بيكيت، ولد قبل 100 عام (1906) في بداية القرن الماضي، وفي بشائر خصبه وظواهره ومدارسه وأفكاره، وفلسفاته، وفنونه. بيكيت الايرلندي كأنه جاء من كل تناقضات تلك الظواهر، التي بدأت ملامحها في القرن التاسع عشر وتفتفت ونمت في القرن العشرين، فهو متعدد كتب الرواية متأثراً بمدرسة "الرواية الجديدة" والبحث، والقصة، ثم المسرح، وكتب المسرح متأخراً، ولم يحترفه، كأنه "مجده" جاء من حيث لم يكن ينتظره. "انتظر غودو" في الرواية فجاءه مع المسرح؛ لتطغى شهرته كرائد من رواد المسرح العبثي على شهرته كروائي وكشاعر.
اليوم، وبعد قرن على ولادته، وبعد 17 عاماً على رحيله، يبقى بيكيت في حيزه الخاص، في نضارته الأولى، في استشرافه "العدمية"، وفي استشفافه عزلة "الكائن"، وفي كسره المألوف، وفي كتابة "المسرح المضاد"، حيث هدف مختلف العادات والتقاليد المسرحية، وافتتح زمناً جديداً للمسرح مع كبار أمثال يونسكو، جورج شحادة، فوتييه، وآداموف، وصولاً الى هارولد بنتر وأرابال..
في هذه المناسبة عودة الى بيكيت، عودة بلا انتظار، ولا غودو، ولا لعبة، ولا نهاية لعبة، ولا آه! من الأيام الجميلة.. ولا سقى الله الأيام الجميلة. تعود اليه لأنه العائد الأبدي اليك، ساكن في جُحر هذا العالم اللامعقول. هذا العالم الذي لا يتحرك، ولا يتقدم، ولا يتطور.. إلا في حدود تدمير ذاته.
هل يبقى شيء لم يقل في بيكيت أو في المسرح الجديد أو الطليعي أو "اللامعقول"؟ مئات ألوف الصفحات حبرت أطناناً من الكلام والمناقشات، منذ منتصف الخمسينات حتى الآن. ألوف الصفحات هطلت على أعمال ونصوص مسرحية (وغير مسرحية) حتى كادت تغرقها. كلام يغرق كلاماً حتى كادت تطمرها تحت وابلها. بيكيت، يونسكو، آداموف، جورج شحادة، فوتييه، أرابال، جان جينيه..
رواد المسرح الجديد، المغامرة الجديدة التي توازت ومغامرة الرواية الفرنسية الجديدة أيضاً. كل من هؤلاء طالع العالم بنص مختلف، بلغة مختلفة، بحساسية مختلفة، من حيث الرؤية، ومن حيث التقنية، ومن حيث النبرة ومن حيث المفارقات أيضاً. لكن، من ضمن فضاء "شبيه" فضاء جامع هؤلاء. يونسكو مختلف عن شحادة وجينيه، وكذلك بيكيت عن يونسكو وآداموف ولكن كلهم رفاق في اختلافهم أولاً، وفي لقائهم اللامعقول ثانياً، وربما في علاقتهم بالارث السوريالي (شحادة، يونسكو) وفي الرواية الجديدة (آنئذٍ) (بيكيت)، انسحاباً إلى رواد لها وجيمس جويس وكافكا.
لكن اليوم وبعد مرور نحو نصف قرن على هذه المغامرة المشتركة ـ المفترقة، ماذا تبقى؟ هل بقي شيء؟ النضارة؟ الجدة؟ الإدهاش؟ التحفير في الورثة؟ هل كانت هذه التجارب التماعاً مبرقاً للمسرح، حيث الهاجس والرؤية والمجازفة، والمناخ، خصوصاً في باريس ثم إلى خبو وذبول وتذكارات! ماذا يعني أن تعاود قراءة بيكيت، اليوم، مثلاً، "موللوي" أو نصوص للا شيء، أو الكارثة (كنصوص) أو في انتظار غودو، "نهاية اللعبة"، آه، الأيام السعيدة "الشريط الأخير".. أو أن تعاود قراءة يونسكو: "الملك يموت" "الكراسي" "المغنية الصلعاء"، أو جورج شحادة، سهرة الأمثال، و"السفر" و"البنفسجات".. "حكاية فاسكو.." و"السيد بوبل"، أو أداموف "المناورة الكبرى"، و"المناورة الصغرى" و "بنغ بونغ"، أو أرابال، "قرافة السيارات"، "الشجرة المقدسة" و "فاندرليز"..،.. أو ما زالت تمسه في أواخر هذا القرن، بعدما سقطت ايديولوجيات وأنظمة ومعسكرات وأفكار وبعدما برزت أو عادت الى البروز ارتدادات وحروب ومجازر؟
هل كان يكفي، أن يلتقي هؤلاء، كل من زاويته (ومن صحرائه) على لا معقولية هذا العالم وعلى عبثيته، ولا جدواه، اتصالاً بجوانب من الفلسفة الوجودية و(سارتر) والعبثية (ألبير كامو) وقبلهما السوريالية والدادائية، كي يكتسب ما قدمه هؤلاء صفة الصادم، والمدهش، والمغير.
هل كان يكفي أن تجمع معظم هؤلاء (وسواهم) ردود الفعل القاسية على الحضارة الغربية بالذات التي صنعت الحروب والمآسي والخرافات أيضاً، وأوقعت العالم في الاستهلاك والموت الداخلي واليأس؟ ألا نجد مثل هذه الهواجس والكوابيس عند شكسبير مثلاً (رائحة ملوك شكسبير تفوح في "الملك يموت" و(يونسكو) وفي شخصية هام "نهاية اللعبة" (بيكيت)...، وحتى عند الفريد جاري في "يوبو ملكا")..؟
إذا كان صحيحاً أن الإنسان يأخذ ما بوسعه أن يأخذ فالصحيح أيضاً أنه يأخذ مما لا يزال موجوداً، أو بالأحرى مما تبقى، وإذا لم يعد في وسعنا أن نأخذ "كل السوريالية" مثلاً، لأنها لم يتبق منها الكثير، فإنه من الصعب أن نأخذ كل مسرح اللامعقول، لأنه لم يتبق منه الكثير لأنه قبل كل شيء ليس مسرحاً مطلقاً، بمعنى أنه يرتبط بمرحلة، وبتاريخ. في هذا الإطار يبدو هذا المسرح "تاريخياً" يسجل حساسية ما، وإرهافاً ما، انقرض، أو في طريقه الى الانقراض. هذا، إذا أخذنا بالاعتبار (ونتمنى أن نكون على حق)، التحولات الكبيرة التي أصابت العالم من الخمسينات وحتى الآن، لكن في المقابل، تبدو المادة الجوهرية، التي صنعت هذا المسرح (وصنعها) لا تزال موجودة، كأسئلة لم تلق أجوبة نهائية وشافية، أو بالأحرى كأجوبة ناقصة، مكسورة محفرة، ومشققة.
من هذه الأسئلة أو بالأحرى من شقوق الأجوبة يمكن أن نداخل هذا المسرح، لا من حيث تفاصيله ولا تقنياته فحسب وإنما من حيث المقلب الآخر الذي لا يزال يسقط منه كل يوم، حتى ولو صار في الملفات الاكاديمية، وفي الأذواق المعتادة، وفي الأنماط "البورجوازية" نفسها. إنه، في هذا مسرح الكسور، ومسرح "اللحظات السائبة" في عدمية لا تريد عموماً أن تبحث عن "ايديولوجية" تبررها (السورياليون وقعوا في هذا البحث العقيم)، ولا عن فلسفات ولا عن مناهج ولا عن تذهين، ولا عن مرجعية، هنا، في المقلب، وفي الكسور، أي في نقطة الصفر "الأبدية" تبدو على تفتح مع هذا المسرح، هاجساً ولغة، أي على رصيف الصعلكة، تبدو على تشرد مع شخصيات وجنون وعبث هؤلاء. أي حيث تشرع كل الأبواب على بعضها وتتداخل كل الرياح وتتقاسم الملامح والمواصفات والأمزجة والتواريخ نفسها، كما يتقاسم الهواء الهواء حيث لا حدود بين الرغبة والانتظار، بين اللحظات الأخيرة وبين الحنين والتذكارات، بين السقوط والموتى، بين الخير والخشر، بين الواقع واللاواقع، بين الطفولة والشيخوخة، بين الزمن واللازمن، بين المكان واللامكان، بين الصمت واللاصمت، بين الكلام واللاكلام، بين التاريخ والفراغ، بين العبث والتراجيديا، بين المأساة والتهريج.
هذه الرياح الشاسعة التي تتنفس فيها كل هذه الأمزجة والعناصر والموتى والأحياء والكلام لا تزال على هبوبها. عند يونسكو وعند بيكيت وجورج شحادة.
من هذه النافذة الشاسعة التي لا تطل على شيء، وقد تطل على كل شيء، يمكن أن نلتقي صمويل بيكيت، منذ بداياته وحتى آخر ما كتب، رواية، ونصاً، ومسرحاً.. والى حد ما شعراً (ترجمة له قصائد عديدة نشرت في كتابي "مختارات من الشعر العالمي"). ونصوصه خصوصاً المسرحية، لا تنتهي كي تبدأ، أو بالأحرى لا تبدأ كي تنتهي، وإذا بدأت فنهايتها فيها، وإذا انتهت فبدايتها "منقرضة"... لهذا بالذات لا تتحرك مسرحياته (أو نصوصه) من مكان الى مكان، أو من زمن الى زمن (تماماً كالقصيدة)، إنها لا تتحرك كي تصل، ولا تصل كي تستشرف وصولاً آخر، تراوح مكانها وزمانها، ثم لا تصل، لكن "تبتكر" أو "تختلق" مسافة ما، أو بالأحرى حيزاً زمانياً أو مكانياً ما، كذريعة، لتكثير هذه اللحظة المغلقة الى أعداد من اللحظات المغلقة، مسرح بيكيت في النهاية، مسرح لحظات، لأنه مسرح نهايات، وفي مسرح النهايات تختلط الأشياء والأزمنة والتواريخ ببعضها وكلها محكومة "بقدرية" اللاحركة، لا شيء يأتي، ولا شيء يرحل، ولا أحد، ولا ناس، ولا من يقول، (إذا كان القول لغة التواصل)، ولا أحد يمشي هذه المسافة "المختلفة" تجعل ذريعة للانتظار. كما في "انتظار جودو" و"لعبة النهاية". لكن الانتظار أيضاً لعبة زمنية رهيبة، لأنه يبرر هذه المسافة الملغاة أصلاً أو هذا الزمن المنفي.
فالانتظار، في جوهره، زمن، أو بالأحرى إنه الزمن. سواء كان الموت، أو الليل، أو لا أحد. عندما لا تنتظر أحداً، يعني أنك تنتظر اللا أحد... لكن بيكيت، من باب رفع التناقضات إزاء بعضها، "يختلق" الانتظار ـ المسافة، ويختلق الكلام، الذي لا يذهب الى شيء ولا الى أحد. (لعبة)، ويختلق "اكسسوارات" جسدية معطوبة، تساعد الكلام على ألا يصل الى شيء ولا الى أحد، ولا يكتسب كل شيء معاني الالتباس (الالتباس أحياناً هو معنى اللامعنى، أو لا معنى المعنى)، الأسماء ذرائع (مسرحية)، يتم تبادلها وتغييرها.
الأمكنة
الأمكنة هي اللامكان، الشخصيات بلا هويات، وبلا ملامح، وإذا كانت ذات هويات كـ"بوزو" وحتى "هام" فإن هذه الهويات تتساقط في التباساتها الداخلية وفي "اللعبة" المسرحية نفسها. من هذه المفارقات تطلع "حقيقة" المسرح البيكيتي، أو "لا حقيقته"، ومنها وباعتبارها "مختلقات" أصلاً، تتشابه كل مسرحيات بيكيت، حتى نكاد نقول انه كتب مسرحية واحدة، بل، أكاد أقول انه كتب مونودراما واحدة بأصوات عديدة طالعة من بعضها ومفوفة، ومجوفة الى بعضها.
لكن الاختلاف، بين عمل وعمل، ليس في التطور (بيكيت ينفي الزمن، إذ ينفي التطور) وليس في الطبيعة، إنما في الدرجة، أي في حدود المسافة المختلفة إزاء اللحظات الأخيرة، من "جودو" الى "هام" الى "كراب"، اللحظة واحدة. في جودو، الحيز أوسع، واللحظات أوسع، أقصد لحظات البداية/ النهاية، وفي "نهاية اللعبة" يضيق الحيز، وفي "كراب" يضيق أكبر، حتى يصل في "لست أنا" الى كلام، ويضيق معه المكان "جودو" في طريق ريفية أي في الهواء الطلق، حيث العدم يتسع كما تتسع الصحراء، في "نهاية اللعبة" غرفة بنافذتين. أو بالأحرى بكونين. في "كوميديا" يصير المكان جرة، تماماً كما في "نهاية اللعبة" "صندوقي قمامة".
وكلما ضاق المكان ـ الزمان (اللحظات الأخيرة) يضيق الكلام. من الكلام الى الصرخة، من الصرخة الى الصوت، من الصوت الى صداه، من صداه الى احتمالات صمته، ويضيق الجسد. من جسد محكوم بمكان (في انتظار جودو) ومضروب العاهة (بوزو يصير أعمى ولاكي أبكم في الفصل الثاني من المسرحية)، والى جسد يضيق فيه المكان، ومحكوم بالعاهة (هام أعمي وغير قادر على المشي، كلوف غير قادر على الجلوس، وناج ونبيل في صندوقي القمامة)، الى "بانيتي" مطمور جسدها بالتراب، الى أجساد النساء في "الكوميديا" "في الجرار"... وضيق الجسد ـ المكان (المكان يشبه الجسد عند بيكيت) الى ضيق الكلام، أو الى اختزاله الى إلغائه... هذه الحركة المراوحة (أو اللاحركة المراوحة) هي حركة اختزال الزمن والمكان والأجساد، تقبع كلها أمام عدميتها الأخيرة، أو رعبها الأخير، ولا نظن أن بيكيت يتبع كما جاء في العديد من الدراسات خطاً انحدارياً، لأن الخط الانحداري يتمثل بتساقط الجسد والزف والكلام.
الخط الانحداري نراه تكثيفاً للعدم وللانتظار (الذريعة) وتحفيزاً في البداية كأنه تكثيف المسافة وتكثيف الجسد، وتكثيف اللغة، وهذا، من احتمالاته، أنه يجسد العجز المطلق، للانتظار، وتالياً لقدرية اللاانتظار. ولهذا ربما تطلع شخصيات بيكيت من بعضها وتنبثق "أحداثه" من بعضها، وتخرج كلماته من بعضها أيضاً "بوزو" لا يختلف كثيراً عن "هام" و"كلوف" لا يختلف عن "بوزو" و"نيل" و"تاج" نراهما مقاطع في "كراب". فلماذا البحث عن أحداث جديدة أو عن شخصيات جديدة أو عن كلام أكثر، ما دامت المواصفات والأزمنة والأمكنة متشابهة، بل ما دامت الأشياء تتنفس في عدميتها النهائية، هذه العدمية النهائية كأنها القدرية الطائشة الملتبسة، التي تفقد الانسان امكانية أن يقرر أو يختار أو أن يلتزم حرية أو درباً جديداً، إنه اليأس! ربما. العجز! ربما. الشروط الانسانية الفاسدة في جواهرها! ربما. وعندما يموت الآخر كمشرف على أمل قابل للتفتح وللمرافقة، وعندما يموت المنقذ، وعندما تموت الأفكار، وتبتئس العواطف (معظم العواطف عند بيكيت تذكارات). فأية حركة تجدي، وأي جسد يجدي، وأي كلام يجدي، الوحدة؟ في أقصى دركاتها، في أسفل دهاليزها ولهذا فمسرح بيكيت هو مسرح الوحدة، وحدة الانسان إزاء مصيره وقدريته. وإزاء عالم فقده وفردوس يتفقد موته باستمرار،. كل شخصيات بيكيت وحيدة تعيش في مونولوج أبدي، حتى الحوار عندها يفضي الى المونولوج. الى الصمت، والرفقة ذاتها تعبير عن الوحدة، أكثر مما هي تعبير عن اللقاء. كأن شقاء الانسان كفرد ربما، يحتاج أحياناً الى شاهد. ولا معقولية الوجود، تحتاج أحياناً الى شاهد ولهذا فاسترجون وفلاديمير شاهدان على وحدة كل منهما، ورفقة بوزو ولاكي تشهد على سوء التفاهم المطلق بينهما، وكذلك رفقة هام وكلوف... إنها رفقة ملتبسة (وكأنها مفروضة) وفي الوقت ذاته عارضة، مهددة باستمرار... كلوف يهدد هام منذ بداية المسرحية بالرحيل، واسترجون على أهبة الرحيل "سأذهب" "هيا نرحل" أو "أنا سأرحل"...
كلوف يرحل في نهاية اللعبة "ورفيقا" الانتظار استرجون وفلاديمير يبقيان في التباسهما. بوزو ولاكي علاقتهما نابعة من "الحاجة": السيد والمسود، لكن بيكيت يستغني شيئاً فشيئاً عن "هذه الرفقة".
الوحدة
هذه الوحدة تطول أيضاً الى العلاقات "التاريخية" فهام بين أمه نيل وأبيه تاج وحيد، لا يصل إليهما ولا يصلان إليه، كأنهما الرفقة "الطبيعية" ملتبسة أيضاً وبلا جدوى! رفقة أسرى، ورهائن. كل مرتهن بالآخر، كل مأسور بالآخر، وكل وحدة بمعزل عن الآخر. وإذا كانت العلاقات الانسانية "شراً لا بد منه" عملاً بمقولة سارتر "الآخرون هم الجحيم" فان هذا الشر يطول الى عمق الجواهر الغيبية، وإذا كان الأمل في قدرة كونية تنجد الانسان في وحدته، معدوماً، فكيف يمكن أن ينجد الانسان "أخاه" الانسان، بيكيت بقي في حدود الالتباس النهائي، والعجز النهائي، سارتر وجد حلاً في "الالتزام". كامو وجد الآخر "الايجابي" في "الطاعون" مقابل غريبه "المستوحد المقتلع"، الرافض والمرفوض، غابرييل مارسيل وجد حلاً في الدين. وكلها حلول غيبية واجتماعية، خلط الوجودي بالفكري بالاجتماعي بالغيبي، خلط المتناقضات. وعند شحادة في المواربة من خلال "السذاجة" لأن شحادة وبيكيت ومعهما يونسكو، لم يطرحا هذا الالتباس كإشكالية، أو بالأحرى كجدلية وجدالية، سارتر بقي "ديكارتياً" حتى في أوج وجوديته، وبقي "إغريقيا" (في مسرحه) حتى في عز لحظاته "العدمية" (ما عدا، مسرحيته جلسة سرية). أي من "الغيب" الديني الى "الغيب الايديولوجي". من الكوجيتو الديكارتي الى الثنائية "الذهنية" ومثله غابرييل مارسيل، ومثله، الى ما ماكامو... وجدوا كلهم "الجسر" الفكري والاجتماعي، المبرر في "المنطق" وفي الالتزام، أما بيكيت، كما سبق وقلنا، فإنه لم يطرح الالتباس هذا لا كإشكالية فلسفية ولا كإشكالية سياسية ولا كإشكالية دينية. كأنما الهروب من منطق "الاشكالية"، اعتراف بعجز الفكر والمنطق عن مواجهة هذا الالتباس أو اعتراف بعدم صلاحية هذه الأدوات للتعامل معه.
العجز
وكم يبدو العجز هنا حرية، أو على الاقل مسافة للحرية وكذلك اليأس. الأمل أحياناً، يبدو مقيداً بشروط الواقع وأدواته. أحياناً من اليأس تطلع الحرية، العجز صنع اليأس وكلاهما صنع الحرية، لانهما، وخصوصا عند بيكيت، يتقدمان عاريين، أعزلين، حتى من الكلام أحيانا، حتى من الحضور، كأنهما من مواصفات الغياب، الغياب الذي يحتل الاشياء والناس والمسالك والعناصر. أي حضور يمكن ان يكون واقعياً على اللحظات الأخيرة؟ بل اي حضور يمكن ان يعطي لهذه اللحظة "الرمادية" معاني وتعابير. وكلما اشتدت هذه اللحظات وتلامست المواجهة معها، قوى الغياب، الحضور ـ الغياب، او الحضور المفرغ من اوهام الواقع، اي المغيب في عمق العدم، والتشوش والخراب، وتاليا البؤس الانساني في دركه السفلي، حيث للغياب معنى السكون، والتنصت الاجوف، والكلام المبهم، الكاسر غرائز غامضة، والمكسور في غرائز غامضة، تنشف وتجف مع الجسد والحواس، والافكار والحياة. وعندما تنضب الغرائز "الكبرى" في ينابيعها الأولى، اي معنى يبقى للمجاري وللانهار وللامطار وللحيوانات، بل اي معنى يكون، لحياة فقدت رغباتها وشهواتها في نقاطها الأولى. وعندما يبرز بيكيت ملامح "غريزة" ما وخصوصا "في انتظار جودو" مع بوزو خصوصا والى حد ما مع استرجون وفلاديمير، غريزة التسلط، او "التمتع" بالحياة، فان هذا الابراز سرعان ما يلبث ان يتراجع، بتشوه الغريزة في مادتها الأولى، في مادتها الحيوية. كأنما الغريزة الوحيدة المنتصرة هي غريزة الغياب وغريزة القبول بالغياب حتى الامحاء الشامل، حتى حطام الحضور، ورماده، وكفنه، حتى التشكيك بالعناصر وبتجلياتها. وهنا قمة البؤس الانساني والعجز الانساني والفشل الانساني. وعلى هذا بالذات ينبني "العالم البيكيتي" من معرفته ان فنه تأسس على ما يعتبره من علامات سقوطه وفشله، والفوضى والفراغ، والتفاهة، والعجز.
لهذا يكاد يكون البؤس، عند بيكيت "سلاح" وحيدا وهو "الفكاهة".
البؤس والفكاهة متصلان اتصالاً "مصيرياً" وكما يقول بيكيت لا شيء يثير الضحك والسخرية أكثر من البؤس. مادة عبث وفكاهة، هذه الفكاهة أساسية في الكتابة البيكيتية شكلاً ومضموناً، في الكلمة، والعبارة، والفكرة. وهي تفضي الى ما يعبر عنه أيضاً، بيكيت "لا شيء أكثر واقعية من اللاشيء" ولا شيء جوهرياً كاللاجوهري. فمواجهة (إذا صحت الكلمة) هذا "اللاشيء" تتم، بشكل أساسي بالفكاهة. اللاشيء "الوجودي"، هو وجود الإنسان البائس، وفي قمة هذا البؤس الفكاهة بعناصرها "اللازبة". وإذا حاولنا فصل نتاج بيكيت عن هذه الخلفيات، جردناها من ديناميتها "المدمرة" فالفكاهة، عند بيكيت، كما هي عند السورياليين عنصر "احتجاج" وعنصر تخريب، وعنصر تدمير وعنصر رفض، وهي مواصفات الفكاهة أصلاً خصوصاً الفكاهة السوداء، والشخصيات التي تشبه المهرجين (مهرجي السيرك، والسينما أيضاً) وتشبه "الصعاليك" وتأخذ مواصفات كثيرة (شكلاً وكلمات وتعابير) من هؤلاء بوزو يحمل سوطاً، ويقيد لاكي بحبل والأربعة في انتظار غودو، يعتمرون قبعات، وحركاتهم وتحركاتهم (كما يشير بيكيت) مستعار بعضها من حركات وتحركات مهرجي السيرك، والتهريج نفسه أداة أساسية عند بيكيت لكن لا يمكن وضع بيكيت في خانة هذا التهريج، كما لا يمكن وضعه في خانة المعبرين فحسب عن بؤس العالم ومظهره المضحك، كأنه نقل المهرجين والصعاليك من السيرك ومن أزقة المدن وأرصفتها الى الأمكنة الغامضة، حيث تشحذ الوحدة و(التشرد) أسلحة المواجهة. غرف مغلقة. آنية فخارية... في الأمكنة التي يستسلم فيها الإنسان "للحظات" انقراضه، وبقدر ما كانت تضيق الأمكنة عنده، ويضيق الكلام، وكذلك الحضور الإنساني، تضيق الفكاهة، وتتراجع، أو بالأحرى تستبدل شكلها ولغتها.
المواجهة السلبية
من هنا، يمكن القول بتحفظ، أن بيكيت يراوح في "تطوره" من المواجهة (السلبية) بالفكاهة في بداياته خصوصاً، الى الاستسلام من خلال تأصل هذه الوحدة، شيئاً فشيئاً وتراجع "اليومي" والتفصيلي كعنصري كتابة، الى ما هو مبهم ومتقطع وحاد، الى مجزئ، كأن اللحظة "الأخيرة" تتناثر في جزيئياتها، أو كأنه يستبقي من تلك اللحظات واحدة في شطور، أو في فتات، أو صوت.. وجه، صرخة.. ضوء.. وهذا يفسر انغلاقاً يعتم على ذاته، حيث للظلمة الكابية الداخلية، والصمت، ظلالهما المعدنية، ونبراتهما الموحية. بل كأن المسرح يتحول الى نبر، مجرد نبر، الى نبر مصوت، وإلى نبر متحرك، كي لا أقول الى نبر يغرق في إيقاعه الأخير، بل كأن المسرحية نفسها تحولت الى إيقاع. الإيقاع هو الاختزال الأخير، والاختزال الصافي لجوهر الأشياء، وهو دلالة (من ناحية أخرى) على عجز متناه، وخالص، للغة في حد ذاتها، وانسحاب "درامي" بل تراجيدي الى الكواليس، كواليس الموتى والأحياء، والصمت والتذكارات المبتورة والتهيؤات الغامضة، إنه إعدام أخير للغة، وكذلك إعدام أخير للآخر، الآخر في مجمل تجلياته ومستوياته وأشكاله فصعلوك العدم، أو مهرج العبث، عاد لا يستعير من لغة "الواقع"، من ابتذالها وطرافتها وبقاياها ونكاتها وظرفها وتناقضها، وحركاتها، ما يساعد على إنهاء الدور أو الوصلة، في السيرك أو في الشارع الخلفي أو في بقعة نائية أو غرفة مغلقة... وفي قبعاته وسوطه وحباله وقهقهاته وحبوبه المسكنة وقلنسوته، ومنديله وحذائه وبنطلونه كي يقصر أو يلغي مسافة المواجهة أو الاستسلام. اتحدت المسافة بالحركة، اتحدت المسافة بالكلام الباقي، وكأن المقولة الديكارتية المشهورة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" والتي رفضها، واستبدلها بـ"أنا أتكلم، إذن أنا موجود"، فأنا أتكلم، إذن أنا موجود "صارت" "أنا لا أتكلم إذن أنا غير موجود" أنا أصمت أو أستخرج رذاذ مأساة من الصمت، فأنا غير موجود. هذه هي الرمال الساكنة التي لم يتحرك فيها بيكيت وهو ينطمر شيئاً فشيئاً تحت رمل الصمت والعدم والسكون.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.