8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"دنيا" علوية صبح دُنيا شاسعة

علوية صبح، في مفتتحها الروائي الثاني بعد "حكايا مريم"، المفتتح الجديد "دنيا" (صدرت عن دار الآداب في بيروت)، وعندما أقول مفتتحاً، فلأشير الى أن علوية صبح أحدثت في عملها الأول منعطفاً جديداً في الرواية اللبنانية الحديثة، منعطفاً، أعاد الى كتابة الرواية حضورها الخصب، المركب، والمتنوع المستوى، والمتعدد البنى، في الوقت الذي كادت الرواية اللبنانية الوقوع إما في مفهوم القصة الطويلة، أو في المباشرة، أو في السينما أو الأسلوبية كبديل من المعمارية الشاملة.
وعندما بدأت بقراءة "دنيا" خفت أن تعمد علوية صبح الى تكرار تجربتها الأولى، وأن تسلك الدرب الذي سلكته، وتطرق المناخات إياها التي طرقت. لكن، شيئاً وشيئاً، اكتشفت، وبمتعة، وباستلذاذ، وربما بوعورة خلابة، كم تجددت كتابتها، وكم اختلفت مقارباتها، وكم غزرت نواحيها. ولا أقصد هنا أنها خرجت كلياً عن أجواء روايتها الأولى، وإنما، وبفعل التراكم، والتجربة الداخلية المغذاة بالمدى الاجتماعي والسياسي والثقافي، حققت إنجازها الثاني، من خلال تقديم عمل مختلف في ظرف سنتين!
وفي هذا العمل اشتغلت علوية على صوغ رواية بمداخل عديدة، من دون مخارج نهائية. أي قدمت الرواية المفتوحة التي نكاد نفتقدها. الرواية المفتوحة (الطالعة من عمق الكلاسيكية الكبرى) التي نجد أن الشخصيات فيها، والأمكنة، والأزمنة، والبيئات، واللغات، واللهجات، والنبرات، مفازات، ونوافذ، تختلط فيها التناقضات، والاحتمالات، والتشخيصات. فكل شخصية عندها مفتوحة على شخصيات. وكل لغات مخترقة بلغات: من الفصحى الممسوكة، الى العامية، الى المكتوبة، والشفهي، والنبرات الصارمة أو السلسة. وهذا يعني، أن لغة الرواية المفتوحة، تؤكد على هويات متضاربة. هويات في الانتماء، هويات داخل النفوس. والسلوك، والمرجعيات، فتتصادم من دون أن تتلاغى، وتتعارض من دون أن تتناكر، وتتشابك من دون فقدان "تمايزاتها" الفردية وحتى الذاتية.
كان يمكن لعلوية صبح أن تكتب رواية "زاهية"، ملوانة، مغناجة مهضومة، ظريفة، تشكلها بعنوان "مغر" للأحداث والمراهقين، وكان يمكن أن تكتب رواية نضالية، أو "أنثوية"، تجعل فيها من المرأة مسألة ايديولوجية، قابلة للكفاح أو للجهاد، أو تجعل المرأة مادة دونية في مجتمع فوقي... أي كان يمكن أن تكتب علوية صبح رواية "تعجب"، أو تستدر تصنيفاً، لمديحها ناحية اجتماعية أو طائفية أو سياسية أو حتى إنسانية. رواية تجميلية، جديرة بمراكز التجميل الرائجة هذه الأيام. على العكس، اختارت الدرب الوعرة: تعرية الواقع السائد من كل مشوباته، ومعاناته، وأمراضه، وهزائمه، وغياباته. كتب الصدمة، بوعيها، ولغتها، وصوتها، وجرأتها، وقوتها، وصمودها في وجه مختلف أشكال التواطؤ، والتنازل، والقهقرى، أمام سطوة الظواهر الاجتماعية والسياسية المتصاعدة.
فـ"دنيا" رواية من جسد الواقع. ومن وحله، ومن كسوره، ومن أمراضه، وأعراضه، تشرحه بلا رحمة، ولا خوف، أو تراجع، رواية من الواقع ونقيضه، ومن الواقع وحلمه وما يطل على غرائبياته... بدون تعالٍ، أو خروج الى "مسك" اللغة فحسب، أو الأسلوب، أو منمنمات شكلية تطمس الروائي طمسها المعيشي، والتاريخي، والحميمي والسري، والممنوع، والمسكوت عنه. هكذا تسلط علوية صبح كل طاقاتها، وأرشيفها، وتجاربها، ورهاناتها، وشغلها، لتصوغ رواية تتوغل في ذاتها بقدر ما تتوغل في الخرائط والجغرافيات والتواريخ والتابوهات التي تشكل مادتها. لكن، الروائي عند علوية صبح في كسر كل ثنائية مبتسرة، أو مزيفة بين المعطى وتعبيره، بين المادة ومسافاتها السردية، من هنا الوعورة الفاتنة، ومن هناك الانسياب والسلاسة، من خلال امتلاك الأدوات، والايقاعات، والقواميس الممتدة على مدى الحالات والمواقف، والمفاصل التي تشد مختلف البنى ومستويات القول في وشيجة، لكن مفتوحة، وغير متعسفة، وغير مرصودة لتشاكيل جاهزة، وقد يبدو أحياناً، أن ثمة تدفقاً فائضاً في التفاصيل، أو في المراجعات، أو اللوازم، أو حتى في مجريات التعبير؛ هذا صحيح. لكن كل هذا يعود الى الحرية الرحبة التي تتميز بها عناصر الرواية في تقديم نفسها، أو في شق "زمنها" أو أزمنتها، من دون "الطوفان" خارج حدودها بحيث تقع في مجانية، أو في "آلية" أو في سردية مفلتة، أو حتى في "نص" آخر.
علوية صبح سواء في "حكايا مريم" أو "دنيا" محطة جديدة في الرواية اللبنانية، تكاد تكون الجواب المدوي لبعض المحطات الروائية اللبنانية، سواء عند توفيق يوسف عواد، هذا الكلاسيكي الكبير، أو عند يوسف حبشي الأشقر، هذا الرائد المجدد (تصوروا أن يوسف حبشي الأشقر، هذا لم يترجم له شيء الى اللغات العالمية، في حين ترى على أرصفة الترجمة روايات من نافل القول والكتابة!) إنها من زمن الى زمن. من زمن قل فيه الروائي وكثرت الثرثرة. الى زمن غزر فيه الروائي بمواسم كثيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00