8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رجل المعجزات بامتياز

لم يكن لي أن أعرف الرئيس الشهيد رفيق الحريري شخصياً. مرة واحدة التقيته أثناء لقاء معه ضمّ مجلس تحرير جريدة "المستقبل" أثناء التحضير لإنشائها. كان لقاء عمل. مجرد لقاء عمل. ولم يتسنَ لي بعدها أن أقابله.
لكن، وقبل هذا اللقاء، بسنوات، تقريباً في منتصف الثمانينات، أو قبل ذلك بقليل، سمعت للمرة الأولى كلاماً عنه من الصديق الراحل نبيل خوري في باريس. وكان الحريري عندها بدأ يطل كمشروع سياسي واقتصادي. سمعت أنه رجل أعمال لبناني "آدمي" و"ناجح". بعدها وعلى امتداد سنوات وحتى مجيئه الى الحكم، وقبلها مشاركته الفاعلة في الطائف، تابعت أخبار الرجل الذي انخرط في السياسة وصار رئيس حكومة، ولطالما عجبت من نفسي كيف لم أقع في فخ التبسيط "الأيديولوجي" ومشتقاته البائدة، وهو فخ وقع فيه العديد من المثقفين الذين أسقطوا ما قرأوه أو لم يقرأوه في الكتب، وما مارسوه، على الرئيس الحريري.
ذلك أنني، وربما بمقاربة مجردة من الأفكار الجاهزة، بدأت أتنسّم في هذا الرجل قامة رجل دولة، حتى قلت لكثيرين وفي مناسبات عديدة "إنه رجل الدولة الوحيد في هذا البلد، الآتي من خارج العنف، ومن خارج الذهنية الميليشيوية، ومن خارج الإقطاع السياسي، وكذلك من خارج المعادلات السائدة". والغريب أنني، رحت أصغي لخطابه الاقتصادي ـ السياسي، واكتشفت، ومعي العديد، أنه أدخل الى السياسة اللبنانية العنصر الاقتصادي. دَشّن لغة جديدة في العلاقات والصراعات والمشاريع السياسية، وهو العنصر الاقتصادي. إذ معه، صار المشروع الاقتصادي، كرؤية طالعة من الواقع (لا مفروضة عليه) ملازماً للمشروع السياسي. بل أكثر: صار العنصر الاقتصادي جوهر العمل السياسي. هذا المزج بين المشروعين أعطى تطلعاته العمرانية بعداً سياسياً ـ إنسانياً، قلّما عرفناه في تاريخنا. وهذا ينميه، إنه، وفي مجاورته العالمين، الاقتصادي ـ العمراني، والسياسي ـ الإنساني، أتاح للقيمة الثقافية أن يكون لها الحيّز (وهنا نتذكر عشرات ألوف المنح الذي وزعها على اللبنانيين من كل الطوائف)، إذ، أنه، وفي هذا الاستشفاف، عرف بحدسه وبخبرته، أن لا إصلاح ولا عمران ولا بناء ولا سياسة إلا بإنشاء جيل متعلم، ومثقف، أي بإنشاء "جيش" من المتعلمين والاختصاصيين يتولون رسم ملامح المرحلة آنئذٍ، وتنفيذ الأعمال بعلم وبدراية وبالتزام أيضاً.
وإذا كان رفيق الحريري، رائد الإصلاح الاقتصادي فإنه، وهذا مهم، رائد الحداثة الإصلاحية ـ الاقتصادية. وأكاد أقول إنه كان "الأحدث" رؤية في بناء الأمكنة، وترميمها، ومعماريتها، والسياسة ومقارباتها. ونظن، وهذه مفارقة، أن بعض "الحداثيين" من المثقفين، لم يدركوا المعاني الحداثية في مشروعه، فناهضوا مشروعه من مواقع "قديمة" وعتيقة، وتوقفوا عند التفاصيل والشكليات، من النفاد الى جوهر الحداثة المرتبطة أولاً وأخيراً بتحولات العصر كله. وربما تدارك بعض هؤلاء، ليعترفوا برؤيته الحداثية التي لا تنفصل لا عن معطيات الواقع ولا عن معطيات الجغرافيا والظواهر التاريخية.
على أن رفيق الحريري، رجل الدولة العصري، السلمي، المستشف، الهادئ، البعيد عن الشعارات الفضفاضة، كان أيضاً رجل ممانعة، ورجل حرية، وديموقراطية. من رجل عمران الى متراس من متاريس صد محاولات عسكرة النظام وأقنعته، ومصادرته، وضرب ميثاقيته. وكلمة حق نقول هنا، إن الحريري، وبعد فرض اميل لحود رئيساً على البلد، عرف أن مشروعه الإعماري ـ الإنمائي مهدد، وأن الحريات ستنتهك، وأن نظامنا البرلماني سيضم الى قافلة النظام العربي الاستبدادي. وهنا ازدوج دوره: المحافظة على الإنجازات والتصدي للنظام المخابراتي الثنائي اللبناني ـ السوري، ولقد عانى عن اللبنانيين جميعاً، وتحمل ما لا تتحمل الجبال، عندما قرر النظام المخابراتي، ورأسه اميل لحود، أن يقضي على هذه الظاهرة "المزعجة"... ليقضي على أي حلم بلبنان ديموقراطي، أو متطور، أو متقدم، أو ميثاقي. فلحود وزمرته لم يكن لهم سوى تدمير كل بنية توحيدية ميثاقية بين اللبنانيين ليتسنى لهم السيطرة والهيمنة ونهب خيرات البلد تحت شعار "محاربة الفساد" وكان عليهم، أن يحاربوه بكل الطرق والأساليب: الترهيب، والإرهاب، التهديد، تلفيق الملفات، منعه من تنفيذ مشاريعه في بيروت وخارجها، محاصرته، تسفيه إنجازاته، تشويه صورته، تلطيخ سمعته... حتى كان التمديد، وكانت المعركة الفاصلة. وكان للممدد لهم أن ييأسوا من تحجيمه. فقرروا إلغاءه، كان 14 شباط الزلزال المدمر، الذي اغتال فيه النظام المخابراتي ـ المزدوج أكبر ظاهرة سياسية عرفها لبنان الحديث. وبدلاً من أن يحدث الاغتيال صدمة خوف وترويع عند اللبنانيين ها هم ـ يعلنون "ثورة الأرز"، أو "انتفاضة الاستقلال"، ويخرجون من قماقمهم، ويكسرون حواجز الخوف، وينزلون بمئات الألوف الى الشوارع في تظاهرات لم يعرف لبنان ولا العالم العربي مثيلاً لها في تاريخنا... تظاهرات الوحدة الوطنية، والحقيقة، والاستقلال، والسيادة، ويجترحون المعجزة بأيديهم وصدورهم وبأصواتهم وبعلمهم اللبناني ونشيدهم الوطني، معجزة خروج القوات السورية من لبنان، وتأليف لجنة دولية للتحقيق، وتساقط النظام الأمني، وطي صفحة قديمة سوداء من تاريخ لبنان.
اليوم، وبعد تحقيق الإنجازات التاريخية، كأن الحريري الراقد في ضريحه، ينتصر بموته على قتلته، تماماً كما انتصر عليهم في حياته. فهو وفي ذلك الحيز المزهر، النضر، قرب مسجد محمد الأمين، وساحة الشهداء، كان من عبق تلك الباقات، ومن ضوء تلك الشموع، ومن حرارة تلك الصلوات، ومن صراخ تلك الهتافات المليونية، ومن هواء ذلك الاستقلال الذي غمر لبنان من أقصاه الى أقصاه.
رفيق الحريري يرقد الآن قرير الحلم، مع رفاقه الشهداء، ذلك أن ما حلم به طويلاً تحقق، على يديه وبدمه، وبشغفه بوطنه. ذلك أن ما أرّقه طويلاً تفتح طويلاً في ربيع بيروت وفي البلاد كلها.
فرفيق الحريري، رجل الفصول كلها، هو رجل الوطن كله. باني حداثته ونهضته ومفتتح استقلاله الثاني. ومجترح تلك المعجزات. فكما كان في حياته رجل المعجزات، فها هو في مماته، رجل المعجزات أيضاً.
رحل الرجل المعجزة.
وقام الرجل المعجزة!
(*) من كتاب "شهادات في الشهيد" لأحمد الزعبي والذي سيصدر قريباً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00