8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سنة مَرَّتْ ثم لم يرحل...

سنة مرّت ثم لم يرحل. سنة مرت، بأيامها، وفصولها، ولحظاتها، ثم بقي، ولم يرحل. ذلك، أن المجرمين، عندما يحسبون الموت بالأيام، وبالنسيان، وحتى بالوقت، يخطئون في العدّ، وفي التقدير ويغلطون في أمور البقاء والزوال. ذلك أن رفيق الحريري، عندما فجّروه بألف طن من الحقد، وبطنّ من مواد النسف، والتدمير، لم يعرفوا، أن الموتى عندما يُفجّرون الأحياء، الكبار، تزداد ميتاتهم، وأن الأحياء، الكبار، تزداد حيواتهم، وتتكاثر، وتتناسل، وتصبح في الهواء، كالهواء، وفي الضوء كالضوء، وفي الوقت إكسير الوقت، وفي المكان عجائبه، وروحه، ولونه، وشكله وورقه، وطيره، وفضاءه. ذلك، أن المجرمين، عندما أصابوا الحريري، أخطأوا وجودَه. وعندما صوّبوا على جسده، أصابوا مقتلهم. ذلك، أن المجرمين، محترفي الإجرام، منذ نعومة براثنهم، وخشونة نفوسهم، قتلوا الحريري، واحداً، ثم، رأوا أنه، بموته، صار كثيرين، صار أكثر من كثيرين. صار الناس كلهم. صار الملايين. إذ أن اليوم الذي كان مشؤوماً، في 14 شباط، ومجلَّلاً بالسواد، ومليئاً بالدموع، وخفاقاً بالأنين، والحزن، واللوعة، هذا الـ14 شباط، صار 14 آذار. وشهيد 14 شباط صار ناس 14 آذار. تكاثر الواحد. وتوّحد الكُثر.وعندما ظن القتلة، أن الاغتيال، سيحوّل الشهيد الى جماد، أو ذكرى، أو ورقة تطوى، بين الدموع، والنشيج، والآهات، اكتشفوا، أن حياة كاملة، اختزنها الشهيد، توزعت، كالنسمة، والبركات على الملايين. اكتشفوا أن الجماد الذي يحكم رؤوسهم المجرمة والفارغة والهامدة، لم يتجاوز حدوده، وإنما تحوّل، انتفاضة، ليس لها، إلاّ أن تكون عنواناً للحرية، وللاستقلال، والسيادة، والديموقراطية.
أراد المجرمون، من بقايا البعث، والأنساب، والقبائل، أن يُبقوا لبنان، تحت ضربات الصوت الواحد، والموت الواحد، والصمت الواحد، والقبضة الواحدة، والإرهاب الواحد. أرادوا، لبنان، وعبر اللعبة الجهنمية التي احترفوها، على امتداد عقود، وانتقلت الى الورثة بالإرث، والفطرة، والطبيعة، والاكتساب، أن يجعلوا من الدمع إشارة الى الخنوع، ومن الكلام إشارة الى القبول. ومن الرثاء دليلاً على الذل، لكي يؤبِّدوا إرهابهم "من الأبد الى الأبد!"، بل وأرادوا أن يدرك التفجير في 14 شباط، كل الفصول، والأطفال، والناس والشيوخ، والأمكنة، لكي يُطوّعوا كل من يخرج "عن الطوع"، ويدجنوا كل من يفكر بالاعتراض، ويحولوا الشعب الى قطيع، يرعى عشب المهانة والذل، ويقرض الوقت الميت كما يقرض خوفه، ورعبه!
ظنوا، أن قاعدتهم المنهجية الثابتة، في اعتماد القتل لنيل الإرادات والتي طبقت، "بنجاح"، على مرّ كل الوجوه والقامات التي قتلوها: من كمال جنبلاط، الى الشيخ صبحي الصالح، الى المفتي حسن خالد، فإلى الرئيس رينه معوض... وانسحاباً الى رياض طه، وسليم اللوزي، ظنوا أنها القاعدة الذهبية، التي لا تخطئ في تأمين استمرارهم في الهيمنة والوصاية والفساد، والتخريب، ومصادرة السيادة... ظنوا أنها القاعدة الدائمة التي تبقيهم أبديين. وعندما "كبّروا الحجر" بتفجير الحريري، ظنوا، فعلاً، أن قاعدتهم الذهبية (البعثية!) ستزرعهم هنا، (أقصد لبنان الكبير)، كالأطواد، الى الأبد... ظنوا أن إرهابهم سيحسم كل شيء: سيخرس كل احتمال اعتراض، سيسكت كل صوت صارخ، وستُسوّى النتوءات والزوايا، وتُعبّد الطرق الوعرة...
هكذا كان لهم أن يحسبوا ويظنوا، ارتباطاً بتجاربهم السابقة، واستفادة من خبراتهم في أمور الاغتيال والتدمير والاستبداد. لكن، القاعدة، بدت، بعد استشهاد الحريري بلا قاعدة. بدت بلا حسابات، سوى ما يحسبه القُصّار، وضيِّقو الأفق، وهزيلو الأفكار، ومعطوبو التدبير. ولهذا، بدا 14 شباط، وكأنه، بالنسبة إليهم، بلا زمن. لكن على عكس تصورهم نفخ هذا اليوم الأسود كوجوههم، وكسحنهم، وكقلوبهم، شيئاً كالمعجزة؛ وأطلع ما لم يكن في الحسبان، وأطلق ما كان، في القماقم، والصدور، واللوعات والأماني، والأحلام... فجأة، طلع كل شيء من كل شيء. فجأة، كان للشهيد أن يرثه الشهداء والأحياءُ والأطفالُ والكلماتُ. فجأة انفجر كل ما كان مرصوداً بالترهيب، وتساقطت حواجز كانت أعلى من السماء، وأسوار نهضت بين البيت والبيت، بين المدينة والمدينة، بين الوطن والوطن، بين الفرد والفرد، بين المجموعة والمجموعة؛ كأنما لم يعد لكُتل مغلقة، ولأبواب موصدة بالشمع الأحمر، وبالرصاص والنحاس والكواتم، وبقضبان السجون، لم يعد لها أن تبقى، وكأن عليها أن تكون رهينة سجّان، أو مستبدّ، أو مجرم، أو سفَّاح، أو ساعٍ لجعل البلد كله، جزراً مفصولة، بلا جسور، ولا دروب، ولا تواصل.
وهكذا، كان لرفيق الحريري، أن يحقق في رحيله، ما لم يستطع أن يحققه (كلياً) في حياته. كان له أن يعرف، ولو بالحدس، أو الحلم، أو العلم، أن ما يُرفع من عوائق، وما يُسقَطُ من قيم، ومن أمانٍ، لا يتم، إلاّ بمعبر الموت. فكان 14 شباط معبر الحريري الى الشهادة، ولكن كان أيضاً معبر الحريري الى اختراق ما كان محظوراً أن يُخترق، وأن يَجترح ما كان مستحيلاً أن يُجترح. إنه الثمن! وقد عرف الحريري، قبل رحيله، ومن خلال تجاربه، وتعامله، وتاريخه كله، أن لا شيء يتحقق بلا ثمن. لا شيء مجانياً هنا. ولا الحرية مجانية توهب على أطباق من الذهب. ولا السيادة تمنح كما يمنح وسام، أو جائزة. ولا الديموقراطية تعطى من تلقائها، كهدية عيد، أو هدية زواج. عرف طويلاً وعميقاً، ولأنه عرف طويلاً وعميقاً الثمن، كان له ألا يُحجم. ألا ينسحب. ألا يبخل بدفع هذا الثمن، أو هذه الضريبة. وكان له، أن يتقدم، الى الأمام، متكهناً ما ينتظره، ومنتظراً ما يتكهّنه. فلتكن! قالها في سرّه وفي علنه! فلأكن في الطليعة هنا، تماماً كالمشاعل، وعلى هذه الأرض المباركة، فلأكن في طليعة مُسدّدي الضريبة. فليكن جسدي القربان الأول؛ ولتكن روحي فدية، لأن ما أفتديه أثمن من الفدية. بل كأن الحريري، في تكهّنه، ما ينتظره، بعدما هرّت كلاب النظام الأمني المشترك عليه، وأفاضت ما أفاضت عليه من أفاعيها وسمومها وأوبئتها وجنونها، عرف، أنه لم يعد من سبيل آخر. فحصار الوحوش أطبق عليه، إطباقه على فريسة نادرة. فكان له، ربما، أن ينظر حواليه. عرف ما يُهيئ له حصار الموت. عرف جيداً. لكن كان له، ربما، أن ينظر الى الجبال، جبال بلاده، ويأخذ منها ما يأخذه الكبار من عُلُوّها الشاهق. وكان له، ربما، أن ينظر الى البحر، بحر بلاده، ويأخذ منه ما يأخذه العبّارون، من كنوز وآفاق. وكان له، ربما، أن ينظر الى المدينة. مدينته هنا بيروت، حجراً حجراً؛ رصيفاً رصيفاً؛ حيّاً حيّاً، منارة منارة، عمارة عمارة، ويأخذ منها، ما يأخذه العشاق، من حنان الأمكنة، وما يأخذه البنّاؤون من جماليات البناء، وما يأخذه السياسيون من هندسات الرؤياء. كان له، أن يتفقد، في تلك اللحظات الحاسمة، ما رسمه، خلفه وأمامه، وحوله، من خرائط حية، ومعالم، وحواجز؛ كان له، في تلك اللحظات الشاهقة بفجائعها، أن يمسح بنظرة واحدة، طالعة من كل حواسه، حدود بلاده كلها، من الجنوب الى الشمال، والشرق والغرب، وما عليها، وما فيها، وما بذرت يداه في داخلها، وما رفعت عليها، يمسحها بنظرة غامرة ويحضنها، كمن يُودِّع ما سوف يبقى منه وفيه، كمن يفارق ما سيحميه بعد الفراق، ويحفظه أعمق من ذاكرة، وأقسى من نسيان. كان لرفيق الحريري، وهو المُققبل إقبالاً على الشهادة، أن تَنَشَّقَ هواء بلاده، كله، وربما دفعة واحدة، من فصوله كلها، لكي يُصبح فيه فصلاً واحداً يهب على كل الفصول. ولهذا، عندما لم يفاجئه 14 شباط، (وإن غدر به)، عرف، وإن في لحظة، أن هذا اليوم سيكون أم الأيام. سيكون يوماً لا ينتهي. سيلد أياماً من صلبه، ويفتتح زمناً، منه، من قسماته، ومن أنفاسه، ومن دمائه، ومن كلماته. عرف، أن النهايات، التي تنبثق من الشهادة، ليست بنهايات. وعرف، ربما، وهو على المطل الأخير من الرمق، أن التفجير الذي أصابه، شقّ زلزالاً على امتداد الوطن الواحد. فصل بين زمنين. بين تاريخين. بين مسارين. كأنما الزلزال أفاق الطبائع من خَدَرِها، حرّك الجذور في ترابها، هزّ الأطفال في مهودهم، دَمّرَ سواتر الخوف، فتح القماقم، وأطلقها، في كل مكان. عاصفة نادرة هَبّت ومسحت كل نقطة من نقاط الوطن. هزّت القامات، أفلتت الأصوات، وقلبت ما قلبت ممّا قام على الباطل والقتل والطغيان. إنها الشوارع المشرعة. إنها الجبال الزاحفة. إنها الوديان التي تحوّلت دروباً. إنها السهول التي ازدادت انبساطاً. إنها المدن، والدساكر، غادرت منازلها، لتلتحق، بما خلّفته العاصفة... وكأن رفيق الحريري، في كل ذلك، كان السرّ، والعلن، والوجه، والصوت، والظل، والجسد، والبصر، والمقبل، والآتي، كانت أنفاسه في كل الأنفاس. حدقاته في كل العيون. أصابعه في كل الأصابع. روحه في كل الأبدان. قدماه أمام كل الأقدام، المنتفضة، الثائرة، العابرة من 14 شباط الى 14 آذار. كأنما، لحظة صارت شهراً. وشهر صار زمناً. فجّروه في 14 شباط، وفجّرهم، (فجّر النظام الآثم)، في 14 آذار. انتظروه في 14 شباط وانتظرهم مع الملايين في 14 آذار. عقدوا معه موعداً مع الموت في شباط، فجدد عقده مع الحياة في 14 آذار. الميقات الثاني الطالع من الميقات الأول. إنه، الزمن الآخر، يتحرك، بعقاربه الأمامية. فليسقط النظام الأمني اللبناني السوري. وسقط؛ وإن بقيت فلول له. فليرحل نظام الوصاية، فرحل، وإن بقيت فلول له، فلتظهر الحقيقة، حقيقة من ارتكب الجريمة، وظهرت الحقيقة، وليقرر الشعب من يحكمه، وقرر الشعب من يحكمه وإن تبقّت أشباح وظلال وتردد هرير كلاب في الزوايا والعتمات. وليدفع المجرمون الثمن، وها هم يدفعونه، أمام الملأ والتاريخ وتحت أقواس القوانين ومنصات القضاة... في انتظار تحقيق العدالة في حقهم. عرف كل هذا، واستكهنه بما يشبه الرؤيا. لكنهم، أي القتلة، لم يعرفوا. قالوا 14 شباط مجرد يوم ويمضي. لكنه مضى وصار 14 آذار. ولم يعرفوا... (أي القتلة). قالوا 14 آذار مجرد يوم آخر، ويمضي. ولم يمضِ. صار 14 آذار في التقاويم والتواريخ. وقالوا: إذاً فلنكرر 14 شباط. قالوا إذاً (أي القتلة) فلنجعل السنة كلها 14 شباط. فلنقتل كل يوم فربما ينتصر القتل. ولم ينتصر. قالوا نغتال الكبار والرموز، فاغتالوا سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني. ولم يموتوا. فالشهداء يَرِثون الشهداء. والأحياء يرثون الشهداء. قالوا (أي القتلة) فلنفلت كلابنا، تنبح فنبحت كلابهم، بالفتنة هنا، ونعقت (ما أجمل نعيق الكلاب) بالخراب، والويل والثبور. قالوا نستعيد زمن ارهابنا فنرهبهم... قالوا نهوِّل عليهم بالحروب التي صنعناها عنهم، فيرتدعوا... ويستكينوا... قالوا إذاً، نعلن حرباً عليهم، فقد خلفنا وراءنا الخراب والعملاء معاً... لكن حروبهم لم تعد حروباً. بل صارت حروباً ترتد عليهم. كأن المعركة الحقيقية صارت عندهم. في البلاد التي يحكمونها بالموت والارهاب. كأن المعركة، بعد 14 شباط، و14 آذار، صارت فيما بينهم. نظام كله مهدد. نظام ينهار ركناً ركناً، يتفسّخ من داخله كأن أصيب بالسرطان أو بالجدري أو الكوليرا. صاروا ينقلون المعركة من عندهم الى عندنا... لتأخير الاستحقاق المنتظر في هروب الى الأمام. فالنظام الذي هدد شعبين، يبدو أنه محاصر اليوم، من كل العالم، فشباطنا صار شباطهم. وربيعنا صار ربيع شعبهم. إنها المعادلة المقلوبة عندما ينقلب السحر على الساحر، والجريمة على المجرم، والاغتصاب على المغتصب، والارهاب على الارهابي... كأنهم على آخر الارماق وإن مسمومة، ونحن في المقتبل، ونحن في ما يرسله الربيع، وإن شابته أشواك... ونحن في ما تعد به البدايات، وإن تخللتها معوقات. إنه لقاء بين زمن يحتضر (زمنهم)، وزمن يولد... (زمننا). بل أكاد أقول انه صدام بين مسارين: مسار يرى المستقبل ويمشي نحوه مهما تعرّج، ومسار محكوم بالماضي ويمشي الى الهاوية مهما تعاظم البطش. مساران ونظامان ومصيران: لم يعد لنا، وهم يهربون الى الأمام، ويؤخرون تساقطهم "كجلمود صخر حطه السيل من علِ"، أن نتراجع، أن تحسب المسافات بتداعيهم. ولا أن تحسب الأمكنة بمن غادروها، ويعودون ليخربوها. ذلك أن العام المنصرم، (منذ 14 شباط و14 آذار) هو العام الذي، لم يعد لأحد أن يتراجع. لقد انغرزت أيام هذين اليومين، ودقائقهما، في لحم الناس وفي ضمائرهم وفي دمهم. وها هم، لصوص الشعارات، وأبطال الهزائم، وسحرة الغدر، يريدون، أن يشوهوا أولاً: معاني استشهاد الحريري، ومن ثم معاني انطلاق الانتفاضة، في أقانيمها الكبرى: الحقيقة، السيادة، الحرية، سقوط الاستبداد، وثانياً، طمس أدوارهم في ارتكاب القتل المتعمد، والتخريب المتعمد، وافتعال الفتن المتعمد، وكان آخر إنجازاتهم "القومجية" و"العروبية" الاستبدادية، استغلالهم التظاهرة التي انطلقت احتجاجاً على تحقير النبي الكريم بالرسوم التي نشرت في بعض الصحف الدانماركية والنروجية، أرادوا افتعال ما وعدونا به: "سنحطم البلاد على رؤوسهم" لكن لماذا لا يحطمون اسرائيل على رؤوس الصهاينة؟ أو تركيا على رؤوس الأتراك الذين "أهدوا" لواء اسكندرون العروبي، وقد وعدونا بالحروب الأهلية والتخريب (هذا كل ما عندهم!). لكن، وإن سقط الأمن، فقد انتصرت الوحدة الوطنية المنبثقة من شهادة الحريري ومن انتفاضة 14 آذار، وإن نجح "المرتزقة" و"الكفرة" في التدمير والاحراق (ما عدا السفارة الدانماركية!)، وإن عوى أعوانهم يحملون السلطة ـ المسؤولية، من دون الاشارة الى الجهة المتورطة (إنه منطق العملاء والجواسيس، وهم معروفون!).
سنة مَرَّت، ولم يَمُرَّ. ولم يرحل، المدثر بشهادته بيننا. سنة مَرَّت، وها هو، بتلك البسمة الكريمة، وتلك النظرة الواضحة كالشمس، يمشي بيننا. يعزّ عليه أحياناً أن نحرّف المسار. ويعتب، من عليائه، أحياناً، على ناسه، وأهل 14 آذار، لتفرقهم، أو لانصرافهم عن معاني الانتفاضة والشهادة، أو لتعثر خطاهم، أو لوقوعهم في الخدر، وفي الراحة (وهو لم يعرف الراحة في حياته ولا في مماته)... لكنه، وكما تكهن طويلاً، وإن في الصمت أحياناً، وفي العلن أحياناً أخرى، فإن المسيرة الممتدة من أول قطرة سالت من دمه، الى آخر قطرة دم سالت من الشهداء، ستستمر. ستواجهها عقبات من "ذوي القربى"، ومن الأبعدين، ومن مجرمي النظام الاستبدادي. ومحترفي الفتن والخراب، والعمالة، لكن ستستمر. فالناس، الذين عمدوا نضالهم بالدم، لا يمكن أن يقايضوا نضالهم بأي تنازل، أو تراجع، هو فَعَلَها قبلهم. وهم فعلوها بعده. وقد يكون قلقاً في ضريحه ـ الحديقة، في ضريحه الورد والزهر والزنبق، لكنه يعرف، أن دروب الحرية، والعدالة، والديموقراطية، والسيادة، طويلة وشاقة. لأنه خَبِرَها، ومشاها، بصبر، ومكابرة، وقوة هادئة، وهدوء قوي...
سنة مَرَّت، ولم يرحل. وها نحن نتلمس حضوره، في المدينة التي بناها، وفي الشوارع التي فتحها، وفي الحواضر التي رفعها، وفي الأعمال الكبرى التي حققها... وفي الاستقلال الذي صنعه، وفي علمنا المرفرف... وفي حريتنا المستعادة، وفي آمالنا المسترجعة... فكيف، يرحل، من خَلَّفَ وراءَه، وأمامه، المعنى والانسان، والحجر، والرجال، والدروب الكثيرة، التي شقها، وبقيت مفتوحة على بعضها، لتلتقي كلها في درب واحدة هي درب الوطن، الحر، المستقل، السيّد، الجميل، المقاوم... والباقي؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00