سقط الازميل من اصابعه، ببطء، اليف الحجر، وربيبه، ومسقط عينيه، ووجهه، وانفاسه.
سقط الازميل من اصابع ألفرد بصبوص، كما تسقط الاصابع من الاصابع، والجسد من الجسد، والحياة من الحياة. ذلك، ان الازميل، الذي صار جزءاً من الجلد، لم يعرف الراحة. حملته كفّان لم تعرفا الاستكانة. كفّان تهفو منهما القلق، والضرب في الحجر، كما الضرب في المجهول. والنحت في الوعر كما النحت في الروح. مات عن ثمانين، منضماً إلى شقيقه الأكبر ومعلمه ميشال (رحل في 1980)، والى شقيقه الاصغر يوسف (رحل قبل سنتين)، وما بين مسافات الموت هذه، رحلة طويلة، تبدأ بالحجر، والصخر، والخشب، وتنتهي باجتراح الشكل.
الشكل الذي كان "هيولى" ولا شكلا وصار بدناً ، وحواسّ، ينبض هنا، ينزف هناك، ويمشي في كل مكان، فالنحت سر من اسرار الخليقة، سفر من اسفارها، تخطه اصابع، تكسر المألوف على قدر ما ترفع كائنات نصفها ضوء ونصفها غامض. بعضها يتجرد لكي يصفو في غنائه المشوش، وبعضها يتشكل لكي يمتحن شكلاً عليه تجاوزه. نحات العبور الفرد بصبوص، العبور من هاجس الى هاجس. من مغامرة إلى مغامرة. من جنون جميل إلى جنون جميل، اي من ولادة إلى ولادة. فكان على كل ولادة ان تكون لولادة أخرى. الكائنات تسكن ثم ترحل الى سواها. هذا هو السر الذي يبقى سراً، وهذا هو جوهر ان تكون ضمن التحديث. ان يكون شاسعاً هذا التحديث. بلا تقنين ايديولوجي. أو نظرية محددة. أو مستقبل مرسوم، ان يكون التحديث على اختلاف مع ذاته، ان تمتد الاصابع الى الحجر ثم تنفيه، تستله من عدمه، وتلقيه في فضاء آخر غير مستقر، وغير آمن؛ ذلك ان الفن (حديثاً كان او غير حديث) هو مساكنة الخطر، والمجازفة، والتعاطي مع المادة، ومع الدرب، والمسافة، وكأنها على هاوية، وكأنها على مطل نهاية، اذ ان كل بداية نهاية. وكل نهاية بداية، وباصابعه ان يكسر هذه الثنائية، وينفي الاثنتين، تماماً كما حاول نفي كل ثنائية: شرق غرب، جمال قبح، شكل لا شكل، حديث وغير حديث (بالمعنى الجاهز)، تجريدي وتصويري ـ غريب واليف، رمزي وتوضيحي، وبهذا النفي عرف وخبر ان النحت مسألة وجود. مسألة تحفير في الوجود. تحفير في الجسد. وفي الحواس وفي العالم. وهذا بالتحديد ما جعل نتاجه، وتجاربه، وفضاء محترفه، وكل ما شكله يجافي التزيين، والاستهلاك والزخرف، فمن يعذبه الفن الى هذه الدرجة الوجودية، من الصعب جدا ان يتخلى عن وعورته، وبريته، واستثنائه، وينصب اعمالا للتزويق، والراحة، والسكون، اعمالا لا تقول، ولا نرفض، ولاتصرخ، ولا تكسر اعمالاً تنتصب في بكمها وجمادها.
رحل الفرد بصبوص وغادر راشانا. رحل البطل الثالث والأخير من تلك الفسحة الثلاثية الضاجة بالكائنات البصبوصية. تلك الكائنات، التي ستفتقد كثيراً، من انتشلها من العدم. فكأن المبدعين محكومون دائماً، بأن يخلفوا وراءهم ما احيوه ونفحوا فيه الحياة.. ثم يرحلون، هكذا، لا بغية لهم، ولا متاع، سوى ما يشيعن من ابداعاتهم، وما يستذكرهم، وما يشهد طويلا طويلا على ارثهم الطويل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.