من الطبيعي أن يطالب نظام يؤمِّم الاعلام ووسائل التعبير ويوجهها، لبنان "الرسمي" بوقف الحملات الاعلامية عليه، ويضع هذا المطلب في رأس شروط التهدئة والحوار والتقارب العروبي (آه! من عروبيي الأنظمة الاستبدادية والأجهزة!) والأخوّة والمصير المشترك وسائر الشعارات المعروفة...
طبيعي جداً من نظام يعتمد الاعلام الواحد، والصوت الواحد، والبوق الواحد، أن يحاول جعل الاعلام اللبناني على صورته الأحادية، ذلك أن هذا المفهوم الأحادي للميديا، يستوحي عند الآخرين مفهوماً أحادياً لها. أي يطلب من الحكومة اللبنانية أن تمارس ضغطاً، وربما قمعاً، وحتى تسلطاً على المنابر الاعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة، لكي تتبنى وجهة نظرها، وتصبح جزءاً من تصوّرها وأداة من أدواتها، وملحقاً من ملحقاتها.
هذا المطلب "العروبي" بامتياز (نسبة الى الأنظمة التي لم تُبقِ شيئاً يذكر من العروبة)، يصيب هذا البلد الذي دفع أثماناً غالية للدفاع عن قيم الحرية، في مقتله، يريدون من لبنان أن يتخلى عن كل ما يميّز تجربته العربية المتصلة بحرية التعبير، وبتعددية التعبير، حتى التناقض والتناكر. إذ ماذا يتبقى من لبنان إذا فقد هذا الهامش الحي، الذي حافظ عليه، برغم كل الحروب والمآثم والوحشية والاستبداد والقمع.
يُقال ومن باب التعرّض للصحافة اللبنانية أنها غير لبنانية، ومموّلة في معظمها من الخارج، وانها تتحمّل جزءاً أساسياً من مسؤولية الحروب، وإثارة الفتن، وإشعال الطائفية، وتغطية الفساد، والارتهان لهذا النظام أو ذاك. ويُقال ان الصحافة اللبنانية، موزعة، على صورة النظام، توزيعاً مذهبياً وطائفياً: كل صحيفة أو منبر أو منصة محسوبة على جماعتها، بحيث إنها تشكل "كانتونات" ناطقة باسم الكانتونيين، وفيديراليات معلنة باسم الفيديراليين، وتقسيماً مشهوراً باسم التقسيميين، مما يجعلها بوقاً للأمر الواقع، أكثر منها مساحة لتجاوزه، أو لتقدمه. بمعنى آخر، يُقال ان الصحافة اللبنانية، التي كانت يوماً في طليعة المجتمع، صارت في أذياله، متخلفة حتى عن تخلفه. بل ويُقال ان هذه الصحافة تغذت بدماء اللبنانيين، وبعذاباتهم، بحيث كانت (ولا تزال) وسيلة تآمر على مصالحهم ومصيرهم! بل ويُقال ان التعددية المزعومة للاعلام اللبناني تخفي أحادية، وتطمس التنوّع الحقيقي النسبي داخل الواقع اللبناني، باعتبار أنها، لا تنطلق من خلفيات فكرية، ولا تخوض صراعات فكرية، بقدر ما تُعمم التوجهات الطائفية ذات "التعددية" الوهمية أي ذات التعددية "الأحادية". ومن هذه النقطة، يُقال ان لا تعددية ضمن الكتل الطائفية التاريخية، وإنما ضمن خصب الأفكار، والمختلف منها وعليها. ولهذا، فإن المنابر الاعلامية "تختلف" في المهنة، وفي الشكل، لا في المضمون: إذ أي فارق بين منبر ينطق باسم هذه الطائفة، وآخر ينطق باسم تلك الطائفة!
ويُقال أكثر: إن هذه الصحافة، ولارتهاناتها الداخلية والخارجية، شكّلت منطلقاً للتآمر على الأنظمة العربية، والقضايا العربية، والمصالح العربية خدمة للأعداء وفي طليعتهم اسرائيل! بل ويرى بعضهم ان "الاختلافات" التي تلحظ بين هذه المنابر، إنما تأتي من الاختلافات القائمة بين الجهات المموّلة. بمعنى أنها كانت مرآة للأمراض المحلية، وكذلك للصراعات العربية وغير العربية: فالعراق البعثي كانت له صحفه الناطقة باسمه ولو على حساب مصلحة البلد. والنظام الليبي كانت له صحفه الناطقة باسمه ولو كان على حساب مصلحة البلد. والنظام السوري كان (ولا يزال) له صحفه الناطقة باسمه ولو على حساب مصلحة البلد. والنظام الخليجي المتعدد كانت له صحفه الناطقة باسمه ولو كان على حساب مصلحة البلد. بل وكان للنظام الناصري صحفه الناطقة باسمه ولو كان على حساب مصلحة البلد؟ ويتساءل هؤلاء: إذاً أين هي هذه الصحافة اللبنانية، التي يتكلمون عنها. بل ويذهبون أبعد من ذلك بنفي وجود صحافة لبنانية إلا من الباب المهني والحرفي والشكلي!
اليوم، تبدو الصورة أجلى: النظام السوري يتهم الاعلام اللبناني بالتآمر على العروبة، وعلى نظامه، وأمنه، وكرامته، ودوره "القومي"(!) في الصمود والتصدّي في وجه المؤامرات الغربية والاسرائيلية: المضمون الاتهامي ذاته!
قد يكون بعض ما يؤخذ على بعض الصحافة اللبنانية صحيحاً! وقد يكون بعضها أو أكثرها ارتكب وما زال الكبائر في حق هذا البلد. وكلنا يذكر "مأثورة" الرئيس السابق شارل حلو عندما بادر وفد الصحافة اللبنانية بقوله "أهلاً وسهلاً في وطنكم الثاني لبنان!". وما قاله "مازحاً" كان وما زال معبّراً وصالحاً الى حد كبير! قد تكون، الانتقادات التي توجَّه الى الصحافة اللبنانية صائبة عموماً. ولكن السؤال: مَنْ هي الجهة أو الجهات التي تنتقد؟ لم يأتنا النقد مثلاً من مراجع أو مرجعيات خارجية تتمتع بصحافة حرة مثلاً، وإنما كان يأتي بشكل خاص من الأحزاب والأنظمة العربية التي لا تؤمن لا بالصحافة، ولا بحرية الصحافة، ولا بدور الصحافة إلا إذا كانت مقموعة، و"صوت أسيادها"، وبوق النظام. ونظن أن فاقد الشيء لا يعطيه. وعلى امتداد السنوات العجاف، لم يوفر نظام عربي واحد الصحافة اللبنانية، خصوصاً الأنظمة الاستبدادية التي ألغت دور المجتمع والشعب والأدوات النقابية والهيئات السياسية والأحزاب! ونقدها هذا، لا يأتي، غيرة على الصحافة، وعلى دورها، بقدر ما يأتي تعبيراً عن عجزها عن استيعابها، واحتضانها وخنقها!
ويكفي أن نسمع ونرى ونقرأ الزجليات السورية (اليوم) في حق الاعلام اللبناني، لنعرف الى أي مدى، وصلت إليه القحة، والى أي مدى وصل الاستخفاف بالعقول، واستهبال الناس. فمَنْ تُرى يُصدِّق أن النظام السوري (أو أي نظام عربي مع استثناءات قليلة) حريص على حرية الاعلام، والتعبير، والشفافية؟ مَنْ تُرى يُصدِّق أن الذين ألغوا أي صوت آخر معارض أو مختلف، تعز عليه تعددية الفكر والقول؟
فإذا كان هذا الاعلام اللبناني "منحطاً" الى هذا القدر، كما يقولون فلماذا يخافونه. بل ولماذا يحسبون حسابه؟ بل ولماذا يشعرون الى هذه الدرجة بخطورته؟ بل ولماذا يغتالون صحافييه وكتّابه وأهليه؟ بل وكيف يتكوَّن هذا الحقد اللامحدود على هذه "السلطة" الاعلامية لدرجة التهديد بتفجيرها، وإلغائها. وإذا كانت على هذه المستويات من التخلف فلماذا، يضعون، البند الرئيسي في الورقة العربية (الحوارية)، "وقف الحملات الاعلامية"؟ بل وكيف، يتجاوزون، (وهم من أهل البيت العارفين بشؤونه أيضاً بحكم الوصاية والمخابرات والقربى(!) ما تراكَمَ ضمن التقليد اللبناني، من دور للصحافة، ليطالبوا بكبحها، وكيف يقفزون فوق الأدوار الكبرى التي لعبتها هذه الصحافة ليس في أمور حرية التعبير، وصون الحقوق المدنية فقط، بل أيضاً في الصراع العربي الاسرائيلي، وفي الصراع العربي والدولي، بحيث كانت الصوت الآخر المدوي الداعم للحقوق العربية المشروعة! أي الصوت الآتي من عمق المجتمع اللبناني، ومن تعابيره، ومن قسماته، ومن مشاعره، ومواقفه.
ونظن أن هذا المطلب الذي يدرجه نظام الوصاية بنداً وشرطاً من شروط الحوار (أي حوار!) يتخطى الواقع الأساسي الذي تنطلق منه الصحافة اللبنانية، ويتجاوز الشرعية الممنوحة لها من المجتمع ومكوّناته. صحيح أن صحافتنا تقع أحياناً كثيراً في اللعبة السائدة، لكن الصحيح أيضاً، أنها لو لم تكن تستمد شرعيتها من المجتمع ككل (مهما شابه اليوم وأثناء الحروب من تمزّقات) لما استمرت، ولما كانت أصلاً. والأهم أن هذه الصحافة (على علاتها) تستمد شرعيتها من مجتمعها، وليس من السلطة، والنظام، أو الحاكم. ولهذا، ربما، بقي المجتمع اللبناني وبرغم اتصال كثير من جوانبه بصورة النظام، أقوى من النظام نفسه. وأقوى من السلطة. وأقوى من الحاكم. وأقوى من الأجهزة التي جهدت في تمزيقه وتشويههه. من هنا قوة الصحافة في لبنان. في أنها جزء من المجتمع، وجزء أساسي من تعابيره، ومعطىً من معطياته. ونظن أن هذا المجتمع، على تمايزاته وهناته، يعترف بدور صحافته، ويدافع عنها، ويحميها، لأنه يعرف، في العمق، بأن تعدديته وإن شابها ما شابها، معكوسة، بشكل أو بآخر في هذه الصحافة. فقد يكون صحيحاً أن بعض منابرنا، مرتبط بهذه الجهة الطائفية أو تلك، لكن الصحيح أيضاً، أن لغة الالغاء تكاد تكون غير ممارسة. وتكاد تكون الأحادية غير ميسرة عندنا. فبين أن تقول كل شيء ومهما كان، وبين ألا تقول شيئاً، فان تقول كل شيء أفضل من ألا تقول شيئاً! وصحافة السلطة والنظام والحكام العرب، لا تقول شيئاً. تقول الحاكم والقائد الأول والنبي الأوحد والمرشد الأعلى، والعلامة الأكبر، والفقيه الأول، وربما الشاعر الأهم، والروائي الأعظم! إنها لا تقول شيئاً. لأنها لا تقول المجتمع، بل ما هو فوق المجتمع. بل لأنها تساهم في صوغ المجتمع على صورة النظام. في حين تحاول فيه الصحافة اللبنانية أن تصوغ النظام على صورة المجتمع، تمهيداً لتحويله، أو لتبديله أو لتعديله أو لتطويره.
فالصراع الراهن اليوم بين الصحافة اللبنانية وصحافة الحزب الواحد، ونظام "الشخص" المشخصن (الممروض) الواحد، انها طالعة من تناقضات المجتمع ومن أمراضه، في حين أن تلك الصحافة اللااعلامية نازلة من لدن الدكتاتور او المستبد من دون أي هامش حي أو حر، ومن دون أي تبرير اجتماعي.
وهذا بالتحديد ما يفسّر الحملات المحمومة على الصحافة اللبنانية والمطالبة بتأميمها كأي سلعة، او بضاعة، أو قطاع، خوفاً من تأثيرها وفاعليتها.
هذا الصراع تجلى على امتداد هيمنة الوصايات المتعددة على لبنان. اذ بقيت الصحافة احياناً كأنها الرئة الوحيدة التي تتنفس منها الحرية، والهامش (الصغير) الذي يتحرك فيه الصوت الآخر. ونظن أن الدور الكبير الذي لعبه الاعلام اللبناني (وبعض الاعلام العربي) في فضح موبقات نظام الوصاية وعملائه وفضائحه ومرتكباته وفساده واستبداده، أثار هذه الخشية منه. هذه الخشية التي تضاعفت، عندما اكتشف اهل الوصاية الدور الكبير الذي تنكبته وسائل الاعلام وبدرجة عالية من المراس والمهنية والشغف، في الاسهام بكشف حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبالمهمة التي التزمتها في انتفاضة الاستقلال ونظن أن نجاح انتفاضة الاستقلال يعود الجزء الأساسي منه إلى الاداء الاعلامي الرائع لوسائل الاعلام، ومن مختلف التوجهات والمواقع. بل اكاد أقول أن انتفاضة 14 آذار كانت في جوانب منها انتفاضة اعلامية، وتكريساً لانخراط لبنان في الزمن الاعلامي، وزمن الاتصالات العالمية، وزمن وضع الحقيقة المباشرة على مرمى المشاهد والمستمع والقارئ بالكلمة والصوت والصورة واللون واللقطة والجمالية والمهنية... والالتزام.
لقد اظهر الاعلام اللبناني. كله، (مع استثناءات) انه التزم التعبير عن حقيقة ما يجري (وان اعتمد بعضهم زوايا مدببة أو مشوهة او منحرفة) فتظاهرة 14 آذار كانت على كل الشاشات الفضائية تقريباً. ولم تحذفها اي جهة. وكانت التغطية مباراة في كيفية تقديم الحدث بصورته وخلفياته وآثاره ووقائعه بين الشاشات والاذاعات والصحف. وحتى تظاهرة 8 آذار لقيت الاهتمام ذاته التي لقيته تظاهرة الانتفاضة. وهذا يعني الكثير، ويكفي أن ندرك أن وسائل التعبير الشقيقة حذفت هذه التظاهرة وأكدت أخرى، وألغت هذه التصريحات وعززت أخرى، لنعرف كيف تكون التمايزات بين ميديا ممسوكة من أجهزة الصوت الواحد وأخرى مفتوحة على كل الشرائح والمواقع. واحدة "تتعبد" لصوتها في ما يشبهه عندنا (أو عندهم)، وأخرى تشرع وسائلها لتكون التعبير الأوفى عن الاختلافات القائمة حتى على الاستقلال والوصاية والتحرير.
أكثر: خطاب الرئيس الأسد الأخير الذي قال فيه ما قال عن اللبنانيين، وعن مزارع شبعا، وعن الحكومة اللبنانية، بثَّ في أكثر من محطة لبنانية بحذافيره كلها (لتعميم الفائدة طبعاً)، ونشر في كل الجرائد، السؤال: هل يسمح النظام السوري ببث خطاب للسنيورة او لسعد الحريري أو لجنبلاط مثلاً في فضائيته أو في صحفه أو مجلاته! وهذا الدليل يعطي فكرة عن نظامين متناقضين، وذهنيتين اعلاميتين متناقضتين: واحدة تحاول الانخراط في القيم العصرية والانسانية لتكون جزءاً من حرية المجتمع والفرد والانسان، وأخرى قديمة، مهترئة، تذكر بستالينيات العصور البائدة، وبغوبلزيات المراحل المنقرضة، والبنى الحديدية للأنظمة الشمولية (التوتاليتارية) التي انفجرت من داخل مجتمعاتها قبل أن تنفجر تحت تأثير الضغوط الخارجية!
اليوم، وفي هذه اللحظات الملتبسة، وأمام "الحقائق" المتصارعة يُطلب رأس الاعلام اللبناني. وتقطف بعض رؤوسه اللامعة، وتهدد بعض شخصياته الحرة. وهذه الظاهرة لم تولد اليوم وانما هي ظاهرة. رافقت اداء النظام العربي والشقيق على امتداد "اخوته" ووجوده في ظهرانينا، مما جعل الصحافة تدفع اثماناً باهظة، وتقدم الشهداء، اسوة بالمفكرين السياسيين المتمردين على "خط" الوصايات: من رياض طه الى سليم اللوزي إلى سمير قصير وجبران تويني. وهم من شهداء الصحافة الحرة التي واجهت الاستبداد، والطغيان، والأمر الواقع. وقد نجا آخرون، وهم شهداء وشهداء احياء كمروان حمادة ومي شدياق. وها بعضهم يلجأ إلى باريس وسواها، بفعل تهديدات ارباب الصحافة المقطورة بالمخابرات من الزميل فارس خشان إلى علي حمادة... الى مارسيل غانم. من دون أن ننسى اللوائح التي يعدنا بها نظام الوصاية والتي ستحتوي حتماً على من تبقى من الأقلام أو الأصوات التي تطالب بحقيقة من اغتال الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الشهداء الآخرين، وبوجوب ارساء العدالة، وانزال العقاب بالمجرمين أياً كان موقعهم وشأنهم...
ومع كل هذا الاجرام والارهاب، بقيت الصحافة صامدة بصمود المجتمع. وصامدة بصمود ايمانها بالاستقلال والعروبة (طبعاً ليس عروبة الاستخبارات والأنظمة المذهبية والصفوات العائلية الصرفة كعين الديك والسمك والدجاج!).
فهم (واسرائيل لا تبتعد عن هذا المنطق في نظرتها الى لبنان، وهي داعمة الدكتاتوريات بلا منازع)، يريدون، بمطالبتهم بمنع الاعلام اللبناني من لعب دوره، انما يريدون أن يجردوا المجتمع من أهم ادواته. لأنهم يتصورون ان الحصانة الأولى هي لارباب النظام، وان على المجتمع أن يبقى معزولاً، أبكم، صامتاً، "متواطئاً"... (بالقوة) مصفقاً فاقداً أهليته، لأن العقل هو عقل الحاكم، والقرار هو قرار الحاكم، والسلطة هي سلطة الحاكم، والقرار هو قرار الحاكم، والسلطة هي سلطة الحاكم، وعلى المجتمع أن يرسم صورته (مرغماً) ليكون صدى لعقل الحاكم وقراره، وسلطته.
هذا لن يحصل في لبنان. و14 آذار اطلقت الأصوات من حناجرها المكبوتة، مستمدة من المجتمع المدني (لا أشباه المجتمعات التوتاليتارية، وهي حالياً على وفاق كما كانت على امتداد مرحلة الوصاية باذنه تعالى) قوتها، وملامحها وزخمها وشرعيتها. وأهل 14 آذار (لا أتكلم عن ميشال عون الذي بات في الأجندة الأمنية المذكورة آنفاً)، يعرفون أن المساس بحرية الاعلام وتعدديته هو مساس بجوهر الانتفاضة، ومساس بالمجتمع المدني نفسه.
بل ويعرف أهل 14 آذار ان محاولة بعضهم ومنهم اركان النظام العربي، يريدون عبر مطالبتهم بلجم الاعلام، بأن يضربوا فكرة الانتفاضة نفسها. فاذا كان الاستقلاليون والديموقراطيون من الاعلاميين قد رفضوا الانصياع لارادة الوصاية وعملائها في عز جبروتهم، وفي عز ازدهار الاستبداد والارهاب والتخويف. فهل سينصاعون اليوم، بعد التحرير وبعد استعادة المجتمع حرياته وحقوقه؛ اترى يريدون ان يحققوا بعد انسحابهم، ما لم يتمكنوا من تحقيقه اثناء وجودهم المؤمنن والمعسكر؟
الاعلام اللبناني عنده من الشوائب، ما عند سائر الاعلام الحر في كل العالم. وهذا معروف، لكن ما عنده، ليس عند النظام العربي الأقرب والأبعد.
ونظن ان اعلاماً حراً يشكو من فوضى ما، ومن هنات، ومن اعلام لا يشكو من شيء، لأنه مصادر ولأنه... غيرموجود فبديهي أن يكون الموجود افضل من غير الموجود لأن غير الموجود موجود افتراضياً ككثير من الأمور والظواهر الافتراضية: كالأشباح والجن والشعوذة... والاوهام.
كلمة أخيرة: حرية الاعلام ليست لا للمساومة ولا المقايضة ولا للمبادلة ولا للمصادرة. حرية الاعلام اليوم وبعد الانتفاضة من حرية المجتمع، ومن اركانه، ومن أسسه، ولهذا، لا يمكن لأحد عندنا ان يخاف لا من الديموقراطية، ولا من التعددية، ولا من حرية التعبير ولا من أي وسيلة من وسائل تظهير الصراع السياسي وغير السياسي بالطرق الحرة.
الذين يخافون الاعلام... هم العابرون باذنه تعالى!
لأنهم يخافون حقيقة ما آلوا اليه "بفضل" ممارساتهم وترهيبهم واستبدادهم!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.