لم يكن فرض اميل لحود رئيساً موصىً به وعليه، لا لتنفيذ الطائف أو ما تبقى من بنوده، ولا بتعزيز الوحدة الوطنية، ولا بإكمال المشروع الاعماري الذي كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدأ به، ولا بتكريس جمهورية الميثاق الوطني الجديد، ولا لبناء جيش عصري مقاتل يحمي الحدود والأمن، ولا لترسيخ الديموقراطية وحماية المجتمع المدني، ولا للقضاء على الفساد (كما في خطاب القَسَم)، ولا بنقل البلد من حالة الحرب الى حالة السلم الأهلي؛ لم يكن كل ذلك لا في وارد الرئيس الأوحد المفدى: المقاوم الأول، المواطن الأول، اللبناني الأول، والعروبي الأول (هذه يافطة علقتها الأجهزة في شوارع بيروت!)، ولا في وارد مَنْ هَيَّأَه في قيادة الجيش وصولاً الى الرئاسة الأولى.
عندما فُرض هذا "العسكري" الذي لم يحارب يوماً، كانت جمهورية "الطائف"، وبرغم كل العوائق، قيد التشكُّل، أو على الأقل، قيد الإعداد للتشكُّل، وإن في جوانب محددة، لا تمس تطبيق بعض البنود، خصوصاً وجود القوات السورية في لبنان، ونفوذ الشقيقة، وتدخلاتها في الشؤون الداخلية، نقصد أن جوانب محددة ـ بدأت تنجز على الأرض، خصوصاً في مجال الاعمار والبنى التحتية وتحسين الوضع الاقتصادي.
كانت الجمهورية ناقصة. وغير مستقلة. لكنها مع هذا استردت أشياء من ملامحها، ولو بالحيلة، أو بالتسلل، أو بإلحاحات الواقع. إذاً كان هناك مشروع نهوض ما، غير متوازن، بسبب الوجود السوري، وبقايا الذهنيات الميلشيوية والطائفية، لكنه مشروع نهوض، قاده رجل الدولة الكبير الشهيد رفيق الحريري. ويمكن أن نستشف من خلال ذلك أن الرئيس الحريري كان المحرّك لهذا النهوض. شخصيته الحاضرة بقوة، وإنجازاته، وحسه المدني، أكسبت تلك المرحلة حيوية وآمالاً جمّة، انعكست على قطاعات عديدة. فالجمهورية، ولو منقوصة، كانت تجمع أطرافها، وتستعيد بعض قسماتها، وكان المجتمع المدني (ولو مكبلاً بقيود الوصاية، ومصاباً بأدواته النقابية والأهلية، وخاضعاً لضغوط شتى)، يحاول استرداد شيء من روحه. وكان يكفي أن يؤتى برئيس جمهورية مدني وبرئيس حكومة مدني، لكي نتلمس، وبرغم كل شيء، مظاهر أو احتمالات تحرّك من الحالة الميليشوية الطاغية الى حالة أخرى يمكن أن توحي بتبدّل ما.
في هذه اللحظة شبه الانتقالية فُرض اميل لحود رئيساً. وتأبط منذ لحظة انتخابه الأول شرّه الجديد متمثلاً بخطاب القَسَم، الذي كان، برغم ادعاءاته بمحاربة الفساد، إعلان حرب على كل المرحلة السابقة. على المرحلة الجمهورية قيد التململ. وعلى كل الانجازات الاقتصادية التي تمت في الفترة السابقة، أي وأد مجمل الظواهر التي بدأت تتراكم لبناء جمهوية الطائف. بمعنى آخر إلغاء مبدأ الجمهورية بكل معانيها وتجلياتها. وكان عليه، لكي تخلو له الساحة أن يُعيّن رفيق الحريري عدواً له، لأنه يرمز الى المرحلة الانتقالية السابقة، فاشتغل على إبعاده وتهميشه، بكل الوسائل والوسائط غير الديموقراطية والوحشية والبربرية والفاشية أي غير الجمهورية. وفي موازاة ذلك، وبالتضامن والتكامل ونظام الوصاية، بدأت تصفية إرثِ لبنان وما تبقى من إرثه الديموقراطي، فتحوّل البرلمان الى أداة طيّعة في أيدي النظام الأمني المشترك، وتحوّلت الحكومة الى جهاز تابع للمخابرات. وباتت القرارات الاقتصادية والسياسية، وقرارات الحرب والسلم، والانتخابات والقوانين والمشاريع بين براثن العقول الأمنية (المجوّفة) وراح إميل لحود مدعوماً من نظام الوصاية، يستكمل مشروع ضرب فكرة الجمهورية البرلمانية، في محاولة استنساخية لجمهوريات الموز الأمنية، المعسكَرة، التي تسود العالم العربي لا سيما النظام السوري. وعلى هذا الأساس بدأت الفروق تتضاءل بين أنماط الحكم في سوريا، وبين لبنان. حكم فوقي جهازي يحل محل كل القوى الحيّة، والمجتمع المدني، وآلياته وأدواته. فضربت التجارب الحزبية، وأضعفت الاتجاهات الفكرية المتعددة من قومية الى تغييرية الى يسارية والى يمينية، وشرذمت الأطر النقابية وأُمنن القضاء وأستُبيحَت المؤسسات الأهلية، وسادت قبضة "الحاكم" الأوحد التابع للحاكم الأوحد هناك. ولكي تُستَكمَل "ورشة" تدمير الجمهورية، وتصفية كل ما يمت إليها بصلة، عمد النظام السوري بالإكراه أيضاً وبالعسف وبالقوة وبالتهديد والترهيب والارهاب الى التمديد لاميل لحود. وكان الخطأ الأكبر.
مُدِّدَ للحود. وكان له خطاب قَسَمُه الثاني هذه المرة بوصاية متجددة؛ خطاب القَسَم الثاني كالأول، لكنه يتميّز عنه بالدموية والاغتيالات، والانتقام. صارت الجمهورية على صورة من رُئِّسَ طربوشاً مثقوباً عليها، عاصمة القتل بامتياز. وصار إعلام النظام الأمني الثنائي اللبناني والسوري، إعلام قتل. وصار العمل السياسي برمته ملغىً بصفة التهديد والنار، واختزلت العقول الأمنية (المجوّفة) بتصفية الحسابات مع معارضي التمديد، وباختزال القوى السياسية ببضعة عملاء صغار فاسدين. وعلى هذا الأساس تمت سرقة بنك المدينة (أو استكملت)، ونهبت أموال الخلوي، والكهرباء، وتكاثرت الخوّات على المرافئ والمشاريع حتى الصغيرة ـ منها، واستُفحِلَ القهر، وفتح الملفات والتهديد والقمع، صارت الجمهورية مع التمديد ومع رستم غزالة ومع بعض السَفَلَة من العملاء، والأجهزة، ضد الجمهورية. صارت نفياً للجمهورية. صارت غابة يَستَفحَشُ فيها الفاحشون، ويسودها المافيات الحاكمة في النظامين. وارتفع القتل كسمة واضحة لخط هذه العصابات المفروضة. هذه المافيات التي دمرت فكرة الجمهورية، كان لها أن تلجأ الى إعدام "الجمهوريين". المتمسكين بالديموقراطية وبعراقتها التقليدية. فكان أول الدم في محاولة اغتيال مروان حمادة. ثم كان الزلزال: قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري. عندها، كان لهذه الجمهورية الكرتونية التي "يتربع" عليها رئيس كرتوني هو اميل لحود، أن تقهر كلها، أن تنزاح، أمام تداعيات كارثة اغتيال الحريري، وأمام جماهير 14 آذار، التي أعادت، للمرة الأولى، منذ 1943، معنى الجمهورية المعبَّر عنه شعبياً، وتحت شعارات استقلالية، وتحريرية، وديموقراطية، لتصل ذروتها عبر: 1) تأليف لجنة التحقيق وكشف الحقيقة؛ 2) تساقط النظام الأمني وسجن رموزه؛ 3) خروج قوات الوصاية واكتساح قوى 14 آذار الانتخابات وكسبها الأكثرية التي بها تألفت حكومة الأكثرية الجديدة. بمعنى آخر، استُعيدَت الجمهورية التي تمت تصفيتها على امتداد عهد اميل لحود المشؤوم، فكان هذا الأخير "رئيساً" بلا جمهورية، لنُصبح، بعد 14 آذار في جمهورية بلا رئيس. ذلك أن هذا المزعوم في بعبدا، متمسك بالبقاء في كرسي فارغ. في قصر مهجور، برغم كل النداءات والمطالبات برحيله. وبرغم غربته عن الحياة السياسية التي عادت (وكان مع نظام الوصاية الغى كل حالة سياسية في لبنان تماماً كما هي الحال في عدد من الأنظمة العربية وعلى رأسها سوريا).
كسُرت قاعدة "الاستنساخ" التي كان يقوم بها اميل لحود وحلفاؤه الأمنيون وكسرت هذه القاعدة التي يحل فيها "القائد التاريخي" "الأوحد" (يا عين!) والأعظم والخالد، محل الشعب والناس. وتحل أجهزته محل الدستور والقانون والمؤسسات. وتحل زمرته محل الجمهورية كلها، سقط الاستنساخ وافتتحت مرحلة جديدة وأميل لحود "المجنزر" الصدئ، المغبر، المعزول، الذي حول الرئاسة إلى مكتب إعلامي صبياني متخلف من الدرجة المئة، يكذب هنا وهناك ويكذب هنالك، مستنداً في "صموده" القسري والقَصْري إلى حسابات سياسية ضيقة وغير وطنية عند بعض القوى التي كانت اصلاً اما ضد 14 آذار، أو خارجة عليه كميشال عون، في سياق انتظار ظروف "خارجية" وتحديداَ سورية افضل، وبين ارادة تعزيز الجمهورية المستعادة، وبين جماعة غراب بعبدا في الترجل عن نعيقه، استكملت فلول النظام الأمني تنفيذ خطتها الارهابية. لغة الدم التي افتتحها اميل لحود ابان الوجود السوري وبمشاركته. استكملت بعد خروج القوات السورية وبوجود رئيس الجهاز المخابراتي اللبناني إميل لحود، فاستشهد اعز الناس واشرفهم من سمير قصير فجورج حاوي، فجبران تويني، ونجا الياس المر ومي الشدياق. فهو موجود "فوق" (اقصد في الدرك، في اسافل بلاط القصر وفي زواياه المعتمة) لمحاولة تهشيم الحالة الجمهورية الاستقلالية الجديدة، في شراكة مكشوفة مع النظام السوري وملحقاته الباقية. رئيس من عصر آخر، ومن لغة أخرى ومن نظام آخر، موجود وحده في جمهورية متجددة، في "عصره" اللاجمهوري كان اميل لحود رئيساً لجمهورية غير موجودة، وهاهو اليوم موجود في جمهورية بلا رئيس. صحيح أنه كان في الحقبة الأمنية الذهبية "رئيساً" بالوكالة، او ظلاً لرئيس، أو شيئاً آخر، إلا انه كان رئيساً افتراضياَ على الأقل. كل دوره أن يكون رئيساً وغير رئيس. في جمهورية غير جمهورية، وفي برلمان مصادر، وفي حكومة مقيدة. كان رئيساً يدعمه كل اعداء الجمهورية الديموقراطية وكل اعداء بناء الدولة، وكل اعداء الاستقلال. وكل اعداء الحرية، وكل اعداء الاعمار، وكل اعداء استعادة لبنان دوره الوطني والاقليمي. كل اعداء الازدهار الاقتصادي. هؤلاء كانوا اقوياً بضعفهم، أي اقوياء بسلطة البطش والطغيان. وبقدر ما كان "قوياً" بأعداء الجمهورية والسيادة، كان ضعيفاً على الأرض.
وقد ادى انفصاله (والنظام الأمني) الى تحول سلطته ومن يدعمها الى زمرة مافيوية فاسدة سطت على الدولة وعلى خيراتها وتآمرت على مصير البلد.
اليوم، سقطت العصبة المافيوية (عصابات شيكاغو المشتركة) لكن نسيت اميل لحود معلقاً على احد مشاجب القصر، أو متروكاً تحت احد المكاتب المعزولة. وكأنه بقي ولم يبق. رحل ولم يرحل، وضمن هذا الوضع المضحك، والتراجيدي، كان، ومن خلال زاويته المعتمة، (كعقول المخابرات) ان يكمل بعض ما تبقى له: التنكر لكل ما ارتكبه، عرقلة بناء الجمهورية، استمرارالتبعية للنظام السوري. تعميق الهوة بين اللبنانيين، اللعب على التناقضات، اخفاء تورطه في جريمة اغتيال الحريري عبرادعائه صداقته وحبه الكبير له!
تملصه من فضائح بنك المدينة (ابنه اميل جونيور الناصع البياض والذكاء والثقافة، والولد سر ابيه!).
لكنه كل ما كان يحاول ارتكابه واختلاقه بات مكشوفاً ومن دون أثر. فهو رئيس بلا أثر، لا فكر، ولا ثقافة، لا شفافية، لا وطنية، لا ديموقراطية، لا نظافة في اليد والعقل، كأنه صنيعة مخابراتية صافية تتحرك ضمن حركة مخابراتية عتيقة.
الجمهورية المتجددة بثورة 14 آذار في مكان. ورئيس الجمهورية المزعوم في مكان آخر. انه في جمهورية يحدها القصر الجمهوري. وربما مكتب من مكاتبه، بل وربما كرسي من كراسيه بل ربما صوت طالع من خراب صاحبه، وعلى هذا الاساس كأن جمهورية 14 آذار التي حققت السيادة، والاستقلال، تبحث عن رئيس يشبهها لا عن رئيس مستنسخ، اجوف، كل مواهبه وعبقريته يكمن في التآمر على خصومه، والتواطؤ او المشاركة في تصفيتهم... فرئيس مستنسخ يمكن ان نجده في اي مكان من أمكنة النظام العربي البائد.
اما الرئيس الذي يشبه شباب 14 آذار وتطلعاته فلا بد ان يكون رئيساً طالعاً من عمق الضمائر المليونية. رئيساً "غيرمعسكر" وغير "مؤمنن"، رئيساً يعبر عن المجتمع المدني لا عن الطغمة المخابراتية، رئيساً يمثل اللبنانيين لا نظاماً امنياً خارجياً. اي رئيساً يؤمن باستقلال لبنان، وبسيادته، وديموقراطيته.
هذا هو الرئيس المنتظر. وفي انتظاره، ينتظر غراب بعبدا، من ينجده، ومن ينتشله من هاويته، ومن يخرجه، ومن يعيد اليه، عبثاً "جمهوريته" غير الفاضلة.
فهو كان على امتداد الحقبة الأمنية رئيساً اسمياً على جمهورية اسمية. وهاهو اليوم ظل واه منقرض في جمهورية جديدة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.