8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إرحل قبل أن يُرَحِّلوك!

كان على الرئيس غير الشرعي اميل لحود أن يرد أولاً على "شعب 14 آذار" 2005، ثم على "شعب 14 شباط" 2006، الذي كان في أجندة نزوله السلمي الى الشارع، المطالبة باستقالة "مسترئس" فُرض بالقوة، والترهيب، انتخاباً أوّل، ثم تمديداً.
على هؤلاء، مئات الألوف. كان حرياً به، أن يرد، لا على بعض قيادات الانتفاضة فقط، وخصوصاً الزعيم الوطني، والاستقلالي الكبير وليد جنبلاط. ذلك أن هذا الأخير، لم ينطق إلا بما تقوله جماهير الانتفاضة، جماهير "ثورة الأرز"، التي طالبت بكشف الحقيقة، وبما يعتمل في ضمائر الناس. وفي خياراتهم، وفي مواقفهم، التي كوّنوها بحرية، وليس تحت ارهاب الأجهزة، والوصاية، والقمع والقتل. إذاً، وليد جنبلاط هو الطالع من إرادة الناس، عبر هذه الارادة. وإذا كان يصرّ اميل لحود، على أن يخضع أحد للمساءلة القضائية، كما رد مكتبه (لم يبقَ من الرئاسة إلا هذا المكتب ـ المكب) فعلى هذه الجماهير. فيا ليته، (وهو الخبير بالجماهير باعتباره زعيماً "شعبياً" فرضه الشعب لا العسكر والمخابرات والوصاية)، يقيم دعوى رد شرف "للرئاسة" على كل هؤلاء الذين هتفوا بسقوطه، وبرحيله، وبتحرير بعبدا ولبنان منه، ولا بأس إذا كان هذا "المسترئس" قد فصل بين المليون المتظاهرين الذين زحفوا على ساحة الشرف والحرية (هل يعرف ما هي الحرية)، والشهداء (دماؤهم في عنقه!)، وبين القيادات والأحزاب التي دعتهم للتظاهر. فهذا شأن الطغاة، وشأن "الهابطين" على المراكز بالارادات "العليا".
على أن هذا "الوافد" الى بعبدا من خارج المشيئة اللبنانية، المنفصل، والمقتطع، والمنبوذ، والمعزول، الذي أدمن الجدران والبلاط والحكم الوهمي، لم يقفز الى "القضاء" كما يقفز في البحر فقط، ولم يتجاوز الناس، كما يتجاوز الأعراف فقط، بل ذهب أيضاً لاجئاً الى الدستور، مستجيراً بالقوانين والنصوص التي انتهكها، واستباحها، وعَفَّر بها التراب والوحل، ليستمد منها "شرعية". وكأنه وقد فصل نفسه عن الناس، و"استقل" عن رغباتهم، يريد أن يفصل هؤلاء عن الدستور. كأن الدستور "كائن" خرافي، استعلائي، مطلق، مجرد، أو فكرة منزوعة عن واقع الناس، وعن إراداتهم. ولم أسمع في حياتي أن رئيساً منتخباً يستجير من "شعبه" بالدستور. وكأنهما نقيضان أو عدوان... بل كأن شرعية الناس ليست من شرعية الدستور. وشرعية الدستور ليست من شرعية الناس. فيا للمفارقة: رئيس يتمسك بالدستور، وقد انتهكه عندما مُدِّدَ له بالإكراه. ثم يجعله "وريقة" ومواد خارج الزمن والأمكنة والتاريخ. ويا للمفارقة: فهذا الذي قصقص الدستور، وعبث بجوهره وقطّع أوصاله، ها هو يُعمل مقصّه (الكرتوني) ليفصل بين المناسبة (استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري) وبين الجمهور وبين الأحزاب وبين القيادات. فهو ومن منطقه القاص والمقصوص، الباتر والمبتور، والشاطر والمشطور، يعتبر أن كل عنصر من هذه العناصر مستقل عن الآخر. فذكرى اغتيال الرئيس الشهيد لا علاقة لها بوعي الناس ومطالبهم. وان هؤلاء الناس لا علاقة لهم بأحزابهم باعتباره أن الزعماء "استغلوا" الذكرى "لمآرب" شخصية! ثم، ان هؤلاء الزعماء مستقلون عن قواعدهم. وان هذه "القواعد" قد ركبت تركيباً، واستجلبت استجلاباً (تماماً كما استجلب الرعاع الى مظاهرة الأحد الأسود ليقدّموا إلينا نموذجاً حياً يدل على نياتهم ونيات مَنْ أرسلهم بإثارة الفتنة والتخريب والسرقة والتدمير).
الرئيس المفدى يرد. ويتهم جنبلاط بتهديده بالقتل. براو! فبما أن لحود أفصح لنا، وهو الفصيح ولا فصاحة، ان الموساد اتصل به مهدداً، و"هدهد" "حياته" الغالية، فلا بأس أن تهديداً آخر من مصدر داخلي هذه المرة: ام. مصدره مليون لبناني واكثر. فما أحرصَ اميل لحود على حياته. بل وليته كان حريصاً على حياة الآخرين حرصه على شخصه الثمين الذي لا يُقدر بثمن، لا في وطنيته، ولا في ثقافته، ولا في عزته، ولا في تفانيه، ولا في تضحياته الجلّى من أجل الحرية، والكرامة، والسيادة والاستقلال. فالرئيس الذي، ومن فرط الفراغ الذي يحيط به كالهواء وربما، لم يبقَ من مهمات رئاسته، ودورها، وتأثيرها، سوى رصد ما يُقال عنه، والرد عليه، (ويا ليته هو مَنْ يرد دائماً!) فقصر الرئاسة الواسع، الفخم، تحوَّل مكتب رد على كل مَنْ تسول له نفسه "المس" بمقام الرئيس. فللرئاسة مقامها. وهيبتها، والدليل على ذلك أن لحود ما زال متمسكاً بها، لا حباً بالكرسي، والفرش والجدران، وإنما حفاظاً على مقامها وقامتها وهالتها ونورانيتها المستمدة منه. وعندما تبحث عن هذه "الهالة" القدسية التي يتكلم عنها اميل أبو اميل، فانك لن تجد سوى خرقة وبقايا خراب وكثير من الانتهاكات، والمؤامرات، والحقد والفساد والارتهان. فهذه هي عناصر "الهالة" الرئاسية التي كوّنها لحود على امتداد تمدده وتمديده واستمداده علينا في ولايته الأولى وفي هذه الثانية التي يبدو أنها ستقصر هذه المرة بحمد الشعب اللبناني وإرادته.
فهذا الرئيس الذي "انتفض" لكرامته في وجه أهل الانتفاضة، لم يعد له شيء من هذه الرئاسة المنفوضة. ولا تبقى لها شيء منه. فهو في مكان. والرئاسة في مكان آخر. حتى الاسم والمسمى باتا على تنافر. إذ عندما تسمع عبارة "رئاسة الجمهورية" تفكر في مزرعة دجاج؛ أو حوض سباحة، أو تتصوّر ملابس بلا جسم، أو جسماً بلا قسمات. بل صارت العبارة تظن طنيناً غريباً في الآذان، أشبه بطنين الذباب، أو بطنين أجراس معلقة على الدواب والمواشي. اسم بلا مسمى. مسمى بلا اسم. رئيس بلا رئاسة. رئاسة بلا رئيس. رئيس يعادي الجمهورية، وجمهورية تعادي الرئيس. لكن لا بأس إذا حط على سقوف القصر وسطوحه وزواياه المعتمة، غربان، ما زالت تنعق بحنين دموي الى الزمن السابق، وبتصويت نشاز من أصداء الوصاية وأهل الوصاية. لا بأس، فهؤلاء، المعزولون، يمكن أن يتصوّروا أنهم يحلون محل إرادة الناس. أوليس هذا ما فعلوه، على امتداد عهود الوصاية، عندما حطوا، واميل لحود، وأجهزته، ومخابراته، ولصوصه وفُسَّاده، مَحَلَّ الناس، والمجتمع، والارادة الوطنية، والديموقراطية، والقضاء، والمؤسسات والقانون؟ لكن حتى هؤلاء، لم يعودوا صالحين، لأن يُنجدوا رئيساً بات بلا مُنجد، ولا مُسعف، أوليس هذا ما صرخت به انتفاضة الاستقلال في 14 آذار؟ أوليس هذا ما صرخت به تظاهرة 14 شباط الثلاثاء الماضي، تظاهرة الوفاء للرئيس الشهيد وسائر الشهداء، والولاء للبنان؟ ترى ألم يسمعهم؟ ألم يسمع مليون مواطن لبناني يطالبون باستقالته، وبتحرير البلد منه؟ وهل يعتبر مليون مواطن ملأوا ساحة الشهداء، ساحة الحرية، كائنات وهمية، بل وهل يعتبر هؤلاء من جنس "الأكثرية" الوهمية، أو من جنس الأقلية العابرة؟ (كم في هذين القولين من فاشية سافرة!) وهل صدق هذه الأقوال والشعارات؟ هل أصمّ أذنيه عن صراخ الشبان والشابات، أهل المستقبل، وهم يتهمونه بالعمالة، والفساد، واغتصاب السلطة، وانتهاك القانون، واستباحة الدستور وخيانة الشعب والأرض والجمهورية؟ ألم يسمع تلك الأصوات الهادرة؟ ألم يقرأ تلك اليافطات؟ ألم يشاهد هذه الكميات الهائلة من الاحتقار التي نضحت بها عيون المتظاهرين تجاهه؟ ألم يقتنع بعد، بأن زمناً ولى. وزمناً آخر أزف؟ أما زال يلعب على بعض التناقضات. بين عون (المسترئس المستميت) وجماعة 14 آذار أو بين حزب الله وبعض القيادات؟ متى سيبقى اميل لحود أبو اميل يراهن على هذه التناقضات، التي يبدو أنها موضع حوار ومساومة أكثر مما هي موضوع خلاف عليه؟ فهو لم يعد لا موضوع خلاف ولا موضوع اتفاق؟ صار بنداً من بنود المساومة بين الأفرقاء. صار سطراً ممحواً بلا اسم ولا عنوان ولا رتبة ولا مرتبة. ونظن أن "الطبخة" نضجت. وفي كل المستويات. فالبطريرك الذي وصف "وضع الرئاسة المعزولة داخلياً وخارجياً بالمزري"، والعالم العربي بقياداته، لم يعد (ولم يكن) متمسكاً بهذا الرئيس البائس؟ ولا العالم الأبعد يرى فيه ما يجعله "يناضل" من أجل استبقائه. بقي بعض الأفرقاء الداخليين الذين ينتظرون اللحظة المواتية للتخلي عنه لقاء "ثمن". وبعض الأطراف الاقليمية التي تجد فيه "حصان طروادة" في الداخل، وهي أيضاً تنتظر الثمن الذي قد تتلقاه مقابل "بيعه".
وحده أخونا "فوق" لكن الى تحت. وتحت الى قعر تحت، وحده هناك، بلا مجد. ولا ألقاب. ولا كرامة. والوطن في مكان آخر. وحده "الرئيس لير" فوق، يندب نهايته، وعزلته لكن فوق، أي القصر، وقد صار معه، حدود "الجمهورية"، وقد انتهي زمن "احتلاله". وعلى محتله بالعنوة، والقوة، أن يخليه، لأن سكانه الأصليين آتون، وقريباً، لاسترجاعه وضمه الى ممتلكات الجمهورية اللبنانية، بعدما كان من موجودات جمهورية الوصاية. آن، لهذا المُعلَّق على كرسي من كراسي القصر، والملزق بكل مطبخ من مطابخه، والمتشبث بكل طاولة من طاولاته، والمتمدد على كل سجادة من سجاداته، آن، له، أن يرد هذه الوديعة لناسها، وآن له، كوديعة أن يرد نفسه لمن رهنه على امتداد وجوده القسري. وقد قالها سعد الحريري "فلتعد الوديعة الى مَنْ أودعها". وبلا فوائد. وحتى بلا ثمن. فليسترد أهل الوصاية وديعتهم، ولتودع الوديعة نفسها في أيدي مَنْ استودعها، لأنها كانت وديعة مسمومة، ومفخخة، وموبوءة.
الناس يا اميل لحود لم تعد تتحملك رئيساً. صدقني! ويكفي أن تتمسك بقائمة من قوائم الكرسي، بذريعة المحافظة على الدستور، وتلبيته، لكي يكون هذا التمسك استنفاراً، وتعبئة لهم. فهؤلاء قاموا بثورة واضحة، في عز النهار، معروفة المصادر والمنابت والمطالب، لا لكي تكون أنت عصا في عجلاتها، ولا "كمخة" في محرّكها، ولا "وَحلة" على صدورها. قاموا بهذه الثورة ليسترجعوا سيادتهم. وأنت رمز من رموز السيادة المنتهكة، أو الأحرى الرمز المستبقى من رموز العداء للسيادة. وهؤلاء الناس قاموا بتحركاتهم لكشف الحقيقة، حقيقة مَنْ اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأنت رأس النظام الأمني المشتبه به بالمشاركة في هذه المجزرة. أي أنك، تعرقل، من موقعك، استكمال التحقيق، لا سيما، وأن رفاقك في العمالة والاجرام، جنرالات القهر والقتل، سبقوك الى السجن، فلماذا لا تلتحق بهم، الى هناك، أو الى سجن آخر في مسبح أو على سطح أو في مطبخ أو في مطعم فاخر.
وهؤلاء الناس، ناس الانتفاضة، يريدون إعادة بناء دولة ديموقراطية، يصنعها المجتمع على صورته، وها أنت المعسكر حتى أضراسك، والمستبد فطرة واكتساباً، والفاشي نهجاً ومدرسة وسلوكاً وعقلاً، ها أنت عثرة في وجه استكمال تحقيق هذه الديموقراطية. فزحْ عن الدرب، درب الناس، لكي يسلكوا في الطرق التي تحددها إراداتهم الحرة. ذلك أنه لا يمكن أن يكون رئيس غير ديموقراطي على شعب ديموقراطي. ولا يمكن أن يُفرض رئيس من الخارج على شعب نال استقلاله. ولا يمكن أن يستمر رئيس باسم الدستور، إذا كان وجود هذا الرئيس منافياً للدستور. ولا يمكن لبقايا بيروقراطية استبدادية، أمنية، أن تسود شعباً، تفجّر في كل جهات الوطن. ولا يمكن أن تقوم "قيامة" لرئيس لا يعترف بسيادة أو باستقلال عندما يستل الناس السيادة بكل جوارحهم! ولا يمكن أن يوافق الناس على استبقاء رئيس إذا كانوا يحلمون بازدهار اقتصادي، وانمائي، وثقافي، وإذا كان هذا الرئيس عرقل كل المشاريع الحيوية، وعطل الدولة، وخرّب كل شيء!
الناس مستنفرة هذه المرة. الناس ما عادت تقبل أن يستمر هذا "المخرّب" في السلطة الوهمية. الناس مستنفرة لكي تمسح "ظواهر" الوهم، وفي مقدمها رئيس الجمهورية! الناس مستنفرة سلمياً، وديموقراطياً، لكي تسترد الجمهورية من مغتصبها. ولكي تعزز هذه الجمهورية بما يتلاءم ومتطلباتها وشروطها.
فالناس يا رئيساً على جمهورية القصر والخدم والحشم والكراسي والمكاتب والميكروفونات، تريدك بكل بساطة أن ترحل. وليتك "تقرر" أنت رحيلك وتستقيل، فتحافظ ربما على ما تبقى لك من كرامة، وتحفظ أيضاً ما تبقى من "هيبة" لمقام الرئاسة، وتلبي، ولو لمرة واحدة في حياتك، أمنيات الناس (التي كنت تعاديها)، وتستجيب رغباتهم (التي كنت تقمعها وأهل الوصاية). فيا ليتك، تقف شامخاً (ولو مرة) وتقول: أيها الشعب اللبناني، ها أنا أقدم إليك استقالتي وأرحل، تلبية لارادتك "المقدّسة" (المقدس الوحيد عندنا هي الارادة الشعبية اللبنانية طبعاً). فعذراً، ثم تفتح باب القصر وتخرج منه طوعاً. ذلك، انك إذا بقيت، على عنادك، ومواجهتك أهلك وناسك، فسيضطر هؤلاء، الى خلعك، سواء في الشارع، أو عبر الدستور، أو عبر وسائل ضغط ديموقراطية أخرى.
أنت جئت من طرق غير ديموقراطية، لكن يبدو أنك ستخرج هذه المرة... بالطرق الديموقراطية. فأي خروج رائع لدكتاتور عبر النضال الديموقراطي الشعبي المشروع!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00