العولمة أو العولمات أو أي مسميات أخرى تحرك وتتحرك عبرها من خلالها، وربما منها وحتى إليها؟
قد تبدو هذه الأسئلة سهلة، وممكنة، في تلك البلدان والمراكز التي تنتج هذه المجتمعات "المعرفية" أو تلك المونوبولات التكنولوجية والاقتصادية الكبرى (أوروبا وليس كل أوروبا) واليابان وأميركا)... وتنشرها في كل العالم، من ضمن أغراض ايديولوجية هنا، استثمارية هناك، وثقافية في حدود الاستهلاك، والأنماط، والاشكال والتقنيات. فهذه المجتمعات هي التي تنتج معرفتها بوسائلها وأدواتها. ولغاتها، واتجاهاتها، وتعابيرها، وتجلياتها التقنية والاقتصادية تتمظهر في حقولها وميادينها، لتنتقل، أو الأحرى لتُرمى في هذا الفضاء اللامحدود، في العالم المقسم بين أهل الجنوب وأهل الشمال. أهل الفقر وأهل الثراء، أهل "العلم" وأهل التخلف، أهل الارسال وأهل التلقي، أهل الهيمنة وأهل المهيمن عليهم. أهل المبادرة وأهل الانتظار. أهل الانتاج وأهل الأسواق.
إذاً، هناك عالمان، وإن غير محسوبين بتخومك جازفة، وإن بدا في تضاعيف كل منهما فجوات على صعيد المشاركة أو الأخذ أو ردود الفعل أو الشرط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
السؤال الكبير، وهنا لا نريد أن ندخل في تفاصيل الأرقام والنسب ووصف أهمية ما يجري، على مختلف الصعد، وما ينزاح عن ذلك، وما يتماهى، وما يعاني الدلالات الخاصة بهذه الثورات في مناشئها وامتداداتها، السؤال الكبير ماذا عسانا نفعل بهذا الفيض المتدفق علينا من المعلومات، والمعارف، والتقنيات، والظواهر؟
هل تكفي "ترجمة ما تيسّر من كل ذلك؟ وأي ترجمة؟ وماذا نفعل بهذه الترجمات، وأين نحددها، ومن يحددها، وما مآلاتها، ومن يقوم بها، ومن يستخدمها، وكيف، ولماذا، وما هي مواقعنا ومواقفنا واستعداداتنا التقنية والادارية والسياسية والثقافية، لهذه "المشاركة" "الغامضة" إذا صح التعبير، وما هي الفجوات والعوائق وردود الفعل؟
المونوبولات
بتنا نعرف ربما جيداً من ينتج مجتمع أو "مجتمعات" المعرفة. نعرف المونوبولات الكبرى التي تصدره. ونعرف الوتائر المتسارعة لايقاعاته وتحولاته، لكن ما إذا نعرف عن مجتمعاتنا؟ هل هي قادرة على تلقي كل هذه التدفقات! وما هي نسبة قدرتها على تحويل هذه التدفقات الى عناصر تتيح لها التفاعل، أو الأخذ بطرف منها؟ عبر الترجمة أو النقل أو الاقتباس أو حتى مجرد الاصغاء أو التفرّج؟
نحن نعرف أن كل النهضات والثورات قامت على عنصر التهجين، عبر الترجمة أو الاحتكاك المباشر. وإذا كنا عرفنا، نحن العرب، نهضتين كبريين الأولى في العصر العباسي والثانية في الزمن المتصل بما يسمى النهضة "التنويرية" في الفترتين الماضيتين. فلأن عنصري الترجمة والاتصالات المباشرة لعبا الدور الأساسي في صوغهما وبلورتهما فهما نهضتان "مترجمتان" إذا صحت العبارة، وإذا عدنا الى نهضتنا الحداثية فيمكن القول انها مرت بمرحلتين: الأولى تتميز بالابنهار بالغرب، كنموذج شامل يمكن نقله ثقافياً وسياسياً وإدارياً وقانونياً وحضارياً، إنها المرحلة التي سبقت المراحل الاستقلالية وانبعاث القوميات وتكون ما يسمى الهويات الوطنية والايديولوجيات. هذه المرحلة شارك في صنعها المستشرفون والبعثات الثقافية وغير الثقافية التي أرسلت لنهل العلم في أوروبا والكتاب والمفكرون والسياسيون ورجال الدين في هذه المرحلة كنا نبحث عن هوية ما بترجمة هوية الآخر الى لغتنا وعاداتنا وحضارتنا. وكنا نريد اكتشاف ملامحنا عبر ملامح الآخر، من ضمن ما تيسّر وما توفر من وسائل واستعدادات. في تلك المرحلة، كان المجتمع، وبرغم نسب الأمية والاستعمار، والأوضاع الاقتصادية. مهيأ لهذه المزاوجة غير المتكافئة، ولهذه الاختيارات الشاملة. كان في مرحلة التحفز للخروج من زمن الغياب والانحطاط والانسحاق الى زمن الانبعاث، الى زمن لم يعد ممكناً فيه الاكتفاء بما لديه وما عنده وما ورثه وما لم يرثه. حتى الموروث كان يحتاج الى من يهجنه، ويتعامل معه بذهنية متفاعلة بسواه، حتى اللغة العربية باتت تحتاج الى ما يحركها، من خارج معطياتها، ومن خارج موروثاتها، وقواميسها، ومتاحفها، ومخزوناتها.
المخزون
إذاً كان ثمة وعي ما في المجتمع وحاجة الى أن حالة الخروج لا تتم إلا بإعادة "الثقة" بالآخر، والاعتراف بتقدمه، والاتكاء عليه في هذه العملية الشاقة والصعبة. ولهذا يمكن القول ان الترجمة كانت الأساس الأول الذي تبنى عليه النهضة الثانية. من باب يطغى عليه الانبهار أكثر مما يشوبه الشك والخوف.
في الفصل الثاني (أو التالي) من النهضة، والتي يمعن تأريخها، وإن تقريباً، بالمرحلة ما بعد الاستقلالية وحتى قبلها، بآلياتها، ونصوصها، فقد تزاوجت عجلة الاستمرار في الخروج عبر الآخر، باستيقاظ انواع من المشاعر والأفكار القومية، التي استخدمت في مقاومة "منتج" تلك المعارف، أي الاستعمار، فلا بأس، إذاً، أن يحارب الاستعمار بسلاحه المعرفي، ولا بأس أن نفصل أحياناً كثيرة بين الاستراتيجيات السياسية والمنتوجات الثقافية والحضارية، ولكن أيضاً، كان من الطبيعي أن يولد الاستقلال نوعاً من البحث عن "الهوية"، هوية ما، بدا السعي اليها، وكأنه رد فعل سلبي هناك، وإيجابي هناك، او الاقل نوعاً من الانفتاح الحذر، الذي على تماهيه بثقافة الغرب، واستغراقه في أنماطها ونتاجها، كان يحاول اكتشاف بعض جذور هذه الثقافة المتقدمة في ثقافاتنا الماضية. لعبة الاسقاط، أو لعبة تقديم الذات "المنقوصة" على الذات الأخرى الفائضة. وهنا برزت الترجمة عاملاً أساسياً في "تشظّي" هذه الحركات والتحفزات في صوغ الحداثة. وقد تكون الفترة ما بعد الاستقلالية من أخصب الفترات التي عرفتها الثقافة العربية، من حيث قوة تفاعلها، وترجمة تفاعلها، بالكلمة (الشعر، الرواية، الفكرة، السياسة، الايديولوجيا) أو بالصورة (السينما، المسرح، التلفزيون، الفنون، التشكيلية، والصورة الفوتوغرافية)، أو بالصوت (الأغنية، واللحن والموسيقى والآلات..) وقد تم تلقف هذه التدفقات الخصبة بحركة ترجمة واسعة، سواء على الصعيد الفردي أو على الصعيد المؤسساتي (جامعات، معاهد، مراكز، ثقافية، وادارية، ورسمية، وقضائية، وقانونية)، مما جعل هذه المرحلة، برغم الحذر وردود الفعل والممانعة التي أشرنا اليها، من أكثر المراحل اختراقاً للذات في علاقتها بالآخر، ومن أكثر الفترات تلقياً (بفضولية وشغف وتحفز) لما يرد من مراكز انتاج المعرفة، أو من "مجتمعاتها". ولن نتوقف هنا كثيراً عن الظواهر المتنوعة التي نشأت عن تلك العلاقات سواء بالاحتكاك المباشر أم بالترجمة أو الاقتباس، ويكفي أن نقول، وبرغم التفاوت الزمني، أن جل ما عرفناه في القرن العشرين من مدارس أدبية (السوريالية، الرومانطيقية، الواقعية)، ونقدية (الواقعية الاشتراكية، الماركسية، البنيدية، من ثم التفكيكية)، وايديولوجية (الشيوعية، الليبرالية، الاشتراكية، مفهومي اليمين واليسار، والرأسمالية..)، ومن مسرحية (البرشية، مسرح القسوة، المسرح الفقير.. المسرح التسجيلي. المسرح العبثي..) وتربوية، وتعليمية وعلمية وتقنية، جل ذلك نقل الى العربية، أو على الأقل، نقلت بعض محطاته الرئيسية، بالمقابسة أو النقل. وقد خضعت "حركات" النقل (أو المثقافة) لترتيب تلك الظواهر الزمنية، بحيث كانت تجيء كالموجات المتتالية، أو كالأنماط المتعاقبة، متبعة في ذلك مساراتها الأصلية.
الأيديولوجيا
ولهذا، يمكن القول ان حركة الترجمات في مطالع القرن الماضي وحتى أربعيناته اتسمت بطغيان المناحي السياسية والأدبية والنقدية، في حين اتسمت مراحل منتصفات القرن وحتى سبعيناته بطغيان الايديولوجيا، من ضمن الصراعات السياسية التي كانت قائمة، ومن ضمن ما كان يسمى بالحرب الباردة، وما نتج عن ذلك من ثورات ايديولوجية وفكرية وسياسية. وهنا بالذات، يمكن الاشارة الى أنه تم تسجيل تعديلات أو حركة انتقال من مراكز انتاج تلك المعارف أو الاتصالات أو الافكار... فكانت استفاقة الايديولوجيات المقننة في العالم الثالث وبات مفكروه ورموزه من نجوم تلك المرحلة من كاسترو، الى ماوتسي تونغ، الى كيم إيل سونغ، من دون أن ننسى غيفارا وصولاً الى التجربة الماركسية اللينينية، وكأن الحرب الباردة (وحتى قبلها) كانت تعبيراً عن ثنائية العالم: الاشتراكية والرأسمالية، أو "الشرق" أو "الغرب". وقد انعكست هذه الظواهر على الاختيارات في التراجم، بحيث توزعت ضمن هذه التعددية (أو الثنائية) المهيمنة. هذه "المسحة" الايديولوجية الثنائية قسمت ذهنية المتلقي وأثرت في اختياراته المتنوعة، بحيث صارت "مجتمعات المعرفة" آنئذ، ومن ضمن المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي (اليوم بالطبع تغيرت حتى مفاهيم الاشتراكية بحيث بات الكلام ميسراً عن اشتراكية ليبرالية، أو حتى يسارية تعددية أو حتى رأسمالية مشتركة وصولاً الى مفاهيم الخصخصة وعلاقة الدولة والشركات وموقعها منها)، مجتمعات مسيسة، وباتت الترجمات والى حد كبير بدوافعها الفردية والجماعية والمؤسساتية الحزبية وغير الحزبية، خاضعة لهذا التسييس "المؤدلج بل كأنها كانت جزءاً من الصراع السياسي والاجتماعي والفكري من ضمن اتجاهات الالتزام، والحرية، والانتماء، ومن ضمن المدارس الأدبية والفنية الكبرى.
ان تترجم، يعني ان تتخذ موقفاً، وتالياً ان تعبر عن موقع من ضمن اختياراتك، ان تكون مرتبطاً، أو على الأقل متصلاً، بمركزية "فكرية" ما هذا التعبير عن "الحرية" كان ذا مضمون ايديولوجي، وعليه كان يتم تفسير الكتاب عموماً (وحتى دور النشر ومؤسسات الترجمة) والشعراء والفلاسفة... ومن ثم ركز عليهم وعلى نتاجهم باعتبار ما يمثلون. وهنا نستذكر نيرودا ولوركا والبرتي والويار وحتى اراغون الذين اتخذهم بعض المؤسسات الايديولوجية (كالشيوعيين) كنماذج تعبر عن فكرهم، أو حتى كوسيلة ترويج أو كجزء من الدعاية السياسية. ولهذا اختير من شعر هؤلاء السياسي و"النضالي" والتحريضي من ضمن المضامين القائمة. وفي هذا السياق، غلبت الترجمات ذات الطوابع المنخرطة في تلك السجالات "العالمية"، والمحلية، وهكذا اختير سارتر مثلاً، بمسرحياته وكتبه الفلسفية، كاشارة من إشارات تلك السجالات، لا سيما تنظيره للالتزام في مواجهة الأفكار الأخرى (الليبرالية) وهنا نتذكر السجال بينه وبين أرون الذي وصل الينا عبر الترجمة بل وفي هذا السياق، تعددت مناحي الترجمات الى تفاصيل العمل السياسي والفلسفي والتربوي وأبعاده بتبنٍ واضح أحياناً من "الأنظمة" التي قامت بعد الاستقلال وقبله. فالبلدان الاشتراكية ركزت على الترجمات التي تصب في هذا الصراع الايديولوجي، منفتحة (وأكثر) على نتاجات المنظومة الاشتراكية آنئذ، وبالطبع على مركزيتها الاتحاد السوفياتي، وتفرعاتها الجغرافية والسياسية. فالترجمة، في هذه المرحلة "الايديولوجية" كانت تعبيراً عن "حاجة". أو فلنقل كانت في الأولى محاولة صوغ "للتاريخ" وفي الثانية محاولة اكتشاف للذات، أو الأحرى محاولة اكتشاف الذات المزدوجة عبر الآخر "المجهول".
المثاقفة
في المراحل الأولى كانت تتسم الترجمات بالمثاقفة بينما كانت الثانية، والى حد بعيد تتسم "بالمسايسة" (إذا صح التعبير). في الأولى كانت سعياً الى بلورة "حقائق" جديدة، وإنما جديدة وفي الثانية سعياً الى تأكيد هذه الحقائق. في الأولى كانت سعياً الى البحث عن "الفردية" التاريخية والجغرافية والسياسية والقومية، وفي الثانية كانت انخراطاً جماعياً في الصراعات النظرية (التوتاليتارية)..
وعندما نقول هنا "التوتاليتارية" نعني بها الانبهار والانشداد الى الدخول في اشكاليات النظريات المكتملة، ولهذا طغى، مثلاً، (ونسبيا) على أنماط الترجمات وحركات النقل في المقلب الثاني من القرن العشرين الطوابع "النظرية"، والانبهار، بالبيانات والكتب "الارشادية". والأدلة الأدبية والفكرية والفنية. كأنها كانت "توتاليتاريات" تسللت حتى الى عمق "الفرد" المنحني الى الفردانية (لا الى المؤسسات والعصب والتجمعات المحددة). وكأن معاني الانتماء كان لا بد من أن تظهر ببنود النظريات، بل ولا بد لمعاني الحرية من أن تغسل بالمبادئ المرسوم والمنظومة وذات المرجعية الراسخة.
وإذا كانت الترجمة تعبيراً عن حاجة فهي أيضاً تعبير عن "قلق". لكن حتى القلق الذي يظن أو يفترض سؤالاً ما يسعى الى جواب غير ناجز، فإنه، مع هذا، كان يجب أن يكون قلقاً مشكوكاً ببنى أو معماريات نظرية واتجاهات ذات تخوم معلومة. فبينما كانت الترجمات، في علاقتها "بمجتمعات المعرفة" في بواكير النهضة التنويرية (وجلها كان أوروبياً وأقربها فرنسياً) توافقية الى حد كبير، واستخدامية، في بعض جوانبها، فان الترجمات في المقالب الثانية، من القرن العشرين كانت صراعية (اشكالية) لكن صراعية بالمعاني "المعولمة" اذا صح التعبير، أي بالمعاني "التوتاليتارية"، حتى أدق التفاصيل الأدبية والاشكالية والمسائل والقضايا المندرجة ضمن هذه الأحاديات المتواجدة. انه الفكر الثنائي يعبر عن نفسه وكثيراً بإمدادات الترجمة، وتدفقاتها، حتى باتت الحداثة بروافدها الكثيرة "أصولية" التوجه من حيث شمولية اقتراحاتها والزاماتها" بل انشرطت هذه الحداثة (برغم حداثياتها) الى معسكرين (أو معسكرات) غربية وشرقية، وانغمست المجموعات المثقفة في التزاماتها "المكتملة" بين حداثة غربية (رأسمالية ـ ليبرالية) وبين حداثة "شرقية" (نسبة الى المعسكر الشرقي السوفياتي)، فجمعت هذه الظواهر ما يسمى الالتزام الفكري ـ التعبيري معاً. بمعنى إن الترجمة، (وهي جزء من الكتابة ومن السلوك والممارسة) باتت جزءاً من الانتماء، بحيث صار كل مترجم (أو كل مؤسسة) يختص في انتقاءاته بما يتلاءم وارتباطاته ومعتقداته.
هذه التوجهات منحت حركة الترجمة حيوية سجالية، لكن الى ثنائيتها، ظلت، ممسوسة بتناقضية وصلت أحياناً الى حد التناكر والتنافي والالغاء. والعالم الذي كان يضخ من يخ في افرازات "معولمة" عولمة غير أحادية، بات جزءاً من كل فرد. وبهذا المعنى، لم تعد "الغربة" التي كانت تسم المراحل التنويرية الأولى علاقة المتلقي ازاء مركز التلقي أو موارده. أي أن المثقف آنئذ لم يكن يحس بأنه "غريب" عن هذه النصوص الوافدة بكلياتها اليه. بل كان يحس وكأنه ينقل ممتلكاته الخاصة من لغة الى لغة. من لغة خارجية الى لغته الأم. فالماركسي يترجم النتاج الماركسي باعتباره جزءاً حميمياً من ماضيه ومن حاضره ومستقبله. وكذلك الليبرالي الذي ينحاز الى الثقافة الرأسمالية. بل وأكثر اذ تجاوز هذا الشعور بالملكية (وبالألفة) معاني الغربة، وحتى الخصوصية الى أن يكون مسألة "وجودية" تختص بالمصير وبالكائن وبالصيرورة والسيرورة. واللافت ان هذا الشعور لم يتوقف عند الفرد بل تجاوزه الى مجموعات البشرية التي كانت تتماهى بالترجمات (أو ما تيسر لها منها) وكأنها ايضاً من مخزوناتها ومن ادواتها وأسلحتها ومن مفرداتها ومن أبجدياتها. فمصطلح "الشيوعية" مثلاً المترجمة أصلاً وكذلك الماركسية أو الليبرالية، أو "الحرية"، أو التقدمية أو الرجعية، صارت من قواميس العامة. ولهذا يمكن القول إن هذه التوتاليتارية المقسمة لم تطل الى المثقف الفرد، وإنما ايضاً الى المجموعات المتوزعة في اتصالاتها وحصونها وقلاعها. وعلى هذا الأساس يمكن الكلام على "عولمة" مزدوجة طغت على الأفكار والرهافات والأذواق وأشكال السلوك، بحيث يمكن القول إن هذه العولمة المترجمة كانت تعني أحياناً كثيرة "عيشاً" في المضمون والشكل، أو تعايشاً" أو حتى نمطاً يبرز عند هذه المجموعات أو تلك. ترجمت مثلاً الوجودية (السارترية أو الكاموية) فبات عندنا وجوديون يمكن تبيانهم من طريقة تفكيرهم وكذلك من مظهرهم. (وقد نقلت العديد من الأفلام السينمائية والمسرحيات العربية هذه الظواهر). ترجمت العبثية فبات عندنا، وفي الاطار نفسه، عبثيون. تماماً كما هي حال الشيوعيين أو الماركسيين. فالترجمات التي كانت تنطلق عموماً من دوافع جاهزة (ايديولوجية، أو نظرية) أدت الى صوغ كائنات تشبهها. أي كائنات جاهزة. وهذا يعني الكثير بالنسبة الى مجتمعات مصابة أصلاً بالعادات الجاهزة، وبالتقاليد الجاهزة، وحتى بالثورات الجاهزة. وهنا يمكن الكلام على صدام بدأ يبرز بين هذه "الجهوزيات" التي تحول بعضها نوعاً من "الجواهر" أو نوعاً من الأواليات الميتافيزيقية أو حتى المقدسات. ولا نبالغ إذا قلنا إن البنى التاريخية المنقولة بأشكالها ومضامينها والبنى الموروثة الثابتة بأشكالها ومضامينها أيضاً، وقعت، معاً، في نوع من "التقديس" وهنا يبرز الكلام على صراع بدأ ينشأ بين الثقافة الوافدة والثقافة المحلية وفي مختلف المستويات الفكرية أو السياسية أو الأدبية والفنية حتى باتت عبارة "الحداثة" عند بعضهم نوعاً من الاعتداء على "الهوية" و"الانتماء" والأصالة والعروبة والتراث والقومية العربية ـ بل بات يحكى عن قيم وافدة عبر الترجمة أو الاتصال المباشر بثقافة الغير، وضمن هذا السياق وضع التراث في مواجهة الحداثة. ووضع القديم في مواجهة الجديد، بمعنى آخر، أدت النكسات السياسية والعسكرية (خصوصاً) الى أن تصبح تداعيات الترجمة عند كثيرين موضع "شبهة" أو ارتياب، وأكثر: باتت الحداثة عند بعضهم نوعاً من الغزو الثقافي، وارث المترجمات نوعاً من النوافل والسموم الحضارية. انها ردود اللحظات المتشابكة مع ما يسمى مشاريع الحداثة بتعابيرها السياسية والفكرية والأيديولوجية والعسكرية والسلطوية. وفي هذا السياق، كأنما الزمن الأيديولوجي (المترجم أو المعولم) أنجب ما يدعى زمناً "أصيلاً"، أو زمن "الهويات" أو حتى الزمن الذي بدت فيه العودة الى الذات عودة الى الميتافيزيقيا الدينية أو العرقية أو العائلية. والسؤال: أيمكن التعامل مع هذا الزمن أيضاً، وأن بدا من ردود الفعل (الحضارية)، زمناً مترجماً أو معولماً أيضاً لا ينفصل عن واقع انهيار الأيديولوجيات التاريخية والنظريات الكبرى، والمعسكرات الفكرية والفنية "الجاهزة" أي الانتقال من زمن ايديولوجي وافد الى زمن ايديولوجي ذاتي، من خلال انتفاء العولمة الثنائية وسقوط جدار برلين وتهاوي الاتحاد السوفياتي وذبول الليبراليات الأوروبية والتشكيك بفكرة التقدم والتطور وصولاً الى التشكيك بمعاني الحضارة التنويرية كلها، أو فكرة الحداثة برمتها، وصولاً أيضاً ما يسمى القطبية العالمية الأحادية المتمثلة بالولايات المتحدة، والى جوارها قطبيات ثانوية (نسبياً) متمثلة بأوروبا الغربية واليابان وربما قريباً الصين أو البرازيل...؟
لكن ليس علينا وضع حدود فاصلة بين هذه الظواهر المتضاربة، ولا حتى بين أزمنتها، ولا تعابيرها، ولا في انساقها، ولا حتى في سياقاتها. فالأمور كانت تختلط، في مناح توفيقية هنا، أو تبريرية هناك. فبعض الأنظمة العربية الذي رفع شعار المحافظة على القيم الذاتية، وقنن من تدريس اللغات الأجنبية، ووضع خططاً للتعريب والترجمة، بقي في بنيته الدستورية وحتى في "ايديولوجيته" وفي أدواته، متبنياً كثيراً من ارث الشرق والغرب. وهنا يمكن الكلام على تباين بين السياسي وبين الفكري، بين الواقع وبين "العقل الافتراضي" المنقول. وليس غريباً ان يلعب بعض هذه الأنظمة اللعبة المزدوجة: القول والفعل، الشعار والفكرة، ذلك انه كان على يقين بأن ما وفد من أفكار وأنماط واتجاهات عن طريق الترجمة أو بالاحتكاك المباشر، بقي في الحدود النخبوية، نظرياً الى نسبة الأمية المرتفعة عند الشعب العربي والتي تجاوزت في ما بين الخمسينات والسبعينات الستين في المئة، فضلاً عن أن الذين يمتلكون لغة أجنبية اضافة الى اللغة الأم لم يكن يتجاوز، بحسب بعض الاحصائيات، الخمسة في المئة. إذاً النخبوية الحاكمة لم تتردد في التمادي بأزدواجيتها، ولا حتى في تناقضاتها مما زاد من النزعات الداعية الى نوع من الاكتفاء الذاتي، على الصعد الفكرية (والأيديولوجية) وحتى الأدبية والفنية. لكن مع هذا بقيت الروافد الكبرى تتدفق من "مجتمعات" المعرفة الغربية، من تقنيات وأسلحة وتكنولوجيات وبضاعة استهلاكية.

القيت هذه الورقة في مؤتمر "مجتمع المعرفة والترجمة" الذي عقد في القاهرة ما بين 10 و15 شباط الجاري، نيابة عن كاتبها لاعتذاره عن حضور المؤتمر لمصادفته الذكرى الأولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00